أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » آستانة الثلاثية والبحث عن نقطة ارتكاز بقلم الباحث أسامة محمود آغي

آستانة الثلاثية والبحث عن نقطة ارتكاز بقلم الباحث أسامة محمود آغي

انعقدت جولة أستانا الحادية عشرة في يومي 28 – 29 نوفمبر/ تشرين الثاني، وفق ما أعلنه خيرت عبد الرحمانوف وزير خارجية كازاخستان. هذه الجولة حضرها ممثلو روسيا وتركيا وإيران بصفتهم دولاً ضامنة لاتفاق خفض التصعيد والتوتر في سوريا، إضافة إلى حضور ممثلين عن النظام الأسدي والمعارضة المسلحة، وحضور وسيط الأمم المتحدة السيد ستيفان ديمستورا وممثل عن دولة الأردن بصفة مراقبين.

لم يُفصح عبد الرحمانوف عن جدول أعمال هذه الجولة، ولكن يطفو على السطح ضرورة تحوّل اتفاق خفض التصعيد في إدلب إلى وقفٍ تام ونهائي لإطلاق النار، تمهيداً لخطوات سياسية مقبلة تشمل إيجاد صيغة توافق حول ترتيبات تشكيل لجنة صوغ الدستور التي ما يزال النظام الأسدي يعرقلها بحجة أن ثلث الأمم المتحدة هو ثلث منحاز.

الخطوات السياسية التي قد تمهّد لها جولة آستانة المقبلة، تتعلق بالضرورة بأمرين اثنين، يشكلان محور الصراع السوري وفق زاوية رؤية الدول الضامنة.

الأمران هما: الوصول إلى صوغ دستورٍ جديدٍ لسوريا وفق جهد الأمم المتحدة الذي ما يزال متعثراً، والتوافق على حلٍ سياسي للصراع وفق القرار الدولي رقم 2254 ، بما يُحقق إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف دولي.

ولكن هناك ما لا تقوله الدول الثلاث الضامنة لوقف التصعيد والتوتر، ونقصد بذلك وجود أطراف دولية فاعلة وغائبة عن هذا الاجتماع هي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين، على الرغم من أنها تشغل مساحةً واقعيةً على الأرض السورية، وهي ذات وزن سياسي وعسكري لا يمكن للدول الضامنة إغماض أعينها عنه.

لهذا يمكننا القول إن الجولة الحادية عشرة من جولات خفض التصعيد والتوتر “لن تُخرجَ الزير من البير” ولن تستطيع المضي بهذا الملف إلى نهايته، حتى لو توافرت الإرادة لديها في إيجاد حلٍ نهائيٍ للصراع في سوريا وعليها. لأنها إن فعلت ذلك تكون قد أغفلت حقيقة دور الحلف الأمريكي الغربي في حلّ هذا الصراع. وتكون قد أغمضت أعينها عن وجود مصالح حيوية لهذا الحلف في هذه المنطقة، هذا الحلف الذي يستطيع عرقلة أيّ حل لا يكون توافقياً، ولا يحقق له مصالحه.

وفق هذه الرؤية تظهر الدعوات لإقامة حلف روسي إيراني تركي مع النظام الأسدي وكأنها دعوة إلى محاربة طواحين الهواء.

هذه الدعوات تتجاهل الوجود الأمريكي والغربي على الأرض السورية، ومن ثم فهي عملياً تقفز من فوق هذا الدور إلى مجهولٍ سياسي لا يمكن الوثوق بنتائجه اللاحقة.

إنّ الدول الضامنة لاتفاق آستانة تستطيع التوافق على توازناتٍ على الأرض السورية بينها، ولكنها لا تستطيع فرض هذه التوازنات خارج حدود سيطرتها الأرضية التي لا تشمل الأراضي السورية كلها. وهذا يجعلنا نقول إنه ليس بإمكانها حل الصراع السوري وفق مقدماتها وتوازناتها في ما بينها. إذ ستُضطرُ هذه الدول إلى البحث عن صيغة توافقية موحدة في أحسن الأحوال، تكون قادرة على إيجاد مقاربةٍ للقرار الدولي رقم 2254 كقاعدةٍ أساسية لحل الصراع السوري. وهذا يعني التفاوض الجدّي مع الحلف الأمريكي الغربي حول نقاطٍ رئيسة أهمها خروج إيران عسكرياً من سوريا، فهذا الخروج هو في جوهره زعزعة للحل الروسي الذي تناور به موسكو منذ زمن طويل، ولن تستطيع منع الزعزعة عنه.

إن الدول الضامنة لاتفاق خفض التصعيد التي ستحضر الجولة الحادية عشرة في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، تدرك تماماً أن استمرار تعطيل الحل السياسي وفق توافقات دولية مطلوبة هو خطر حقيقي على نفوذ هذه الدول ومصالحها في سوريا، وهو خطر يُدخلها لاحقاً في عملية استنزاف سياسية وعسكرية لا تريدها، وكذلك ستكون علاقاتها التشاركية في المرحلة الحالية موضع مراجعة وحساب في شروط أخرى ستطرأ على مشهد الصراع السوري. وهنا تظهر أهمية عامل الزمن بوصفه عاملاً حاسماً في كسب نتائج هذا الصراع أو خسارتها. ولذلك فإن طالت مدة الزمن تعطيلاً لن تكون النتائج في مصلحة هذه الأطراف الضامنة، أو في مصلحة أحدٍ منها يعرقل في حصول الحل السياسي.

ويُدرك الإيرانيون الذين تعرّضت مواقعهم قرب دمشق للقصف الإسرائيلي يوم 19/11/2018 أن استحقاقات بقائهم عسكرياً في سوريا ستكون كبيرةً ومكلفةً لهم، إن استمر تعطيلهم لحلٍ سياسي توافقي، لذلك يحاولون المراهنة على تحقيق اتفاقٍ بينهم وبين الدولتين الضامنتين الأخريتين (روسيا – تركيا)، يكون هذا الاتفاق ملاذاً لصورة ما تحفظ لهم شيئاً من نفوذهم في سوريا.

إنّ الجولة الحادية عشرة لمفاوضات آستانة بشأن خفض التصعيد معنية أن تتلمس حلّاً واقعياً للصراع في سوريا، يكون متضمناً لصيغة تُخرجُ نظام الاستبداد الأسدي من دورة حياة السوريين السياسية. وهذا يمكن التوصل إليه عبر إيجاد بدائل مقبولة لدى السوريين، الذين دُمّرت حياتهم وبلادهم من قبل نظام لم يعرف طوال حكمه سوى المراهنة على استخدام الحل الأمني حلاً وحيداً لصراعاته كلها؛ الداخلية أو الإقليمية.

فهل يتفق شركاء آستانة على صيغة مقبولة لانطلاق عمل لجنة صوغ الدستور، وعلى صيغة توافق حقيقية بينهم وبين الولايات المتحدة والغرب تنقل الصراع إلى عتبة الحل السياسي الحقيقي والواقعي؟.

ننتظر ما سيحدث، وما سينجم عن الجولة الحادية عشرة من محادثات آستانة.

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع