أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » عقلية الاحتفاظ بالتراث العمراني إلى أين؟ … بقلم : عبد الكريم انيس *

عقلية الاحتفاظ بالتراث العمراني إلى أين؟ … بقلم : عبد الكريم انيس *

يمكن للحجر أن يكون خير شاهد على ما فعله البشر، فهو أفضل من يسجل بين جنباته وريقات لا تحتاج التصفح، بل تحتاج فقط أن تمعن النظر وتشاهد وتستمتع وتتعلم، لتكتشف مكنونات صاغها أولئك السابقون من البشر، علكّ تضيف ما قد غاب عن أولئك الذين انتقلوا من العشوائية باتجاه الحضر.

تعد هذه المنطقة من العالم أغنى المناطق على الإطلاق بتراث معرفي وبشري و آثار عريقة حيث يعرف أنها صدّرت الحضارة للعالم في حين من الزمن، ولا يمكن أن تخطو قدمك شبراً إلا وتجده قد احتوى شيئاً يمكن اعتباره من ذاك أثراً مهماً. وهذا يجعل المسؤولية في الحفاظ عليها وعلى آثارها، بالغ الأهمية كون فقدانها واندثارها يعد إفقاراً للتراث العالمي الإنساني بشهادة من منظمة دولية هي اليونسكو المعنية بالتراث الإنساني العالمي.

من هذه الآثار الباقية دورٌ للسكن تميزت بطراز معماري بديع، امتلكت من خلال غرفها الواسعة والرحبة ونمطها العمراني مزايا فريدة من حيث التوزيع الحسي للجماليات والتوزيع الوظيفي البالغ الفرادة، فحققت لقاطنيها الراحة والأمان.

إن بناء تلك الدور كان يتم بطريقة عبقرية مدروسة من النواحي البيئية والمناخية والاقتصادية محققاً لقاطنيه الصحة والأمان الاجتماعي والنفسي وملبياً حاجاتهم الإنسانية بالحصول على مسكن صحي لائق ومناسب. إن ما يطلق عليه اليوم اصطلاحاً بـ”البيئة المستديمة” كان أهلونا الأقدمون قد حققوه باستخدامهم للخشب والأحجار كمواد للبناء غير ضارة بالبيئة، فطبيعة هذه المواد عازلة توفر الرطوبة في الصيف والحرارة في الشتاء. وكميزة مضافة فإن الدور القديمة كانت تبدو عادية ومتشابهة من الخارج مراعاةً لشعور غير المقتدرين مادياً وتعبيراً عن قيم التكاتف والمحبة بين الناس لكن الاختلاف كان يظهر داخل هذه البيوت من حيث الزخرفة ونوعية المواد المستخدمة.

وبسبب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ومالها من تأثيرات فارقة في المجتمعات فإننا بدأنا نلحظ تدهوراً واضحاً في العناية ببيوتاتنا التراثية القديمة متمثلاً بالإهمال، وسوء العناية، وعبثية التخطيط وشططه، بجانب دور السلوكيات الاجتماعية الخاطئة في التعامل مع تراث فني يجب أن يصان وتحترم أصالته على نحو لائق.

تكمن خطورة ما وصلنا إليه بارتباطه بفقد الإحساس بالجمال وانهيار اعتبارات العناية بكل ما هو أثري وترميمه وبذل المال في سبيله, والكارثة المآل هي الرضا والقبول بالصورة القبيحة وانتشارها حتى أصبحت عرفاً وقانوناً يجب التأقلم معه بدل الاهتمام بإيجاد الحلول المنطقية له بغية إعادة تأهيله كون الجهة الرسمية، وزارة الثقافة، بصفتها مسؤولة عن تطبيق القوانين واتخاذ الإجراءات التنفيذية، المتعلقة بهذا الخصوص، تضع في دراساتها السلحفاتية بيروقراطية غريبة وعجيبة قائمة على الاستئثار بالقرار لوحدها، أو لنقل بعبارة أدق لا تشجع أحداً على التقدم لمد يد العون بهذا الشأن، وهي بذلك تسهم بشكل كبير في هذا القصور والتشوه البصري الحاصل كون اعتمادها الأساس قائم على الاهتمام بالمناطق الرئيسية الظاهرة للعيان فقط وتوكل باقي المناطق القديمة وبيوتها الفرعية للوضع على “القائمة الزرقاء*” بانتظار تقييم التنقيبات، المتأخرة سلفاً، لعدّ هذه المناطق أثرية أو نفي هذه الصفة عنها، الأمر الذي قد يمتد عقوداً من الزمان كي تقبل بالمساهمة بترميم هذه المنطقة أو تلك مع بقاء الحال المزري الذي وصلت إليه الكثير من المناطق إلى ما هو عليه حتى قيام يوم الدين!!!

إن عدم إشراك الجهات الأهلية، غير الحكومية، التي يمكن الاعتماد , عليها في تأهيل بيوتنا القديمة الأثرية ككلية الهندسة المعمارية أو كلية الفنون الجميلة من جهة ربط الجامعة بالمجتمع (كإنشاء مشاريع تخرج تعيد ترميم هذه المنطقة أو تلك) له بالغ الأثر في سياسة المراوحة بالمكان والالتزام بسياسات إنفاقية مقننة لتحسين هذه المناطق المهمشة تخديمياً، لن نستطيع أن نتحرك في ضوئها بما هو مطلوب للنهوض من حالة لعنة الركود التخديمي الذي يلاحق هذه المناطق التي تُعدّ في أماكن أخرى في العالم مناطق حساسة وذات اهتمام خدمي وترويجي لائق.

لا أعرف تفسيراً حقيقياً لماذا يُكبل حي بأكمله لأن لقية أثرية قد وجدت في مكان ما فيترك المكان، خصوصاً إن لم يكن على بقعة تسليط الضوء، برسم الإنتظار مع محيطه لدرجة أن عامة الناس باتت تعتبر اللقى الأثرية في مناطقها لعنة مسكوبة عليها من السماء، فسرعان ما سيتجمد المكان ويهبط سعره للحضيض، ألا يدفع هذا الواقع البعض على إخفاء آثار يعثر عليها عرضاً ، جراء خوفه، أثناء القيام ببعض الإصلاحات أو التجديدات الدورية!؟ وهناك أيضاً، بذات المنحى، تجميد كامل لأحياء برمتها لأن أحد المباني الأثرية الباقية في المنطقة يحتاج للتمحيص بشأن أهميته ودوره في حياة أحد الشخصيات الهامة فيُرغم باقي سكان الحي على مشاهدة خرابة مقبورة في وسط حيهم، تحوي جميع أنواع القوارض وتكون وكراً تمارس فيه أعمال الرذيلة في الخفاء، كأن وساطة أولئك الأشخاص الهامين تتواصل في التاريخ ولا تموت بالتقادم لتُأخر انسيابية حياة الناس البسيطة اليومي!!

و لم أفهم كيف تمر بعض المشاريع ذوات النجوم المخمّسة حتى وإن بنيت على سور المدينة القديم كحال فندق الشيراتون بحلب!!!…. هل هي الليونة والمرونة التي نريدها جميعاً أن تكون على ذات السوية بالتعامل مع باقي المناطق المحاطة بقدسية “مناطق خاضعة للتراث الإنساني”؟ أم هي اعتبارات أخرى تجري من تحت الطاولة ومن خلف الشبابيك وهلمّ دواليك؟

إلى متى سنبقى معلقين بين حديّ المقص بمعادلة صعبة الشرح والتطبيق مفادها أننا معوزين مادياً لدعم هكذا مشاريع تأهيلية و بالقدر ذاته معوزين تخطيطياً وجامدين بيروقراطياً تعوزنا الهمّة والشعور بالمسؤولية تجاه تراثنا المعماري بالطراز القديم ليكون التلوث البصري سيد الموقف، بالإضافة لفتح باب التأويل والجود بما هو موجود، أمام العموم، الذين لا يستطيعون الانتظار زمناً أكثر مما استطال، فيقومون بجهود شخصية تسهم بشكل أو بآخر في إذكاء الفوضى المعمارية من حيث اختلاف المقدرة المادية والتعامل مع الأبنية في الموقع الواحد وبروز فارق تقنيات ومواد البناء بين منشأ وآخر مما يؤدي حكماً لنشاز واضح في التناغم التصميمي لها!؟

السادة الأكارم

إن الكثير من العائلات المحترمة قد خرجت، ولازالت، من رحم هذه الحارات العريقة والعتيقة التي يفوح منها عبق الشهامة والكرامة وكل خُلق كريم، لكننا بتنا نجدهم اليوم يتبرؤون منها خجلاً بعد أن لحق بها عار المهانة والإهمال والتلوث غير المبرر من قبل الموكلين على الاهتمام بها وإعادة تأهيلها بما يتناسب مع حجم المكانة التاريخية لها أو التخلي عن تلك التي لا تحمل تراثاً حقيقياً وإزالتها مباشرة والسماح بالبناء عوضاً عنها، خصوصاً أن أسعار الأراضي القابلة للبناء باتت تحمل أرقاماً فلكية في ظل نوم المخططات التنظيمية في أدراج المخططين لها لأسباب غير مفهومة.n>.

حسب رأي الشخصي، أجد أن على المعنيين بالحكومة بهذا الشأن، أن يرفعوا من قيودهم الجامدة تجاه أي محاولة لترميم هذه المناطق من جهات غير حكومية وعليهم أيضاً أن يشجعوا أطرافاً مختصة ويمولوا قروضاً طويلة الأمد و بدون فوائد لأصحاب هذه البيوتات مع المحافظة على نسق عام يضمن ما تم اعتماده من مخططات وواجهات وألوان تم اعتمادها من قبل قسم الرخص بالبلديات، الخاص بالمدينة القديمة، بعد مراعاة لعوامل تبعية هذه المنطقة لهذه الفترة التاريخية أو تلك و هذا أقل ما يمكن القيام به تجاه ثروة وقعت بأيدي أناس لا يعرفون لها حقاً!



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع