أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الرستن.. خزان عسكري للضباط السنّة في جيش النظام

الرستن.. خزان عسكري للضباط السنّة في جيش النظام

تعد مدينة الرستن، في ريف حمص الشمالي، الخزان السني الأضخم لضباط الجيش السوري منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ عمل ما يزيد على ثلاثة آلاف من أبنائها في السلك العسكري، منهم ما لا يقل عن 1200 ضابط بجميع الاختصاصات، حاصلين على كل الرتب باستثناء رتبة “فريق” التي تعد الرتبة الأعلى في الجيش السوري وتمنح لقائد الجيش والقوات المسلحة فقط.

مصطفى طلاس، ابن الرستن، انفرد برتبة “عماد أول” التي منحه إياها حافظ الأسد كرتبة “شرف”، ليستطيع بعدها إكمال مسيرته العسكرية في منصب وزير الدفاع السوري، وسرح بعدها بسبب التقدم في السن، إذ ينص قانون الجيش السوري أنه يجب تسريح الضابط عند إتمامه سن الـ 72.

وبسبب الفقر وعدم القدرة المادية لأهالي المدينة، وعجزهم في الغالب عن إرسال أبنائهم إلى الجامعات لإتمام تحصيلهم العلمي، اضطر عدد كبير منهم إلى التوجه نحو السلك العسكري، فالجيش أقصر الطرق للحصول على وظيفة وراتب تقاعدي وتعويضات مرتفعة في سوريا.
تسهيلات نحو الكلية الحربية

بعد تسلم حافظ الأسد مقاليد الحكم في سوريا، عيّن مصطفى طلاس وزيرًا للدفاع، واعتُبر الذراع الأيمن له في تأسيس المنظومة الحاكمة حينها، إذ قدم طلاس من خلال منصبه التسهيلات لأبناء مدينة الرستن للالتحاق بالكلية الحربية في حمص.

أبو إسماعيل، من كبار السن في مدينة الرستن والذين عاصروا مصطفى طلاس في تلك الفترة، قال لعنب بلدي إن طلاس “قدم جميع التسهيلات لأبناء الرستن للدخول إلى الكلية الحربية، وأعطاهم نفوذًا في أماكن خدمتهم في الثكنات العسكرية، ما جعل شبان المدينة يتهافتون للالتحاق بالكلية الحربية”.

وجود مصطفى طلاس في وزارة الدفاع لم يكن السبب الوحيد في تسهيل دخول أبناء المدينة إلى الكلية الحربية، فخلال أكثر من 15 سنة سبقت الثورة السورية ترأس لجنة الفحص الطبي للقبول في الكلية الحربية في المشفى العسكري بحمص أطباء ضباط من المدينة نفسها، ما سهل على أبناء المدينة اجتياز الفحص الطبي بكل بساطة.

وقال أحد المعاصرين لتلك الفترة، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إنه خلال الـ 15 سنة التي سبقت عام 2011 كانت لجنة القبول في الفحص الطبي تضم طبيبين على الأٌقل من مدينة الرستن، وأحيانًا يكون منها رئيس اللجنة.
هيمنة على الثكنات

كثرة عدد الضباط وحصولهم على نفوذ من خلال وجود طلاس في وزارة الدفاع والتدرج في الرتب، سمح لهم بالتنقل في القطع العسكرية حسب الرغبة في أغلب الأحيان، إذ لا تكاد أي ثكنة تخلو من ضابط على الأقل من أبناء الرستن، وفي بعض الحالات يوجد أكثر من ستة ضباط في نفس الثكنة.

أحد ضباط مدينة الرستن السابقين، قال لعنب بلدي إن عددًا من ضباط الرستن وجدوا في كل قطع الجيش في جميع المحافظات وبرتب مختلفة، لكن العشائرية المسيطرة على المدينة جعلتهم متنافرين، مشيرًا إلى أن “هذه السياسة اتبعتها الأفرع الأمنية السورية لزرع الكراهية بين ضباط المدينة عن طريق تمييز عائلة عن أخرى في النفوذ داخل منظومة الحكم”، ما أبعد شبح سيطرة ضباط الرستن على الجيش بوجود 1200 ضابط وأكثر من 1300 صف ضابط في قوامه.
سلسلة من الانشقاقات

مع اندلاع المظاهرات في آذار 2011، خرجت مدينة الرستن ضد نظام الأسد الحاكم، معلنة سلسلة من الانشقاقات في صفوف ضباطها.

في العام 2012، أعلن الملازم عبد الرزاق طلاس انشقاقه عن الجيش، لتتوالى بعدها انشقاقات ضباط من رتب مختلفة، شكلوا بعدها فصائل قاتلت في عدة مناطق في سوريا.

النقيب المنشق عبد الناصر شمير قاد “فيلق الرحمن” في غوطة دمشق، في حين ترأس العقيد المنشق قاسم سعد الدين المجلس العسكري في حمص وريفها، أما الملازم عبد الرزاق طلاس فقاد “كتائب الفاروق” وخاض معركة بابا عمرو، وكذلك انشق العميد مناف طلاس، نجل وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس.

 

ويقدر عدد المنشقين عن جيش الأسد، من أبناء الرستن، بنحو 1500 عامل في السلك العسكري، أكثر من 700 منهم ضباط من جميع الرتب، وفق أرقام صادرة عن المجلس العسكري للرستن عام 2013.

أحد ضباط الرستن المنشقين قال لعنب بلدي إن بداية الثورة السورية شهدت انشقاق عدد كبير من ضباط مدينة الرستن، بسبب التهديد بالاعتقال بعد انشقاق عبد الرزاق طلاس.

وأضاف الضابط، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن انشقاق طلاس فتح الباب أمام نظام الأسد للتخلص من هذه الكتلة الكبيرة من ضباط الرستن عبر الضغط عليهم واعتقالهم، ما دفعهم إلى الانشقاق بأعداد كبيرة.
غياب الثقة بهم شتتهم

رغم كثرة عدد الضباط المنشقين في ريف حمص الشمالي قبل اتفاق “المصالحة”، في آب الماضي، لم يستطيعوا السيطرة على مفاصل القرار العسكري في المنطقة بسبب سياسة الداعمين، إذ اعتبرت جهات كثيرة أن الضباط المنشقين عملاء لصالح النظام أو على الأقل يحملون فكره وعقليته، ما جعل غالبية المنشقين خارج العمل العسكري، ليختاروا العمل في التجارة الحرة، أو الهجرة إلى أوروبا بصفة لاجئين.

أحد الضباط المنشقين، يقيم في ألمانيا حاليًا، قال لعنب بلدي، “عندما انشققنا عن جيش الأسد كنا قد وقّعنا على قرار الإعدام إن لم نستطع إسقاط النظام، وبوصولنا لميادين الثورة اصطدمنا بالقادة المدنيين الذين خافوا منا، إذ كنا مصدر تهديد بالنسبة لهم بالحصول على الدعم والسيطرة على مفاصل القرار”.

وأضاف، “خونونا واستخفوا بإمكانياتنا وعملوا على إبعادنا عن الجبهات رغم أن مسألة إسقاط النظام أصبحت مصيرية بالنسبة لنا كضباط، فالمدني من الممكن أن يجري مصالحة أو يشمله عفو ما، أما نحن كضباط في نظر نظام الأسد ارتكبنا جرم الخيانة العظمى”.

وبحسب الضابط، فإن إبعادهم عن الميدان أجبرهم على العمل في التجارة والأعمال الحرة لتأمين المعيشة، وقال “نحن كضباط لا نملك أي عمل آخر نعتمد عليه إلا العمل العسكري الذي أُخرجنا منه، ما اضطرني أنا وكثير من زملائي إلى الهجرة إلى بلاد اللجوء فهناك نكون قد ابتعدنا عن الجبهات التي أبعدونا عنها وعن ذراع الأسد ومخابراته”.

حمص – عروة المنذر

لعنب بلدي،