أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » “السترات الصفراء”: بين شرعية المطالب وآليات التنفيذ بقلم سلام كواكبي

“السترات الصفراء”: بين شرعية المطالب وآليات التنفيذ بقلم سلام كواكبي

تتحول “السترات الصفراء” إلى ظاهرة مهمة في التاريخ الفرنسي، فهي شاهدة على تطور المجتمع الفرنسي بالرغم من السلبيات التي تعتريها. وبين شرعية مطالبها وآليات التحرك، سيتحدد مصير الرئيس ماكرون في الأسابيع القادمة.

من الضروري، وبعد مرور أربعة أسابيع على الاحتجاجات المَطالبية التي يُطلَق على ناسها لقب أصحاب “السترات الصفراء” أن تتم الإشارة مبدئيّاً إلى أنها نجمت عن تراكم سياسات اقتصادية ليبرالية انتهجتها كل الحكومات الفرنسية يسارية كانت أم يمينية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وكان لليسار الجرأة الأكبر في حقلين يُتَّهم بترويجهما اليمين عادةً، وهما الهجرة والحد منها من جهة، كما تقليص المكتسبات الاجتماعية ورفع الضرائب وتخصيص الشركات الكبرى من جهة أخرى.

مع وصول إيمانويل ماكرون إلى السلطة سنة 2017، حمل معه عقلية إدارة المؤسسات المالية التي كوَّنته، حيث قام بإطلاق ورشة الإصلاحات الفورية دون فتح باب النقاش العام إلا ما عدا في البرلمان الذي استطاع هو وحزبه الجديد اكتساح أغلبية المقاعد فيه. وتجاوز في ذلك الشركاء الاجتماعيين من نقابات ومجموعات مهنية في ظل تراجع بنيوي في دور الأحزاب السياسية التقليدية. ومع اعتراف مختلف المدارس الاقتصادية بضرورة الإصلاح في القطاعات المختلفة للاقتصاد الفرنسي، نَدَرَ من تصدَّى بجرأة للقيام بها والخوض في غمارها من الحكومات السابقة. وتراكمت عبر السنوات المشاكل الهيكلية في إدارة العملية الاقتصادية على الرغم من وجود فرنسا في مقدمة الاقتصاديات الغربية عموماً. وتميَّز المشهد الاجتماعي الفرنسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بمكتسبات اجتماعية طالت الطبقات المتوسطة وما دون، لم تحظَ بها الفئات المشابهة إلا في بعض الدول الإسكندنافية. وقد دافعت عن هذه المكتسبات “بشراسة” النقابات على مدى عقود بحيث صار الاقتصاد الفرنسي في موقع غير تنافسي بالمفهوم الليبرالي الذي فرضته العولمة من جهة، والعضوية في الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

إضافة إلى الجرأة في الإقدام على إطلاق مسيرة “الإصلاحات”، صبَغ “الغرور” التقليدي لخريجي المدارس العليا وأصحاب الياقات البيضاء الفرنسيين، أداء الرئيس ماكرون الذي، على الرغم من انفتاحه على آراء مستشاريه، فهو عميق الظن في صواب اختياراته. وقد دفع الكبرياء المبالغ فيه الرئيس الشاب إلى التفوه ببعض العبارات التي صدمت عموم الناس. فمن اعتباره بأن العاطل عن العمل لا يبذل المجهود الكافي للحصول عليه، إلى وصمِهِ الفرنسيين عموماً والمشتكين خصوصاً بأنهم تعودوا على الراحة التي تصل إلى حد الكسل في إدارة حياتهم الاقتصادية، إلى عبارات قاسية على الهواء مباشرة في لقاءات جماهيرية.

وعلى الرغم من صواب جزئي لبعض الظن الذي يُملي عليه جزءاً من الأداء الاقتصادي، فإن الأسلوب، وهو مفصلي في تعامل الفرنسيين مع حكوماتهم، قد عابه بشدة. وقد أفصحت الحركات الاحتجاجية الأخيرة عن جانب آخر في أسلوبه وهو المرتبط بالابتعاد عن التوجه المباشر إلى الناس وترك الأمر لوزرائه ورئيسهم. في حين يشعر جُلُّ الفرنسيين بحاجة قوية إلى تدخل مباشر من طرفه في شرح الأمور وتبرير الموقف والاعتذار عن المبالغات والعودة عن بعض الإصلاحات.

من جهتهم، انطلق أصحاب السترات الصفراء في حراكهم بعفوية ومن دون أي تنظيم فعلي، وتنازعَتْهم توجُّهات غير متجانسة اجتمعت على رفض السياسات الاقتصادية. وفي بداية الحراك، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مفتاحيّاً في تحشيد المشاركين فيه والمؤيدين له. وقد رفض المشاركون فيه، ولمدة طويلة نسبيّاً، أي انفتاح تفاوضي من قبل الحكومة الفرنسية. لكن اندلاع أحداث شغب على هامش التظاهرات التي خرجت، دفعت جزءاً كبيراً من أصحاب الحراك إلى التمايز عن مفتعلي هذه الأحداث وبالتالي، الانفتاح على التفاوض مع التمسك بمطالب تعدت أربعين مطلباً جُلُّها معاشي وتنموي.

ولم تنفع محاولات “الأحرار” منهم كما أطلقوا على أنفسهم في الدعوة إلى الامتناع عن التظاهر في باريس العاصمة وتلقَّوا تهديدات من المتطرفين وصلت إلى حد التهديد بالقتل. إلا إنه بفضل الشجاعة والمسؤولية لديهم، وفي توافق مع تراجع الحكومة عن بعض الإجراءات الضريبية، فقد انطلقت المحادثات منذ أيام قليلة على أن تختلف طبيعة التظاهر في السبت الرابع، ويسعى في ذات الوقت أصحاب القضية لإبعاد المتطرفين من صفوفهم. ومع مجيء السبت الرابع، وإن كان تميّز بهدوء نسبي مقارنة بما سبقه من أسابيع، إلا إنه قد شهد أيضاً أعمال شغب وحرق سيارات وسرقة محال تجارية لمجموعات ارتدت السترات الصفراء نفسها.

من الواضح أنَّ عناصر يمينية ويسارية متطرفة كما مجموعات صغيرة من الفوضويين قد اخترقت الحراك. وكما تبين أن مختلف الأحزاب السياسية التقليدية تحاول أن تكون “أم الصبي” مقدمة نفسها وكأنها تتبنى جُل مطالبه علماً بأنها ساهمت طوال سنوات حكمها السابقة في تراكم الخلل بكل أنواعه.

ما يعيب الحراك في بعض جزئياته، إن صح التعبير، سيطرة الخطاب غير الواقعي على بعض المطالب والتي لا قدرة لأية دولة في النظام الاقتصادي العالمي السائد أن تحققها. كما قبوله الضمني بالعنف الذي اكتنف بعض جوانبه بحيث أدلى بعض المتحدثين باسمه بتصريحات تَعُدُّ هذا العنف سيدفع الحكومة للاهتمام أكثر بالإصغاء لمطالبهم. وفي ظل الاستقطابات السياسية التي تسعى لوضع اليد على الحراك وتشغيله لصالحها، تغيب الرئاسة عن أي تصريح علني واضح ويكاد الغرور الذي يعتري أداء الرئيس يودي بما تبقى له من حظوظ للبقاء في منصبه، في ظل دعوات متزايدة إلى حل البرلمان وانتخابات تشريعية جديدة واستقالته من هذا المنصب.

الفرصة اليوم كبيرة للغاية من أجل أن تستعيد المنظمات النقابية كما الأحزاب السياسية دورها الفعلي في المشهد الفرنسي، لحمايته من سيطرة التيارات الشعبوية والمتطرفة التي يمكن لها عبر الخطاب الغوغائي أن تُغري البسطاء، كما حصل في إيطاليا في الماضي القريب. وعلى الحكومة الفرنسية أن تتراجع أكثر وتعِد بالأكثر وليس في هذا الأداء ما يعيب، بل على العكس، ففي الديمقراطيات الراسخة، كفرنسا، صدى مطالب الشعب يجب أن يكون واضحاً في أداء الحكومات مهما كانت قياداتها على قناعة بأنها تقوم بالشيء الصحيح.

الأسبوع القادم سيكون مصيريّاً في مستقبل الحراك كما في ديمومة الحكومة القائمة. وقد بدا من خلال الأداء الأمني المحيط بالتظاهرات أن مستوى التعامل الشرطي مع الجماهير في فرنسا يختلف بسنوات ضوئية عن الأداء القمعي الذي تعرفه دول الجنوب التي عرفت احتجاجات في الآونة الأخيرة. والهدوء والرويَّة اللذان اكتنفا عمل رجال الشرطة يمكن أن يكون مرجعيّاً عدا تجاوزات قام بها بعضهم وفتحت المؤسسات القضائية التحقيقات بخصوصها.

يتحدث بعض المراقبين عن “إصبع” خارجية في تأجيج الاحتجاجات ذاهبين لاتهام فلاديمير بوتين بتعزيز حظوظ الخطاب الشعبوي الذي يمارسه بتميُّز في بلاده. وعلى الرغم من استبعاد نظرية المؤامرة في المشهد الداخلي الفرنسي، فإنه من المهم الإشارة إلى أن الاستفادة الممكنة لكل القوى الدولية المعادية للاتحاد الأوروبي، كروسيا والولايات المتحدة، ليست مستبعدة دون أن يكون لها دور مباشر في تأجيج الساحة. والمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على الفرنسيين ومؤسساتهم العريقة في إيجاد مخرج مناسب لهذه الأزمة التي لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ مايو/أيار 1968. ومن المؤكد أن التاريخ سيسجل هذه الظاهرة كأهم ظواهر تطور المجتمع الفرنسي على الرغم من مختلف السلبيات التي اعترتها. وستحفل أدبيات العلوم الإنسانية في المستقبل القريب بأبحاث واسعة عن الاحتجاجات الاجتماعية وستعتبر احتجاجات السترات الصفراء مَعلماً هامّاً في دراسة الجيل الجديد من الاحتجاجات.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع