أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » أزمة التراث في العقل الديني والعلماني

أزمة التراث في العقل الديني والعلماني

يلعب الصراع النفسي دوراً كبيراً في مواقف التيارات الأيديولوجية المتصادمة في الشرق، ما يُصعّب تحرير مسائل الخلاف بينها، فضلاً عن تنظيم مشتركاتها الفكرية، لتحقيق معادلة الدولة الحقوقية للجميع، مع بقاء أفكار الناس ومرجعياتهم الثقافية قائمة، فتغيير أفكار الجماعات في الأصل ليس شرطاً لمسار الرحلة المدنية الفكرية للدولة والمجتمع، كتغيير ابتدائي. ولا يعني ذلك عدم دفع الأجيال إلى قراءاتٍ معرفية أكثر نضوجاً، من الأجيال السابقة التي ربما أثرت عليها مفاهيم خاطئة، وُرثت من عهد الآباء.

وخلال رحلتي البحثية في دول الغرب، ومراجعة بعض الكتب والمقالات ذات الاهتمام بقضايا الشرق، في ثنائية الصراع أو الاشتراك الحضاري الذي يشمل مسارات التدافع العقائدي، والسياسي الاستعماري، بين الشرق والغرب، لاحظت نشوء مذهب أو ظاهرة تعامل مختلفة مع الشرق والفكر الديني فيه. ونحن هنا نعيد أن الديني مصطلح يعني الاتكاء على الدين، لا نموذج الإسلام القطعي.

هذا المذهب الذي حرّره الباحث الفرنسي آلان غريش، في لقاء سابق معه، يرى أن هناك تفاعلاً ذاتياً لدى الفكرة الإسلامية يتطوّر، مدنياً وفلسفياً، واحتج لذلك ببعض المسارات والشخصيات، وأن لمثل هذا التطوّر قدرة أكبر، على تحقيق معادلة النهضة الذاتية للشرق، ويجب أن نلحظ هنا أن غريش من تيار الاعتدال الغربي، المناهض لشيطنة الإسلام. بمعنى أن فكرة غريش تتعامل مع تطور الاجتهادات المتواترة تاريخياً، المنبثقة من رواق الفكر الإسلامي ذاته، ثم بناء الشراكة الحضارية عبرها، هناك تحفظاتٌ ليس على فكرة هذا المسار، ولكن على الأرضية التي تنطلق منها، من أهمها الاعتقاد الخاطئ أن ذلك الفهم قد يكون تجاوزاً حداثياً لأصل النص، لا فهماً مقاصدياً له، وهنا يُستشكل على الباحث الغربي فهم السعة التي ضمنتها مدرسة المقاصد الأصلية في الشريعة، للتعامل مع التطور المدني للحياة، المختلف في تقييم النص، عن رحلة الانفصال البروتستانتي – الكاثوليكي.

غير أن الزاوية الإيجابية المهمة هنا هي أن الباحث يتعامل مع الرؤية الإسلامية التنويرية بتجاوب فكري، تدعم رحلة النهضة للشرق، بغض النظر عن أين تختلف هذه الرؤية في تفاصيل أخرى، وإن اتفقت على كرامة الفرد وحرية الشعب، وتأصيل المواطنة إنسانيا. وهنا يجدر بنا تحديد قضية التوافق (الأزموي) بين العلمانية الأيديولوجية وأيديولوجية الإسلاميين المحافظين التي تستدل بذات القاعدة والرصيد التاريخي للانتصار لفكرتها، وهذه القاعدة هي الاتكاء على التراث لتبرير التعطيل المقاصدي للإسلام. والمقصود بالعبارة أن كلا من الطرفين يشحذ همته، ليثبت لجمهوره، أو خصومه، استحالة التأمل في الفكر الإسلامي، لتحقيق نهضةٍ مدنية، وأن نصوص التراث (لا نصوص الشريعة الحاسمة) فيها ما يدل، بالنسبة للمحافظين، على ضلال الفكر النهضوي الإسلامي، واجتهادات المقاصد في سبيل المدنية والحرية الفردية، وأن هذه الاجتهادات بحسب “زعمهم” هي محض تبريرٍ لموقف الغرب ضد الإسلام، لا أكثر.

ولقد استفاد الاستبداد من توظيف هذه الفكرة وزراعتها، منذ العهد العثماني، حتى القُطريات المعاصرة، وبأن واقعه الذي يزعم أنه مستند إلى الشريعة، والشريعة تقرّ الاستبداد منذ توريث بني أمية، هو قاعدة دينية يطمئن بها المسلمون، وهذا كذب محض، وافتراءٌ على الإسلام. وعليه، يُقال للعامة إن منهاج المقاصد الذي يؤسس لدولةٍ مدنية للمسلمين، والتي تسع الأقليات المختلفة بدعة منكرة، وقس على ذلك ما هو أقل من مسائل الفرد والحريات في المجتمعات المسلمة.

أما الجانب الآخر، أي العلمانية الأيديولوجية، فهي تستدعي التراث نفسه لتقول لجمهورها، وخصومها من الإسلاميين، ورعاتها من الاستبداد، حيث يلعب التوظيف السياسي دوراً مزدوجاً، إن هذه النصوص الواسعة من كتب التراث، تثبت ألّا سبيل إلى ائتلافٍ نهضويٍّ مع الفكرة الإسلامية الأصلية.

وهنا يتعاون الطرفان النقيضان على حصار العقل العربي، وخنق فكره، وتأخير أي تحريرٍ إيجابي، للعلاقة الراشدة بين الفكرة الإسلامية والنهضة المدنية الحديثة، ومساحة الإسلام في التوجيه والتصحيح القيمي، القائم على معايير ذات مصداقية، وليس توهيمات كاذبة، توقد بها حلبات الصراع.

ولو سُئِلت حلقة نقاش منتخبة من الطرف العلماني الأيديولوجي: ما هو هدفكم من ذلك؟ وما هو ختام هذا التوظيف التصادمي؟

أولا، هل هناك نص قطعي في الإسلام يُقدّس التراث، وهل في المقابل هناك نص معاكس يقول إن ما ورد في التراث يردُّ إلى كليات الأحكام، وثوابت الشريعة للنهضة وللحياة المدنية التي تُفهم من أصول الوحي، لما وجد ما يحتج به لتبرير رفضه الاجتهاد المقاصدي؟

ثانيا، وإن سألناه مرة أخرى: ما هو الهدف من إعلان الإسلام ضمنياً، من دون تسمية محدّدة، رسالة عاجزة عن إنقاذ الحياة البشرية؟ هل يقصد هذا التيار الوصول إلى مرحلة الجزم النهائي لدفع المسلمين إلى ترك دينهم، وقد كانت هناك محاولات غربية قديمة فشلت كلها فشلا ذريعاً، فهل هذا أمرٌ عملي، أو أمر مستحيل، لانتبه الصادق منهم إلى أن هذه الحالة جدولة حرب عبثية، لا تخدم نهضة الشرق مطلقاً؟

أما المحافظون، فإن الحوار معهم لا يُحصر باتجاه واحد، ففيهم من يقتنع بالفكرة نسبياً، وإن لم يطمئن لمشاركته، لكنه يفتح لها المجال، وفيهم من يُدافع عنها. ولكن حين يرى آثارها، كالتجربة الماليزية، يتغيّر موقفه ويتعاطى معها، وفيهم من يستمر ككتلة تحريض على المقاصديين، فيتحول إلى منبر كراهية يُعبّأ به المجتمع، أو ذراعاً أمنياً يَبطش به المستبد.

ومهمة التنوير الإسلامي، والتنوير العلماني المعتدل، اليوم، الولوج إلى مرحلة البناء في المشتركات، للوصول إلى نسخة متفق عليها من فكر النهضة، تقنع أوسع مساحةٍ ممكنةٍ من الرأي العام العربي، وتقول لحلم الشعوب العربية، الطريق من هنا، لا من فقهاء الاستبداد، ولا من وعاظ العلمانية المتطرّفين، ليُنقذ الإنسان والوطن العربي، من كماشة المستبد والإمبريالية الأجنبية معاً.

مهنا الحبيل