أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » الطاعون سببه الجنّ والزلازل سببها حركة قرون الثور… تفسيرات إسلامية غيبية للكوارث الطبيعية

الطاعون سببه الجنّ والزلازل سببها حركة قرون الثور… تفسيرات إسلامية غيبية للكوارث الطبيعية

مع كل كارثة طبيعية ألمّت بالمسلمين في العصور الوسطى، ظهرت تفسيرات غيبية ابتعدت عن التحليل العقلاني والمنطقي، وذاعت بين العامة، مستمدةً قوتها من تستّرها بالدين.

صحيح أن بلاد العرب والمسلمين شهدت قديماً ظهور علماء كبار وضعوا نظريات في الطب والفلك ومختلف العلوم، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى انتشار نزعة عقلانية بين العرب، فخرج كثيرون ممّن يعتبرهم العرب “علماء” دين ليضعوا تفسيرت خرافية للكوارث الطبيعية.
الطاعون… سهام الجن وعقاب الله

في كتابه “بذل الماعون في فضل الطاعون”، عمل الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني على دحض أسباب أوردها أطباء وفلكيون لمرض الطاعون، وخرج بنتيجة مفادها أن الطاعون عبارة عن سهام تطعن بها الجن الآدميين، مدعّماً ما ذهب إليه بعدد من الأحاديث النبوية، منها قول الرسول “فناء أمتي بالطعن والطاعون”. وعندما قيل للرسول: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فماذا عن الطاعون؟” أجاب: “وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة”.

يذكر ابن حجر أن الله يسلّط الجن على الآدميين ليطعنوهم، عقاباً لهم على مفاسدهم وفجورهم، واستند في رأيه إلى ما ذكره عدد من الفقهاء مثل ابن قيّم الجوزية الذي ذكر أنه “في كون الطاعون وخْزَ أعدائنا الجن حكمة بالغة، فإن أعداءنا شياطينهم. وأما أهل الطاعة منهم فهم إخواننا، والله أمرنا بمعاداة أعدائنا من الجن والإنس، وأن نحاربهم طلباً لمرضاته، فأبى أكثر الناس إلا مسالمتهم، فسلّطهم عليهم عقاباً لهم، حيث استجابوا لهم حين أغووهم وأمروهم بالمعاصي والفجور والفساد في الأرض فأطاعوهم، فاقتضت الحكمة أن يسلّطهم عليهم بالطعن فيهم”.

ورغم أن ابن حجر يرى أن الطواعين كانت عذاباً على الكافرين في ما مضى، إلا أنه يؤكد أنها عندما تصيب المؤمنين في عصره فإنها تكون رحمة وشهادة لهم. ويرتكز في ذلك إلى ما ذكره أبو بكر محمد بن إسحق الكلاباذي في كتابه “معاني الأخبار” من أن المؤمن قد يطعنه عدوه الظاهر بالرمح والسيف، لكن أيضاً قد يطعنه عدوه من الجن، لأن الله قد يريد به الخير ونيل درجة الشهادة فيمكّن من وخزه.

ويذهب ابن حجر إلى أبعد من ذلك عندما يروي رواية حدّث بها الشريف شهاب الدين بن عدنان وكان كاتب السر في القاهرة، ليدلل على أن الطاعون من وخز الجن، فيذكر أنه “قال وقع الطاعون مرةً، فتوجهت لعيادة مريض، فسمعت قائلاً يقول لآخر اطعنه، فقال لا، فأعاد، فقال: دَعهُ لعله ينفع الناس، قال لا بد، قال: ففي عين فرسه. قال: وفي كل ذلك ألتفتُ فلا أرى أحداً. فعدت المريض ورجعت، فرأيت الفرس انفلتت من الرِّكاب، فتبعوها، إلى أنْ ردوها وقد ذهبت عينها من غير أثر ضربة ظاهرة. قال: فتحققت صدق المنقول أن الطاعون من وخز الجن”.

وفي كتابه “إنباء الغمر بأبناء العمر”، يروي ابن حجر حادثة جرت أثناء الطاعون الذي ضرب دمشق عام 1374. ذكر أن أحد الأشخاص رأى الجن عياناً يركبون خيلاً وبأيديهم رماح، وأنه بارزهم وبارزوه، وصار يتحدث بذلك بين الناس، وكانوا ما بين مصدق له ومكذب، إلى أن طُعن ورؤي في بدنه أثر الطعنات.

ولكن لماذا ألحّ ابن حجر وغيره من الفقهاء على ترديد هذه الأسباب الغيبية واستبعاد أية أسباب أخرى؟ الإجابة جاءت في رسالة دكتوراه أعدها بلقاسم الطبابي في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس الأولى، بعنوان “الموت بمصر والشام في العهد المملوكي”.

ذكر فيها أن الأجواء النفسية والثقافية في العصور الوسطى كانت مهيأة لانتشار الخرافات، إذ كانت هناك “حالة من الحيرة الجماعية والارتباك والشعور بالعجز والخوف الشامل، وثقافة دينية ماضية نحو الضمور والضحالة، كما أن المروّجين لهذه التعليلات هم القادة الثقافيون والروحيون لأغلب قطاعات المجتمع”.

بيد أن التأكيد على مسؤولية الجن في وقوع الطواعين وانتشارها يحمل استعادة غامضة ومبهمة لما كان شائعاً بين سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام إذ كانوا يعتقدون أن كائنات غير مرئية تلعب دوراً مؤثراً على حياة الفرد، لذا كانت بعض الكوارث والنكبات تُفهم على أنها عقاب تسلطه الآلهة التي استثير عضبها على الناس، وظل هذا التفسير قائماً في عهد الديانات التوحيدية، وهو اعتقاد اشترك فيه المسلمون واليهود والنصارى في العهد المملوكي.

والغريب أن النساء تحمّلنَ جزءاً من تبعات التفسيرات الغيبية للطواعين. بحسب الدكتورة سامية مصيلحي، في دراستها “البغاء في مصر في العصر المملوكي”، عندما ظهر وباء الطاعون في مصر عام 1437 عقد السلطان الأشرف سيف الدين برسباي مجلساً في القلعة حضره بعض الفقهاء والقضاة وسألهم عن الأسباب التي يعاقب الله بها الناس بالطاعون، فقال له بعضهم: إن الزنا إذا تفشى بين الناس ظهر بينهم الطاعون، “وإن النساء يتزين ويتبهرجن ويمشين في الطرقات مهتوكات لم يُخفَ منهن غير رقعة وجههن وغالبهن سافرات الوجوه”. فأمر السلطان بمنع خروج النساء إلى الأسواق “ظناً منه أن منعهنّ يرفع الطاعون”.

ولم يكتفِ السلطان بإصدار هذه القوانين، بل عهد بالحسبة إلى دولات خجا الذي عُرف بقسوته وعدم رحمته وكثرة جبروته، فهدد مَن خالفن هذا النداء بالقتل، وشُددت المراقبة على الطرقات وكان تُضرَب وتُسجَن كل امرأة وُجدت خارج بيتها، حتى امتنعت النساء عن الخروج.
المجاعات… قلة أمانة الناس والتطيّر بالحكام

امتدّت التفاسير الغيبية-الأخلاقية إلى المجاعات رغم أن أسبابها يُفترض أن تكون واضحة مثل قصور الأنهار أو الجفاف. ففي كتابه “الدرة المضيئة في الدولة الظاهرية”، أرجع محمد بن محمد بن صصري حصول القحط في بلاد الشام سنتي 1394 و1395 وذهابه بأرزاق الناس إلى “نحس نياتهم، وقلة أماناتهم، وكثرة خياناتهم”، وأشار إلى أن “الله جعل ذلك موعظة لهم حتى يعتبروا ويتوبوا ويردوا عن ما هم فيه من الفواحش”.

وبرر انقطاع المياه في أحد العيون بأن أهل الناحية “كانوا يأتون إليها ويشربون الخمر عندها ويفعلون كل قبيح فنشفت، فلما رأوها نشفت منعوا الناس عن القعود عندها وعزلوها فجرت”.

وبشكل أو بآخر، انعكست التفسيرات الغيبية على الإجراءات التي اتخذتها السلطات، ومن ذلك ما حدث سنة 1387 عندما بادر الأمير سيف الدين سودون، نائب السلطنة في مصر، إلى مهاجمة أماكن بيع الخمور واستولى على ألف جرة خمر وكسرها تحت أسوار القلعة، وبعد ذلك هاجم أماكن تخزين الحشيش وبيعه وأتلفه بالتراب، حسبما روى الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه “النيل والمجتمع المصري في العهد المملوكي”.

وسنة 1503، ضربت مصر مجاعة، فأصدر السلطان قانصوه الغوري أوامره بمهاجمة بيوت الأقباط وكسر ما لديهم من جرار خمر وحرق الحشيش والبوظة.

وكان طبيعياً وفقاً لمفاهيم العصر السائدة حينذاك أن تنتشر شائعات عن رؤى وأحلام تنسب أسباب المجاعات إلى الفساد والظلم.

فأثناء المجاعة التي ضربت مصر سنة 1510، أُشيع أن امرأة صالحة رأت في منامها أن ملكين نزلا من السماء وتوجها إلى النيل الذي كان قد ارتفع إلى حوالي عشرين ذراعاً، ورفسه أحدهما فهبط بسرعة، ثم قال أحدهما للآخر إن الله تعالى كان قد أمر النيل أن يزيد إلى عشرين ذراعاً، فلما تزايد الظلم بمصر أذن له بالهبوط وهو في ثمانية عشر ذراعاً، فلما انتبهت من المنام (استيقظت) هبط النيل في تلك الليلة دفعة واحدة، وذلك بحسب رواية محمد بن إياس الحنفي في “بدائع الزهور في وقائع الدهور”.

وفي ذاك العصر الذي شاعت فيه التفسيرات الغيبية للظواهر الطبيعية، ربط الناس كثيراً بين الكوارث وبين التشاؤوم أو التفاؤل بحكم سلطان حاكم ما.

بحسب قاسم، قصر نهر النيل في زمن السلطان العادل زين الدين كتبغا (1294-1295)، فألمت بالبلاد مجاعة تبعها وباء تسبب بهلاك الكثيرين، فربط الناس ذلك بسوء طالعه.

تكرر الأمر ذاته سنة 1309، إذ قصر نهر النيل وتبع ذلك مجاعة فنسب الناس ذلك إلى سوء طالع السلطان بيبرس الجاشنكير ونائبه الأمير سلار ونظموا أغنية تسخر منه.
الزلازل… قرن الثور وجبل قاف

لأن الزلازل في المعتقد الإسلامي هي إحدى العلامات الكبرى لقيام الساعة، غلب التفسير الغيبي لها باعتبارها امتحاناً من الله للبشر أو عقاباً لهم على ما يقترفونه من معاصٍ وآثام.

ولم يدّخر جلال الدين السيوطي جهداً إلا وبذله لدحض تفسيرات أصحاب النزعة العقلية من الفلاسفة والعلماء المسلمين مثل ابن سينا والبيروني، وليقدم بدلاً منها تفسيرات خرافية متداولة.

ذكر الطبابي أن السيوطي ألّف كتاب “كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة” وذكر فيه أن “جبل قاف محيط بالدنيا، وقد أنبت الله عليه الجبال، ويشبك بعضها ببعض بعروقه كالشجرة في الأوتاد، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضاً أوحى إلى قاف فحرّك ذلك العرق”.

وهناك تفسيراً خرافياً آخر قدّمه أبو الحسن علي بن الجزار في رسالته “تحصين المنازل من هول الزلازل”، فقد ذكر أن “الثور الحامل للدنيا حوّلها من قرن إلى القرن الثاني”.

وبحسب الطبابي، يكشف دفاع السيوطي المستميت عن الأسباب الغيبية لحدوث الزلازل ورفض قبول التفسيرات العقلية عن حالة التدهور الفكري التي آلت إليها النخب المثقفة في عصره وسيادة النهج النقلي والاتباعي ودخول الثقافة العربية والإسلامية في دائرة الانغلاق.

المصدر: رصيف 22