أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الأسد مطمئناً لعودة العرب إلى حضنه بقلم غازي دحمان

الأسد مطمئناً لعودة العرب إلى حضنه بقلم غازي دحمان

ليس لدى بشار الأسد الذي عادت بعض الصحافة العربية إلى إطلاق صفة الرئيس عليه أدنى قلق بشأن إعادة تطبيع علاقاته مع العرب، بل إن هذا الملف لا يدخل في اهتماماته واهتمامات وزير خارجيته، وليد المعلم، لأن المسألة تحصيل حاصل، وهذه مشكلة العرب وليست مشكلته.

ينطلق الأسد في لا مبالاته هذه من فرضيةٍ بسيطة، تقول إنه ما دامت حكاية تحويل الثورة إلى حرب على الإرهاب انطلت على أكبر الرؤوس في العالم، وإنه فرض عليهم قاعدة أنا أوالإرهاب، والتي صنّعها باحترافية عالية في أقبية أجهزته الأمنية، وما دام قد فعل ذلك تحت أعين أعتى أجهزة المخابرات العالمية وأنوفها، فإن قضية تعرض نظامه لمؤامرة كونية، شاركت بها دول الإقليم، يجب أن تمرّر على العرب، وإن على هؤلاء أن يبادروا من تلقاء أنفسهم للبحث عن طريقةٍ لإعادة العلاقات مع نظامه، ويعرضوها عليه حتى يقرّر موافقته عليها.

ويستثمر الأسد، ونظامه، كل فرصةٍ ومناسبةٍ لبعث رسائل إلى الزعماء العرب، لتذكيرهم بخسارة رهاناتهم على إسقاطه، وتسامحه مع هذه السقطة الرهيبة، وأنه على الرغم من ذلك هو مستعد لتجاوز الأمر. ألم يوص الوفد البرلماني الأردني بأن يوصلوا إلى الملك عبدالله الثاني أنه نسي الماضي ويتطلع للمستقبل؟ لم يجد نائبا من الوفد، متوسط الذكاء، ليسأله: من يسامح من؟ وهل بلادنا هي التي طلبت من السوريين أن يثوروا على نظامك؟ ثم إنك دفعت بمليون لاجئ إلى بلادنا المنهكة والفقيرة، وارتحت من عبئهم، وما زلت تمنع عودتهم، وكنا ننتظر منك أن تشكر بلادنا على هذه الوقفة! ألم تقل سيادتكم إن هؤلاء هربوا من الإرهابيين، وإن لا مشكلة لديك معهم؟

والواقع، إن من السهل على الأسد أن يتبحج في المجالس، ويزاود على ضيوفه، فهؤلاء القادمون إليه يعبرون عن انبهارهم بانتصاره، وعن جمال سورية بعد الحرب الكونية عليها، وإن شعوب العرب وحكامهم هم الذين خانوه وخذلوه وتآمروا عليه.

ماذا يتوقعون أن يرد عليهم الأسد، ما داموا هم يرخصون أنفسهم إلى أدنى درجة، فلن يكون مطلوبا منه الاعتذار أو الأسف على ما سبّبه من أزماتٍ ومصائب لبلادهم، إذا هم لم يشفقوا على بلدانهم وشعوبهم، فلن يفعل الأسد، ما دام شرط تبرئته من الجرائم يتناسب عكساً مع تحميل الآخرين أنفسهم المسؤولية عن جرائم ارتكبها الأسد وعصابته.

والحديث هنا طبعا عن الجزء البسيط المسموح لنا بمشاهدته والاطلاع عليه، أي زيارات وفود برلمانية وحزبية ونقابية. وفي الغالب، لا تملك هذه الوفود صلاحيات كثيرة، ولا تتعاطى معها مؤسسات نظام الأسد وأجهزتها بجدّية، باستثناء توظيفها في الدعاية الموجهة لإحباط السوريين، وإخبارهم أن النظام نجا من السقوط، وها هم العرب (العربان حسب وصف إعلام النظام)، يتقاطرون لطلب رضاه وسؤاله المغفرة، في حين أن هناك قنوات أخرى، أدهى وأشد خطراً، الاستخباراتية والدبلوماسية، وأغلبها ظل عاملاً ولم تنقطع الاتصالات عبرها طوال فترة الأزمة، حيث تجري ترتيبات وصفقات وبيع وشراء، تجعل ما يحصل من خلال الوفود، ويشاهده الجمهور، ألعاب أطفال.

يقيم نظام الأسد الأنظمة العربية إجمالاً بأنها متخلفة على الصعد الاستخباراتية والدبلوماسية، وغير مستقلة بقراراتها، وقد كرّر الأسد هذا الأمر في أكثر من لقاء ومقابلة، فهو يعتقد أن إقناع أميركا وقبولها به أجدى وأوفر جهداً، لأن أميركا ستتكفل من تلقاء نفسها بإصدار الأوامر لـ”أتباعها” أو لـ”جماعتها” بقبول الأسد، المهم فقط الوصول إلى أميركا والتفاوض معها، وما عداها سهل ويأتي أوتوماتيكيا. وكان الأب حافظ الأسد يعتقد أن الأنظمة العربية رخوة تخاف من أي تهديد، ومن التلميح بإمكانية إرسال سيارة مفخّخة حتى ترضخ وتلين.

وثمّة قناعة لدى نظام الأسد، كانت تدهشنا، نحن السوريين، أن العرب، وتحديداً الخليجيين منهم، سيبنون كل حجر تم تدميره في سورية. يقولون ذلك بثقةٍ مفرطة، على الرغم من العداء الظاهري الصارخ، وإذ يصعب تفسير حقيقة من أين جاءوا بهذه الثقة، إلا أن ذلك يفسّر، بدرجة كبيرة، نظرة نظام الأسد إلى العرب وتصوراته المسبقة عنهم، وأنه عندما يتبجّح بقوميته وعروبته، فلا يعني ذلك تعصبّه لهم بقدر ما يعني تميّزه عن بقية العرب، بحيث يتصوّر العروبة هيكلاً يقف على رأسه، والباقي مجرد قاعدة مهمتها حمل هذا الهيكل وإسناده، تماماً كما اخترع حافظ الأسد فكرة أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، بحيث صارت الدولة والمجتمع والحزب خدماً للقائد المفدّى.

لذلك كله، يبدو بشار الأسد مطمئناً لعودة العرب إلى حضنه، وهو فقط ينتظر منهم تدبير إخراج هذه العودة، شرط أن يدفعوا ثمنها، ويجروا تسوية أوضاع معه، يتعهدوا بألا يعيدوا فعلتهم السابقة، لا بالتعاطف إعلامياً مع ضحاياه السوريين، ولا إيواء واستقبال من شرّدهم. لكن هل يثبت العرب أنهم خلاف ما يظن ويعتقد الأسد بهم، وأنهم هذه المرة عقلوها جيداً، وباتوا موقنين أن الاسد لا حضن له، ولن يكون له ظهر ولا حيثية، بعد أن أصبح ريشةً تتقاذفها مساومات اللاعبين الكبار، وأن المستقبل يلفظه، ومن الأجدى البحث عن حضن سواه؟



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع