أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » التطبيع مع وئام وهّاب

التطبيع مع وئام وهّاب

قد يبدو شأناً داخلياً لبنانياً صغيراً ذلك الاشتباك الحاصل على خلفية إسفاف “غير مستغرب” من قبل وئام وهاب، فللأخير لغته المستمدة دائماً من دعم يناله بحيث يستقوي على الآخرين، ويتحدث عن نفسه بتفخيم لا يُقارن بحجمه في الساحة الدرزية. حصتنا منه، نحن السوريين، ذلك التخريب الذي أتى مرات لممارسته في محافظة السويداء، ناطقاً باسم الأسد وشبيحته، لا ليرد دين توزيره في عهد وصاية الأسد على لبنان فحسب، وإنما أيضاً ليمارس ما تشتهيه طبيعته.

تذهب التحليلات اللبنانية الأخيرة إلى أن وهاب افتعل إشكالاً بدفع من المخابرات السورية، بسبب علاقته واستقوائه بها. التوقف عند هذه الفرضية يستأنف تقليداً لبنانياً يردّ أصغر المشاكل إلى الخارج، الخارج المتورط حقاً، إلا أننا في حالة وهاب الأخيرة يصعب علينا الاقتناع بأن عصابة الأسد قد استردت عافيتها ليكون لها حساباتها اللبنانية الخاصة، أي بمعزل عن طهران-الضاحية. فكما نعلم لا يسيطر الأسد على حصته من سوريا، المُتنازع عليها أحياناً والمتفق عليها أحياناً أخرى بين موسكو وطهران، ولا تملك مخابراته الآن حرية التحرك التي كانت لها حتى أيام تكليف ميشال سماحة بتفجير الوضع اللبناني.

ليس فيما سبق تبرئة لعصابة الأسد التي تتمنى الانتقام من خصومها في لبنان، لكن هناك فرق بين أن تقود العصابة إرهاب أولئك الخصوم وأن تكون مُستَخدمة من قبل جهات أخرى لإرهابهم. للمفاضلة بين الاحتمالين تبعات يجدر التوقف عندها من قبل المعنيين بها، بدل الاختباء وراء فرضية تسهّل ابتلاع الخسارة والإهانة معاً. أول ما يجوز لنا ترجيحه أن يكون وهاب نطق وينطق باسم حزب الله، ولا يقلل من هذا الاحتمال قدرة الحزب على قول ما يريد بدون استخدام أدوات من خارجه.

لاستخدام وهاب من قبل الحزب هدف أهم من فرضية استخدامه من قبل المخابرات السورية، فالحزب الذي حصل على انتصار وإقرار من كافة القوى اللبنانية به لا يريد الانتصار فحسب، بل يريده مرفقاً بالإذلال الذي يمثّله وهاب للآخرين. لا يريد الحزب سيطرة ناعمة باتت مضمونة من قبل، وإنما يستعير من أدوات عهد الوصاية ليدلل على أنه يريد النوع نفسه من السيطرة الذي كان موجوداً في عهد وصاية الأسد، أي أيام كانت الحكومات تُشكّل في مكتب غازي كنعان أو رستم غزالي، وأيام كان السياسيون اللبنانيون مرغمين على الذهاب إلى عنجر لتقديم فروض الطاعة وحتى الأتاوات، ولا يحتاج أحد نباهة خاصة لمعرفة أين تكون عنجر الجديدة.

الاختباء وراء فرضية أن يكون وهاب مدفوعاً من عصابة الأسد ينجي الطبقة السياسية اللبنانية من مواجهة الواقع، والواقع يقول أنه من غير المعروض عليهم إطلاقاً الدخول في تحالف الضرورة المرّ مع الحزب وحلفائه، وإنما المعروض عليهم علاقة تبعية كاملة. هنا لا يمكن استبعاد الخارج طبعاً، لكن على أساس مغاير حيث يكون مركز الثقل الخارجي في طهران ومركزه الداخلي في الضاحية، أما علي مملوك وأشباهه ورئيسهم فليسوا سوى القناع القبيح الذي يُلوِّح به صاحب الوجه وصاحب السطوة الفعلية.

للملف السوري علاقة وثيقة بما يحدث، لا لتجيير ما يعتبره الحزب انتصاراً لحساب الأسد وإنما لتكريس ما يعدّه انتصاراً له في سوريا أولاً. فالحزب يعلن اليوم انقضاء مرحلة النأي بالنفس بالنسبة للأفرقاء اللبنانيين الآخرين، بعد نجاحه في تكريس المعادلة التي كانت تنص على نأيهم بأنفسهم عن الصراع السوري بينما يباشر مقاتلوه مهمة قمع السوريين وإبادتهم. بعبارة أخرى، لم تعد مقبولة تلك القسمة التي تحفظ ماء وجوه سياسيين لبنانيين آخرين بسبب سلبيتهم إزاء تدخل الحزب، بل المطلوب منهم اليوم أن يكونوا شركاء كاملين في الجريمة من خلال الانصياع أو العجز أمام واحد من رموزها.

التطبيع المطلوب اليوم من السياسيين اللبنانيين مع العصابة الأسدية هو مطلب داخلي في المقام الأول، لأنه يبتغي منهم التطبيع مع الجريمة الكاملة والقبول بنتائجها. والنتائج لا تنحصر بسيطرة فريق الحزب على مفاصل السلطة، بل تتعداها إلى ما هو أبعد بكثير، فما دامت المعركة في سوريا قد استهدفت تغيير البنية الديموغرافية فيها لن تكون الصيغة اللبنانية في منأى. القول بأن لبنان غير سوريا، وأن صيغته محمية دولياً وإقليمياً لا يجد حتى الآن ما يدعمه سوى بعض العقوبات التي لا يكترث بها الحزب، مثلما لم يكترث بها تنظيم الأسد وحكم الملالي من قبل.

ما نتعلمه من العديد من التجارب أن الانتصار يكون على طبيعة المنتصر، وقلّما كانت الظروف الموضوعية في البلد حائلاً أمام هذا الصنف من المنتصرين. على سبيل المثال، لم يكن متوقعاً من عصابة الأسد أن تفعل سوى ما فعلته في سوريا طالما لم تكن هناك قوة تردعها، وليس من المتوقع في حال بقائها أن تنتهج سلوكاً مغايراً. وإزاء تنظيم مثل حزب الله، يعتمد منطق القوة والاستقواء، ينبغي التفكير جيداً في نوعية الانتصار الذي يريده، لا الانتصار الذي يرضاه له خصومه، مع التذكير بأن انتصار المحور الإيراني في المنطقة مروراً بسوريا يملك منطقه الواضح المنسجم، ولا تنقصه النية والعزم على تغيير الوقائع الأساسية في كل بلد لجعل الانتصار مستداماً.

من المؤسف ألا يكون أمام خصوم حزب الله سوى خيار الإقرار بالهزيمة، إلى درجة التطبيع مع ما يمثّله وئام وهاب، أو الإقرار بها مع شرف الانسحاب من حلف الجريمة الكبرى التي شارك فيها الحزب، ليُترك للأخير تدبّر انتصاره بلا عون منهم. المؤسف لنا، نحن غير اللبنانيين، ذلك التأكيد على انتصار الجريمة التي كنا ضحاياها، بالتلازم مع التأكيد على أن الإسفاف هو عنوان المرحلة التي يعد بها أسيادها.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع