أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الخمينية السياسية؛ ركائزها وأدواتها : وحدة دراسة السياسات الاستراتيجية – للباحث أسامة محمود آغي

الخمينية السياسية؛ ركائزها وأدواتها : وحدة دراسة السياسات الاستراتيجية – للباحث أسامة محمود آغي

وحدة دراسة السياسات الاستراتيجية – أسامة محمود آغي

أحدث وصول آية الله الخميني إلى هرم السلطة السياسية في إيران إبان انتفاضة الشعب الإيراني ضدّ طغيان الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 قطعاً تطورياً في سياق تطور البنية المجتمعية الإيرانية، فالشعارات التي رفعها الخميني وأنصاره الذي غدا مرشداً مطلق الصلاحيات السياسية والدينية، وكذلك الأهداف التي ينشد الخميني تحقيقها أوضحت أنّ الهدف الرئيس أمامهم هو إقامة نظامٍ سياسي على أساسٍ ديني؛ هذه الورقة تبحث في الخمينية السياسية وركائزها وأدواتها من خلال ما يأتي:

الخمينية وأهدافها.
الدستور الإيراني وطائفيته.
الحرس الثوري والباسيج ووظيفتهما.
البنية الذهنية للخمينية السياسية.
آفاق الحكم الديني الإيراني.
مدخل

تعتبر إيران دولةً شرق أوسطية، فهي تُطلّ على الخليج العربي بجبهة طولها 1660 كم تقريباً، وتطلّ أيضاً على بحر قزوين بساحلٍ طوله 800 كم. تقع إيران بين دول شرق البحر الأبيض المتوسط من جهة، ودول وسط آسيا وجنوبها من جهةٍ أخرى. هذا الموقع المهم كانت تعبر في جزئه الشمالي طرق التجارة الدولية الرئيسة، ولهذا تلعب هذه الجغرافية دوراً مهماً في استراتيجيات الصراع الدولي، ما جعل منها منطقة تنافس شديدة. تبلغ مساحة إيران 1648 ألف كم2(1)، ويجاورها من الغرب تركيا والعراق، ومن الشمال تجاورها تركمانستان وأذربيجان، وتحدّها من الشرق أفغانستان وباكستان، أما من الجنوب فيحدّها الخليج العربي.

تُعتبر إيران دولةً زراعية، إذ تساهم الزراعة بنسبة 23 في المئة من قيمة الناتج الوطني الإجمالي(2)، ويستقطب قطاع الزراعة 28 في المئة من قوّة العمل الإيرانية. وتبلغ الأراضي القابلة للزراعة نسبة 25 في المئة من مجمل مساحة إيران، بسبب عدم توافر مياه الري والنقص الحاد في كميات المياه. أما على صعيد الثروات الأخرى فإيران تُعدُّ من الدول الغنية بالطاقة والممتلئة بالنفط(3). وهي من الدول التي تحاول بناء صناعة متقدمة، وتُعتبر ثاني دولة في إنتاج السيارات في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى إنتاج مواد البناء والمعادن والمنسوجات.

الخمينية وأهدافها

أحدث وصول آية الله الخميني إلى هرم السلطة السياسية في إيران إبان انتفاضة الشعب الإيراني ضدّ طغيان الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 قطعاً تطورياً في سياق تطور البنية المجتمعية الإيرانية، فالشعارات التي رفعها الخميني وأنصاره الذي غدا مرشداً مطلق الصلاحيات السياسية والدينية، وكذلك الأهداف التي ينشد الخميني تحقيقها أوضحت أنّ الهدف الرئيس أمامهم هو إقامة نظامٍ سياسي على أساسٍ ديني، فالخمينية ترتكز على قاعدة ارتباط الدين بالسياسة، هذا الارتباط يُعتبر حجراً أساساً لبناء الحكم الخميني، الذي نادى بوجوب تأسيس نظامٍ سياسي في عصر الغيبة، فالمجتمع في أي عصرٍ حتى زمن الغيبة يحتاج إلى حكومة يجب السعي لإقامتها(4)

إيقاف حركة تطور بنى المجتمع والدولة الإيرانيين ضمن سياق تطور قوى الدفع الاقتصادي والسياسي والفكري، واستبدال بنية أيديولوجية ما قبل وطنية (دينية – طائفية) بهذه الحركة التطورية الطبيعية يأتي بحالة من العرقلة العميقة لتطور البنى الاجتماعية والسياسية في البلاد. وعلى الرغم من أن الخمينية أعلنت عن أهدافٍ في العدالة والحرية والاستقلال والثقافة لكنها أبقت هذه الأهداف في حالةٍ ضبابية، إذ لم ترتبط الأهداف بمدلولاتها الحقيقية، وهذا ما جعل من العدالة هدفاً للنظام السياسي الجديد تهتم به الحكومة التي تعتبرها الخمينية وسيلةً لتحقيقها. ونصَّ الفكر الخميني على حرية الإنسان الدينية والاجتماعية، أو حريته الفردية المتضمنة حرية الاعتقاد والتعبير. ورأى أن وجود الحرية ينحصر في إطار مصلحة البلاد، ذلك كله يجب أن ينبع من القوانين الدينية النابعة من الإسلام. ورأى الخميني أن الاستقلال يتضمن عدم التبعية الوطنية للخارج، وأن الثقافة حجر الشؤون السياسية والاقتصادية وقاعدتها.

إنّ الخمينية التي جعلت من مفهوم نظرية الولي الفقيه قاعدةً للحكم، كانت تهدف أساساً إلى جعل مفهوم الدولة وفق هذه النظرية ليس مقتصراً على الإدارة الوظيفية لمؤسسات الدولة الشرعية، بل تعداه إلى فرض حالةٍ من الوصاية الوجدانية على الشعب والتحكم في تصوراته ومنطلقاته الدينية والشخصية(5).

الدستور الإيراني وطائفيته

لا يختلف الشعب الإيراني بمكوناته المتعددة إثنياً ودينياً وطائفياً عن باقي الشعوب الأخرى في المنطقة من ناحية ميوله التدينية، لكن الخمينية السياسية وبعد هيمنتها على السلطة اتجهت بالمجتمع الإيراني إلى مرتبة أضيق من ناحية دور الفكر الديني في حياته، هذا الضيق أتى على قاعدة غير وطنية، لأنه ميّز بين الطائفة الشيعية في البلاد وباقي المكونات الدينية والطائفية.

كانت الخمينية تريد إحلال نظامٍ إسلامي يقوم على نظرية الولي الفقيه التي تُعتبر التمظهر الأكثر تطوراً في بنية العقل السياسي الشيعي(6).

نصّ الدستور الإيراني على أن يكون رئيس الدولة منتمياً إلى مذهب الدولة الرسمي، وليس دينها الرسمي، إذ نصّت المادة 12 من الدستور على أن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثني عشري. وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلةٍ للتغيير، فالرئيس يجب أن يكون شيعيّاً إثني عشرياً وليس مسلماً فقط.

لكن الدستور اعتبر أن الولي الفقيه الذي تعود إليه السلطات كلها السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية في البلاد، يُعتبر الحاكم السياسي والمرشد الديني في الوقت نفسه. المرشد هو نائب الإمام المعصوم وفق العقيدة الإثني عشرية. وعلى الرغم من أن هذه النيابة ليست نيابة مقام بل نيابة وظيفة، إلا أن هذه النيابة تمنح الولي الفقيه سلطة الإمام في المجالات كافة، ولذلك يكتسب المرشد موقعاً فيه نوع من القداسة، تجعل من أحكامه وقراراته ذات صفة ألوهية.

إن تصميم بناء النظام السياسي الإيراني وفق رؤية الخمينية السياسية قام على إحداث مؤسسات وأجهزة شرعية كثيرة متداخلة تعمل بتضافر على جعل السلطة الفعلية بيد فئة واحدة هي فئة فقهاء الشيعة الدينية وتعمل على تحصين موقع الولي الفقيه، وتضمن استمرار هيمنته، واستقرار نظام الحكم الديني.

لقد نصّت الماد 5 من الدستور الإيراني على أنه في زمن غيبة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه، تكون ولاية الأمر، وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بعد الفقيه النقي البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة وفقاً للمادة 107.

إن الولي الفقيه قائد الأمة لا يُنتَخب شعبياً، بل توكل مهمة تعيينه قائداً إلى الخبراء المنتخبين من الجامعين للشروط المذكورة في المادتين 105 – 109. ومن هذه الشروط أن تتوافر لدى القائد المرشد الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه ..إلخ.

مرتبة الولي الفقيه بالمعنى السياسي هي مرتبة فوق قانونية، إذ يمكن للمرشد أن يفتي وتُعتبر فتواه قانوناً ملزماً، ومن ثم لا سلطة فوق سلطته تشريعياً وسياسياً وفكرياً ودينياً، وهذا عملياً هو تكثيف لا عقلاني لسلطة زمنية ترتبط بالتطور، إذ ليس من المنطق هيمنة ممثل مجمّع الفقه الديني المرشد على مناحي الحياة كلها انطلاقاً من صفة وضعية اخترعها الخميني بقوله إن المرشد هو ولي الفقيه ونائبه.

الخمينية السياسية عملت على تحويل البنية المجتمعية بأنساقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى بنية غير فاعلة خارج نطاق مشيئة المرشد وفئة الفقهاء، وهذا يعني سيطرة فئة محدودة العدد على الكلّ الاجتماعي، وتحوًل الكلّ الأكبر إلى أداة لتنفيذ مآرب وأهداف الفئة الصغيرة سواءً في الشؤون السياسية للبلاد أم الاقتصادية أم غيرها .

الخمينية السياسية ارتكزت إذاً على دينية مجتمع بسيط، وحوّلت هذه الحالة الدينية إلى حقل سيطرة وهيمنة شاملة، وهذا ما تجلّى في الدستور الإيراني، الذي صاغ بنية الدولة، وربط مؤسساتها كلها التشريعية والقضائية والتنفيذية بسلطة أعلى غير منتخبة شعبياً، هي سلطة الولي الفقيه ومجمعه الفقهي.

الحرس الثوري والباسيج ووظيفتهما

تُطلق تسمية الحرس الثوري في إيران على تشكيلات عسكرية غير نظامية، تأتمر بقرارات مرشد الثورة مباشرة، هذه التشكيلات بُنيت من أجل المحافظة على سلطة الخمينية السياسية، ومن ثم سُجِّلت بأسلحة متطورة، تفوق تكنولوجيتها تكنولوجية أسلحة الجيش النظامي، سواءً كانت تشكيلات برّية أم تشكيلات بحرية أم تشكيلات جوية.

لقد ظهر الحرس الثوري الذي يسمى باسدران في الخامس من مايو/ أيار 1979 بعد انتصار الثورة الإسلامية وإطاحة نظام الشاه عبر مرسوم من الإمام الخميني، ووضع تحت إمرة المرشد مباشرة. وكان الهدف الرئيس من إنشاء هذه القوة جمع القوات العسكرية المختلفة كلها التي نشأت بعد الثورة في بنية واحدة موالية للنظام لحمايته وإقامة توازن مع الجيش التقليدي الذي لم يشارك في الثورة وظلّ بعض ضباطه أوفياء لحكم الشاه(7).

الحرس الثوري هم مقاتلون دفعهم حماسهم الديني وولاؤهم الأعمى للنظام إلى التطوع في هذه المنظمة من أجل القتال ضدّ أعداء الخمينية داخل البلاد أو خارجها، ما جعلهم في مرتبة امتيازات كبيرة، منحتها لهم سلطة المرشد، هذه الامتيازات أعطت الحرس الثوري نفوذاً داخل أجهزة الدولة على صعيديها السياسي والاقتصادي. وقد لعب الحرس الثوري دوراً أساسياً في حرب إيران ضدّ العراق بين عامي (1980 – 1988)، إذ إن هذه القوة العسكرية تمتلك أسلحة متطورة برّية إضافة إلى سلاحي الطيران والبحرية الخاصين بها.

إذاً يمكن اعتبار قوات الحرس الثوري ذراع الخمينية السياسية الضاربة، إذ أحدثت هذه القوات منظمة شبه عسكرية أطلقت عليها اسم الباسيج، قوامها من الشباب وطلبة الجامعات، وتعمل قوات الحرس الثوري على تدريب أفراد هذه المنظمة، وتزويدهم بالسلاح.

الحرس الثوري الإيراني لم يبق في مواقع عمله العسكرية فحسب، بل انخرط في كثير من المشروعات الاقتصادية التي تقدر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والبنى التحتية، وتتبعه مؤسسات مالية واستثمارية ضخمة داخل إيران تشمل قطاعات إنتاجية وخدماتية مثل الإنشاءات والطرق والنفط والاتصالات.

ويبيّن تقرير تفصيلي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية مدى استفادة الحرس الثوري الإيراني من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة (خمسة + واحد) الدولية.

يؤكد التقرير أن الحرس الثوري يسيطر على ما يزيد على 50 في المئة من وزارة التجارة والصناعة، عدا عن استحواذه على جلّ أسهم شركة الاتصالات الإيرانية، إضافة إلى سيطرته على مفاصل الأمن الداخلي، ومساهمته في التدخلات الخارجية الإيرانية، وتحكّمه في كثير من المشروعات الاستثمارية التابعة للشركات العملاقة في إيران(8).

ثروة الحرس الثوري لها أهداف مهمة، تتجلى بثلاثة أهداف كبرى، هي العمل على توليد إيرادات لتمويل النشاط العسكري للحرس الثوري، بما في ذلك برامج الصواريخ النووية البالستية في إيران، ورعاية الإرهاب في الخارج. ويقوم الحرس الثوري بإيجاد شبكة من الشركات والمؤسسات والبنوك والمكاتب والسندات التي تمكنه من إنشاء مشروعات مشتركة يمكن من خلالها تنفيذ الحصول على المشتريات المتقدمة من الأسلحة والتكنولوجيا الحساسة. وفي باب ثالث تعتبر ثروة الحرس الثوري مجالاً لتوليد الثراء الشخصي الذي يعزّز من النفوذ السياسي. هذه الثروة المالية لعبت دوراً كبيراً في خلق نفوذ جدّي وكبير للحرس الثوري داخل الدولة الإيرانية، وهذا ما جعل كثيراً من الشركات تطلب مساعدة شركات الحرس الثوري للحصول على التقنيات الممنوعة أو المواد الخام، إضافة إلى تمويل المشتريات من خلال وسطاء الأسواق الخارجية.

أما منظمة الباسيج فهي منظمة تتبع للحرس الثوري، ويبلغ تعداد أفرادها ملايين الأشخاص، إذ تشكّل محوراً رئيساً لكل حركة الشباب وطلبة الجامعات الذين أطّرتهم الدعوات السياسية والدينية للخمينية السياسية.

وتلعب منظمة الباسيج دوراً احتياطياً يرفد قوات الحرس الثوري بكوادر مدربة، وكذلك تلعب هذه المنظمة دوراً في تنفيذ الإرادة السياسية للحرس الثوري، وتنبري هذه القوات لتنفيذ (مهمات قذرة) مثل مواجهة التظاهرات الاحتجاجية في الشوارع بالقوة، وحتى تزوير الانتخابات(9).

وفق ما تقدم يمكن فهم أن أداتي الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج هما أداتان تعملان خارج سلطة دولة مدنية منتخبة وفق دستور وطني لتنفيذ سياسةٍ يرسمها الولي الفقيه ومجمّع الفقه الديني التابع له، إذ تؤمن هاتان الأداتان للسلطة الدينية استمرار الهيمنة على الدولة والمجتمع بوساطة قوتهما العسكريتين. فالحرس الثوري هو أداة فعلية لتنفيذ سياسة تصدير الثورة إلى المحيط الإقليمي لإيران من خلال ربط تشكيلات طائفية في بلدان الجوار بهذه الأداة للعب دور الانقلاب على أنظمة الحكم السياسية، ومن ثم تحويل هذه البلدان إلى بلدان تتبع إرادة الولي الفقيه من خلال سياسة فرض المذهب الإثني عشري على شعوب المنطقة.

البنية الذهنية للخمينية السياسية

البنية الذهنية للخمينية السياسية تدين بالولاء والفعل للدولة الصفوية التي حكمت إيران وبلاد فارس ما بين عامي (1507 – 1735)م. فبرأي الخميني أن االفضل يعود إلى الدولة التي أنشأها الشاه إسماعيل في المحافظة على الكيان الشيعي وانتشار التشيع، لقد كان إسماعيل الصفوي رجلاً صوفياً، ومن شأن الصوفية أن تؤمن بالكشف أي بالإلهام الغيبي، وقد كان يعلن لمريديه ألا تحرّك إلاّ بمقتضى أوامر الأئمة الإثني عشر، وأنه معصوم وليس بينه وبين المهدي فاصل(10).

وفق هذا المنطوق الكلامي الذي اعتمده إسماعيل الصفوي وُلِدت فكرة الولي الفقيه ولتنفيذ هذه الفكرة كان لا بدّ من طقوس دينية احتفالية تُعيد إنتاج هذه الذهنية، وبهذا تبنّى إسماعيل الصفوي الاحتفال بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنه لتركيز والفكرة وتثبيتها في اذهان الأتباع وتحويلها إلى يوتوبيا.

الخمينية السياسية قامت على هذه الأرضية الفكرية، ولهذا قال الخميني عن القصير الطوسي وابن العلقي(11): أنهما قدّما للإسلام خدمة عظيمة وكان يقصد تآمرهما مع المغول على قتل الخليفة العباسي المستعصم بالله.

إذاً الخمينية السياسية تبحث عن إعادة إنتاج الدولة الصفوية البائدة. ولتحقيق هذا الهدف المهم لا بدّ من تصدير فكر الخمينية السياسي تصدير الثورة إلى المحيط الإقليمي من أجل تحويل هذا المحيط إلى امتداد جغرافي وديموغرافي وديني يخضع لسلطة الولي الفقيه.

هنا يتضح أن الطائفية الشيعية هي لون سياسي للقومية الفارسية، وقد اتحد المفهومان عبر حركة الخميني السياسية من أجل إعادة بناء الدولة الصفوية الحديثة الإمبراطورية الإيرانية. هذا ما أورده الدكتور نبيل الحيدري في دراسته إيران تبحث عن الحلم الإمبراطوري إذ قال: أما شريعتي فيعتقد أن مشكلة إيران هي الحلم بالتاريخ الإمبراطوري الذي تريد إعادته واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارساته المختلفة(12).

(لا يتضح في الشاهد أن هذا رأي نبيل الحيدري بل هو رأي شريعتي؛ والقول مقتطع وغير واضح؛ أرى أنه من الضرورة بمكان إتمام الشاهد بطريقة توضح الغرض منه).

الخمينية السياسية تبحث عن إعادة أمجاد إمبراطورية فارس بأدوات جديدة، هي اعتماد الأيديولوجيا سلاحاً لنشر فكرها في المحيط الإقليمي، وهي تعتمد على حركة التخريب الداخلي في البلدان المستهدفة، من خلال شراء ولاء المعوزين من جهلة الناس بالمال، المعوزون الذين يجهلون أمور الفكر الديني، ويجري تحويلهم إلى أدوات لاحقة للمشروع الإمبراطوري الإيراني. إذ يقول المرشد علي خامنئي: أول درس تعلمناه من الثورة الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية هو أن علينا أن تكون نظرتنا أبعد من الشعب الإيراني كي تصل إلى الأمة الإسلامية فالخميني يقول: إن إيران قدوة شعوب العالم معتبراً أن من يعاديها يعادي الإسلام(13).

ولكن لماذا تلجأ الخمينية إلى ممارسة العنف الثوري وإلى تصدير الثورة إلى الجوار العربي؟. قد يقول قائل إن الخمينية ترى أن أمن الدولة الإيرانية له علاقة عكسية مع أمن جيرانها. أي إن استقرار الدولة الإيرانية لا يحصل بغير وجود صراعات في المحيط الإقليمي، فوجود هذه الصراعات وتغذيتها يحوّل الطاقة العنفية للشعب الإيراني إلى خارج الحدود لتفريغها. وبهذا يكون العنف الثوري وطاقاته وما يدور حوله من منافع يدفع باتجاه المحافظة على حيويته وقوة حركته وهذا يُفضي إلى تقدير أن إيران ماضية في مشروعها الذي يمثل فيه تصدير الثورة الدافع والمحرك والمبرر والجالب للأنصار والمتفاعلين(14).

هذا القلق العميق الذي يتفاعل في بنية الذهنية الخمينية يحوّل الإيرانيين إلى حالة الهجس بالخوف من الخارج الذي تشتغل عليه آلة الدعاية الخمينية. الخمينية تعمل على تفجير المشكلات وتحريك القوى غير المنسجمة مع أوطانها ومساعدتها في التخطيط والتدريب والتمويل، وهذا ما جرى فعله في البحرين ولبنان وسوريا واليمن والعراق. فالخمينية تغّذي نزعة كراهية الهيمنة الأجنبية وتدعي الدفاع عن المستضعفين لتحلّ محل هذه الهيمنة.

ويمكن فهم التحرك الإيراني حالياً بأنه تحرك تقف خلفه أهداف سياسية ومصالح إقليمية، كان من الممكن أن يقبلها الآخرون لو بقيت في حدود تبادل المنفعة الاقتصادية والتواصل الثقافي بين شعبين. ولكن الأمر كان أساساً مشروع هيمنة يهدّد وجود الآخرين وأمنهم، وهذا ما جعل شعوب المنطقة والعالم يُحسّون بخطر الخمينية على شعبها وعلى العالم.

آفاق الحكم الديني الإيراني

حركة تطور المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل كانت تجري باتجاه واحد إلى الأمام، وهو مراكمة المعارف العلمية والفكرية والثقافية المترافقة مع تطور البنى الاجتماعية المنتجة في المجتمعات، ولذلك لا يمكن فهم أيديولوجيا ما قبل رأسمالية (طائفية – دينية) تتحول إلى أيديولوجيا لبناء دولة تقوم على علاقات رأس المال وفق النظام الاقتصادي العالمي الحالي. وهنا مشكلة الخمينية السياسية الحاكمة في إيران، فهي لم تدرك بعد أن التفاوت بين درجتي تطور النسقين؛ الأيديولوجي الديني بوصفه محمولاً فكرياً عقائدياً والاقتصادي العلاقات الاقتصادية الرأسمالية ذلك تفاوت بنيوي لا يمكن جسره، والمظاهر السائدة في مناطق التوتر التي أحدثتها إيران في محيطها تدل على أن النسق الأيديولوجي (الشيعية السياسية) هي محمول مؤقت يرتبط بالخلخلة السياسية الموجودة. لذلك يمكن القول إن التفاوت والتعارض البنيويين بين النسق التطوري الاقتصادي الإيراني والنسق الأيديولوجي الخميني هو تفاوت وتعارض لن يستطيع ولاة أمره أن يخلقوا منه وحدة بنيةٍ جديدةٍ، بل إن البنية المذكورة تحمل تناقضها العميق في داخلها، فالاقتصاد ينزع في ظل الرأسمالية إلى التوسع والتعمق وهذا يتطلب أدوات فكرية وثقافية موازية له لا تؤمنها ذهنية الأيديولوجيا الخمينية المغلقة على مذهب الإثني عشرية.

التفاوت – التناقض في هذه البنية لا بدّ أن يأخذ مداه الطبيعي لتفجير البنية القائمة، وهذا يعني عدم اتساق سلطة الإمامة المتمثلة في ولي الفقيه مع درجات التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في إيران. وهذا يفسر لجوء الخمينية السياسية إلى إحداث توترات محيطية لاستنزاف توتر النواة الرئيسة.

ولكن هناك علاقة ديالكتيكية بين النواتين وباقي النوى الدولية، لا بدّ أن تحسم أمورها لمصلحة القانون العام للتطور البشري، الذي لا يقبل بأيديولوجيا ما قبل رأسمالية معوّقة ومحدثة للقلاقل والتفجرات والصراعات. وفق هذه الرؤية يمكن القول إن الخمينية السياسية هي إجبار لحركة التطور على ارتداء لبوس لا يصلح لزمن معاصر. لبوس ينتمي إلى أوهام فكرية لم يكتشف أصحابها بعد قوانين تطور المجتمعات البشرية.

المراجع
wiwiwand.com جغرافيا إيران.
marefa.org اقتصاد إيران، الزراعة.
com الصناعة في إيران براء الدويكات، 8 تموز/ يوليو 2018.
imam-khomeini.ir الفكر السياسي للإمام الخميني 22-12-2017.
nusuh.org مدخل إلى النظام السياسي في إيران 3/11/2006.
المصدر السابق.
.bbc/Arabic نبذة عن الحرس الثوري الإيراني 8 مارس/ آذار 2016.
albawaba.com كيف ساهم الاتفاق النووي في إثراء الحرس الثوري الإيراني 7 أوكتوبر/ تشرين أول 2016.
skynewsarabia.com الباسيج ذراع المهام القذرة للنظام الإيراني 3 يناير/ كانون الثاني 2018.
islamway.net الأمة 6/8/2018.
m.wikipedia.org مؤيد الدين بن العلقي.
youm7.com إيران تبحث عن الحلم الإمبراطوري دكتور نبيل الحيدري 22 سبتمبر/ أيلول 2018.
alarabiya.net الخميني: هدف الثورة الإيرانية أن تتكرر في سائر البلدان.
alhayat.com لماذا تصر إيران على تصدير الثورة إلى الجوار العربي محمد المختار الفال 25 أبريل/ نيسان 2018.

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”