أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » عملية “درع الشمال”… نفق واحد من جنوب لبنان حتى طهران

عملية “درع الشمال”… نفق واحد من جنوب لبنان حتى طهران

منذ أن أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاق عملية “درع الشمال” على حدود لبنان الجنوبية، بهدف تدمير “أنفاق هجومية لحزب الله”، بحسب زعمه، صباح الرابع من ديسمبر، والتحليلات حول الخطوة المفاجئة ومخاطرها لم تتوقف.

فوراً، اتجهت الأنظار إلى رصد أي احتمال لاندلاع جولة جديدة من القتال بين إسرائيل وحزب الله، ولكن مؤشرات كثيرة، منها طبيعة التعليقات الإسرائيلية على العملية، تؤشر على أن لا نيّة لدى الإسرائيليين لخوض حرب جديدة. فما الهدف إذن؟
نفوذ إيران بالجملة لا بالمفرّق

لم تجرِ الخطوة الإسرائيلية في فراغ بل ترتبط بمجموعة خطوات أخرى اتخذتها الدولة العبرية والولايات المتحدة الأمريكية، وهدفها واضح وهو إعادة الربط بين كل جزئيات ملف نفوذ إيران في الشرق الأوسط تمهيداً للدفع نحو التعاطي معه بالجملة لا بالمفرّق.

فالولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تعد مقتنعة بتجزئة الملفات التي تشكّل إيران لاعباً أساسياً فيها، أكان ذلك في سوريا أو لبنان أو العراق أو اليمن أو فلسطين أو أفغانستان.

قبل، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، كانت تجزئة الملفات هي وصفة الاستقرار الأمريكية للشرق الأوسط. وفي سنتي حكمه الأخيرتين، كانت سياسته الخارجية تقوم على أساس أن الاتفاق النووي يحول دون تطوير إيران أسلحة نووية، وهذا يكفي في العلاقة المباشرة معها، أما بخصوص نفوذها، فيمكن قضمه تدريجياً، قطعة قطعة.

مع ترامب اختلف الأمر. لم يعجبه الاتفاق النووي نفسه، بتأثير من البروباغندا الإسرائيلية ضدّه، ولم تعجبه مسألة انتعاش الميزانية الإيرانية، خاصةً أن مليارات عدة من دولاراتها تذهب لدعم “أذرعها” الإقليمية التي تنشط أحياناً ضد المصالح الأمريكية.

انسحب ترامب من الاتفاق النووي، وفرض حصاراً مالياً قاسياً على طهران، بدأ يُنتج مفاعيله وسينعكس بالضرورة على حلفائها في الدول العربية، كما راح يتعاطى مع كل الملفات الشرق أوسطية التي تزعج بلاده تحت عنوان واحد: محاربة نفوذ إيران.

هي استراتيجية تركّز على الرأس لا على الأذرع وتتطلّب استغلالاً مستمراً لأي حدث، لا بل اختلاق أحداث أحياناً، لتحويل مسؤولية إيران عن التوترات في كل مناطق النزاع التي ينشط فيها حلفاء لها إلى معطى بديهي لا سجال حوله.
المقاربة الترامبية

قد تكون المقاربة الترامبية أكثر واقعية من سابقتها، ولكن من آثارها السلبية المؤكدة أنها تزيد حدّة التوتر في الشرق الأوسط، لأن المطلوب من إيران صار أن تخطو خطوة كبيرة واسعة إلى الوراء، إلى ما وراء حدودها، دون التصفيق لمناوراتها القاضية بإقصاء مالكي من هنا أو القبول بعبادي من هناك. ترامب يريد منها أن تضع جميع أوراقها مرة واحدة على الطاولة.

في هذا السياق تأتي عملية “درع الشمال” الإسرائيلية. إيرانياً، يقتضي هذا السياق مواجهة إيران والعمل على “إثبات” (أو ممارسة البروباغندا/ لا فرق في النتائج) أن أنفها موجود في كل أماكن التوتر. وعربياً، يقتضي الضغط على حكومات الدول التي تنشط فيها جماعات موالية لإيران لإعادة خلق تناقض بين السلطة الرسمية و”السلطة الموازية”، بعد أن نجحت هذه الجماعات في إرساء قواعد تلعب لمصلحتها، تحت عنوان “التكيّف لتحقيق الاستقرار الوطني”.

هذا السياق الثاني ستبرز مفاعيله تدريجياً، وسيعقّد علاقة الحكومتين اللبنانية والعراقية بالولايات المتحدة، ولاحقاً، بعد فترة سيفرض نفسه على مفاوضات الحل النهائي في سوريا.

لذلك، حضرت إيران منذ البداية في تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول العملية، إذ قال إن “حفر الأنفاق هو جزء من شبكة الإرهاب والعدوان الإقليمية والعالمية التي تديرها وتموّلها إيران”.

كذلك حضرت إيران في تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون الذي عبّر فيه عن دعمه للعملية الإسرائيلية، إذ قال: “ندعو إيران وكل عملائها إلى وقف تعدّياتهم واستفزازهم الإقليمي الذي يشكل تهديداً غير مقبول للأمن الإسرائيلي والإقليمي”.

وقبل يوم من الإعلان عن العملية الإسرائيلية، التقى نتنياهو بوزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو في بروكسل لإطلاعه على نوايا بلاده، قبل أن يُعرَف شيء عنها.

وفي حين أشار نتنياهو قبل اللقاء إلى أنه سيناقش “الخطوات التي نتخذها معاً لصد عدائية إيران ووكلائها في الشمال”، في إشارة إلى سوريا ولبنان، أكد بومبيو عقب اللقاء عزم بلاده على مواجهة تهديدات النظام الإيراني من خلال الضغوطات القصوى.

من جانب آخر، يحاول إعلام الجيش الإسرائيلي تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية عن أعمال حزب الله على اعتبار أن ما يفعله يجري “تحت مسامعها”، إضافة إلى وضع قوات اليونيفيل أمام مسؤوليات إضافية، على أساس أن نشاطه يخرق القرار 1701، وتقليب الرأي العام الشيعي ضده باعتبار أنه لا يأبه لأرواح المدنيين.

ويُشار إلى أن عملية “درع الشمال” أتت بعد فترة وجيزة من ظهور نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر الماضي، وحديثه عن وجود ثلاثة مواقع “سرية” تابعة لحزب الله “قرب مطار بيروت” تسعى، بدعم إيراني، إلى “تحويل المقذوفات غير الدقيقة إلى صواريخ دقيقة التوجيه”.
نهج جديد

هذا هو النهج الجديد الذي تحاول واشنطن وتل أبيب جذب العالم إليه، أكان في سوريا حيث يتحدث المبعوث الأمريكي الخاص للخارجية إليها جيمس جيفري بشكل شبه يومي عن “انسحاب ميليشيات إيران”، أو في اليمن حيث قدّم المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران برايان هوك قبل نحو أسبوع عرضاً في البنتاغون عن صواريخ إيرانية بحوزة الحوثيين ومقاتلين أفغان وعن سعي طهران إلى “خلق لبنان جديد في اليمن”.

وفي كل ساحات النفوذ الإيراني في الدول العربية، يحضر خطاب محاولة تقليب الناس على الجماعات المؤيدة لطهران، وهو خطاب يجري تبنّيه حتى في التصريحات الموجّهة إلى الداخل الإيراني.

يُضاف إلى كل ذلك الضغط الدولي على إيران في ملفات مثل تجاربها على الصواريخ الباليستية، وهو ضغط صارت تشارك فيه فرنسا وبريطانيا، الدولتان الداعمتان لاستمرار الاتفاق النووي لعام 2015، إذ تعتبران بوضوح أن هكذا تجارب مخالفة لقرار الأمم المتحدة 2231، وطلبتا مؤخراً، بعد آخر التجارب الإيرانية ذت الصلة، عرض المسألة على مجلس الأمن.

باختصار، هو توجه جديد يسعى إلى إعادة ترتيب القراءة الدولية للمشهد في الشرق الأوسط تحت عنوان واحد هو “نفوذ إيران”، لا تحت عناوين مختلفة كما الحال الآن. والأرجح أنه سينجح في مسعاه أو على الأقل سيحقق تقدماً وهو أمر سنلمسه في مواقف الدول الكبرى من أزمات الشرق الأوسط في الفترة القادمة. ولكن هل سيغيّر في الواقع؟

هناك احتمالان: إما تراجع إيران أو مزيد من التوتر في الدول العربية التي تنشط فيها جماعات موالية لطهران. ففي مرحلة الضغط الشديد ستتشدد إيران أكثر وستدفع حلفاءها نحو عدم تقديم تنازلات لأن الوقت هو لجمع أوراق قوة، أكان في مسألة تعيين وزير الداخلية العراقي الذي يلعب دوراً كبيراً في تسهيل نشاط الميليشيات الموالية لها أو في قضايا هامشية نوعاً ما مثل فرض عدم المس بالوزير اللبناني السابق وئام وهاب.

المصدر: رصيف 22