أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » موسم العودة إلى سوريا.. قصص من آخر أيام الشتات

موسم العودة إلى سوريا.. قصص من آخر أيام الشتات

يقف اللاجئون السوريون في حيرة من أمرهم، فقد وضعتهم الأقدار أمام خيارين أحلاهما مر، إما مغامرة العودة إلى وطن منهك أو البقاء لاجئين في بلدان ضاقت ذرعا بهم.

بين الحنين للعودة إلى مسقط الرأس وغربة جديدة في الوطن، يقف السوري أبو سامي اللاجئ في لبنان في حيرة من أمره، فقد وضعته الأقدار أمام خيارين أحلاهما مر، إما العودة إلى وطنه سوريا من غير أولاده الأربعة أو البقاء معهم لاجئا في وضع معيشي صعب.

ودخل الأولاد الأربعة سن تكليفهم الرسمي بالخدمة العسكرية، أو كما يقول أبو سامي سن الالتحاق بصفوف من كانوا سبب تهجيرهم. يشبه الرجل عودته مع أبنائه إلى سوريا بمن يسوق خرافا سمنت إلى جزار، يداعب خرافه إلى حين موعد ذبحها، مضيفا “المصير مجهول ولا ضامن لنا في عودتنا هل سنكون آمنين في بيوتنا؟”.

ولا يزال اللاجئون السوريون الشغل الشاغل لحكومات البلدان الجارة لسوريا، وهم أساسا تركيا والأردن ولبنان. وتتصاعد في بيروت مناشدة المجتمع الدولي للسماح للاجئين بالعودة طوعا إلى سوريا من دون انتظار حلول سياسية، ولا سيما أنهم باتوا يشكلون ضغطا شديدا على موارد البلد المحدودة مع نقص إسهام الأمم المتحدة المعنية بذلك، حسب مراقبين.

وحسب إحصاءات نشرتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2017، فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان 997 ألف لاجئ موثقين لدى المفوضية من دون اعتبار المقيم وغير المسجل لديها.

تخفيف عبء

سيطرة النظام السوري وإنهاء وجود المعارضة المسلحة من غالبية المحافظات السورية دفع جارات سوريا للتخفف من عبء اللاجئين، وإن كان بعضهم لا يأمن العودة إلى قبضة النظام، وآخرون باتوا مجبرين على العودة والعيش بسلام.

وكان إعلام النظام تحدث قبل أيام عن دخول مئات العائلات قادمة من لبنان والأردن، وأن أكثر من خمسين ألفا “قرروا العودة لحضن الوطن بعد طرد الجيش السوري للمعارضة المسلحة”، إلا أنه لا إحصاءات دقيقة تبين العدد، فهل بدأت فعلا موسم عودة السوريين بعد هجرتهم.

يقول أبو سامي للجزيرة نت إن “انتهاء الحرب في درعا دفعنا للتفكير مليا في إنهاء رحلة العناء واللجوء والعودة إلى بيتنا المتواضع بين أهلنا وجيراننا، حيث كانت الفكرة عودة تدريجية تبدأ بي وزوجتي لتجهيز المنزل واستشعار الوضع عن قرب عودة باقي العائلة، والمقارنة إن كانت الظروف الراهنة سبيلا للم شملنا”.

يضيف أنه في 10 سبتمبر/أيلول الماضي عاد مع زوجته إلى مدينة الشيخ مسكين (30 كيلومترا عن درعا)، التي كانت خاضعة كليا لسيطرة قوات النظام بعد أن هجر أهلها قصرا أواخر 2015، حيث سمحت قوات النظام بعودة الأهالي إليها بداية من سبتمبر/أيلول الماضي رغم مرور أسابيع على بسط سيطرتهم المطلقة على درعا.

يقول أبو سامي إن زوجته انهارت من هول ما رأت عند وصولهم، “المدينة مدمرة، ومنزلنا خاو على عروشه، لم نجد فيه سوى الجدران، فلا نوافذ أو أبواب، ومن المحال السكن فيه، ولا سيما أن المدينة خاوية، وقلة قرروا العودة، شبح الموت لا يزال يخيم، وعودتنا إلى مكان لجوئنا في لبنان بين أبنائنا هو ما اتفقنا عليه أنا وزوجتي عند وقوفنا على أطلال بيتنا”.

عرسال

وفي عرسال شمال لبنان حيث تقبع خيام اللاجئين على الحدود، تجمع شتات من فروا من الحرب وأغلبهم فضلوا البقاء قرب بلداتهم التي تفصلها الحدود على العودة.

يقول محمود العسالي -وهو لاجئ سوري أتم عامه الثالث في مخيمات النزوح- إنه قرر العودة لبلدته عسال الورد في منطقة القلمون بعد سنوات من التهجير وسجل مؤخرا ضمن القوافل التي ستعود إلى سوريا عبر معبر الزمراني تحت إشراف الأمن العام اللبناني بعد الاتفاق مع النظام السوري لتسوية أوضاعهم عند عودتهم وممارسة حياتهم الطبيعية.

يضيف العسالي أنه قرر العودة مع أفراد عائلته الخمسة ليتسنى له الاستفادة من مرسوم العفو الذي أطلقه النظام وتجنب مرسوم تشريعي بفقدان ممتلكاته داخل سوريا في حال بقائه بالخارج، إضافة لمرارة وقسوة الشتاء عليهم ولا سيما أنه على الأبواب.

وفي حين يستعد بعض سكان المخيم للعودة، تقف لاجئة رفضت الكشف عن اسمها مودعة من جاوروها طيلة فترة نزوحهم. وتقول في حديثها مع الجزيرة نت إنها لا تنوي العودة نهائيا حتى وإن بقيت وحيدة في مخيمات النزوح، فما عايشته داخل سوريا في فترة الحرب فاق التصورات وبات كابوسا يؤرقها لأشهر.

تضيف اللاجئة أن فقدانها لزوجها ومنزلها إضافة لشلل جزئي تعرض له ولدها جعلها تمحو من ذاكرتها أي حنين لبلدتها، فلا عودة إلى سوريا قبل تغيير جذري في نظام الحكم وإسقاط الأسد، حسب وصفها.

وتشير إلى أنه “لا ضمان لنا حتى لو كانت عودتنا تحت رعاية دولية، فالأمم المتحدة قطعت عن اللاجئين مساعداتهم لإجبارهم على العودة ونكون بين فكي النظام ليقتص منا بمباركة أممية”.

الأردن

وفي الأردن، الجار الجنوبي لسوريا، يختلف الوضع نسبيا حسب بعض اللاجئين الذين التقتهم الجزيرة نت بعد إعادة افتتاح المعبر الحدودي جابر-نصيب منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد إغلاق استمر ثلاث سنوات وسبعة أشهر تقريبا.

وأغلق المعبر بداية أبريل/نيسان 2015 بسبب ارتفاع وتيرة الحرب في المناطق الجنوبية المحاذية للحدود الأردنية، ودخول قوات المعارضة السورية والجيش الحر للمنفذ الحدودي وطرد الجيش النظامي من هناك.

على عجل يلملم الشيخ الثمانيني ممدوح الأحركي حاجياته، وما خف منها اصطحبه معه في رحلته المتجهة نحو “آلام سوريا”، وما لم يتمكن من حمله باعه بأبخس الأثمان من أجل متطلبات الرحلة.

غادر الأحركي إلى سوريا قبل أشهر عبر الطائرة، لكن لم يسمح له بالسفر، وعندما سمع بفتح المعبر طار سريعا نحو الشمال لاحقا قلبه المعلق هناك، فالقلب مشتاق لدرعا منذ خمسة أعوام، حسب تعبيره.

ترافقه في رحلته زوجته الحاجة السبعينية جميلة فلاح، فقد اشتاقت لأبنائها الـ12 وأحفادها وأقاربها، وقبل سفرها ودعت جاراتها في مدينة السلط بالدموع، فقد جمعها القدر بهن خمسة أعوام على الخير.

يقول الحاج الأحركي للجزيرة نت “سكنت مدينة السلط خمسة أعوام لم أشعر في يوم أنني لاجئ أو غريب ديار، بل على العكس كنا نلتقي مع السلطية في المسجد ونتبادل الزيارات العائلية والمشاركة في المناسبات المختلفة”.

فراق بطعم الحنين

الدموع احتلت الساحة الخارجية للمعبر الحدودي، مسافرون يبكون فرحا بالعودة، والباقون في الأردن يبكون خوفا على المغادرين أن يصيبهم أذى بعد عودتهم.

الشاب أحمد القادري حرص على زيارة أهلة ومحبيه في سوريا بمرافقة زوجته وأبنائه قبل سفره لدولة خليجية للعمل. يقول للجزيرة نت والفرحة لا تسعه بختم جواز سفره “بعد غياب خمس سنين سأعود لدرعا لأرى أمي وأبي وإخوتي، الفراق صعب جدا وقد أجلت سفري للقاء أهلي”.

عائلات أردنية جاءت للمعبر الحدودي لوداع عائلات سورية جمعتها المحبة والمودة ردحا من الزمن، بينها مها عبيدات الأردنية من مدينة إربد، ونهى الحوراني السورية من مدينة داعل، تجاورتا في السكن ثلاثة أعوام، تشاركتا المناسبات الاجتماعية والأعياد وتبادلتا المأكولات.

تحدثتا للجزيرة نت ودموعهما تسيل، فرحا بالعودة لسوريا، وحزنا على الفراق “كنا مثل الأخوات، تعلمنا بعضنا من بعض الطبخ والتطريز، وتبادلنا العادات الاجتماعية في المناسبات”.

وشهدت الأيام الستة الأولى من فتح المعبر تزاحما أردنيا على زيارة سوريا، وحرص الكثير من العائلات والشباب على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في أحضان دمشق وأسواقها التاريخية العريقة ومقاهيها وفندقها.

تركيا

وإلى الشمال من سوريا، حيث الجار الذي استقبل العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، كشفت دائرة الهجرة في وزارة الداخلية التركية الشهر الماضي، أصبح عدد السوريين الموجودين في الأراضي التركية ثلاثة ملايين و585 ألفا. كما يعيش في المخيمات الواقعة في الجنوب التركي 177.376 سوريا، بعد أن انخفض عددهم من 228.251 لاجئا عام 2017.

ووفق تقرير نشرته صحيفة “ديلي صباح” التركية فإن ما يقارب 7000 من أصل 50 ألف لاجئ سوري غادروا تركيا ليقضوا إجازة عيد الأضحى مع ذويهم، قرروا البقاء في مناطقهم التي أصبحت “أكثر أمنا” في سوريا، حسب الصحيفة.

وكانت الحكومة التركية سمحت للاجئين السوريين بزيارة سوريا في الفترة الممتدة من 5 أيلول إلى 15 نوفمبر/تشرين الثاني الماضيين، ضمن إجازة عيد الأضحى المبارك.

قصة عودة

ومن بين 7000 سوري فضلوا البقاء في سوريا على العودة إلى تركيا مصعب العمر (32 عاما)، وهو رب لأسرة تتكون من سبعة أطفال وأمهم، وكان غادر قريته بريف حلب الشمالي قبيل عامين نحو تركيا، جراء هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة.

في مدينة مرسين التركية عمد العمر كما يروي للجزيرة نت إلى البحث عن عمل في ظل ظروف معيشة صعبة جراء حاجز اللغة التركية الذي اصطدم به جميع السوريين القادمين إلى تركيا واغترابه عن المجتمع الجديد.

ويشير اليوسف إلى أنه تمكن من الحصول على فرصة عمل كعامل في مصنع لصناعة الأدوات المنزلية البلاستيكية بأجر زهيد لا يتجاوز 1200 ليرة تركية (ما يعادل 200 دولار) لا تكفي إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والماء، ودوام بـ12 ساعة عمل.

وعن صعوبات الحياة في تركيا أشار اللاجئ السوري إلى أن زيارة المشافي لعلاج أطفاله تحتاج إلى مترجم والحصول على بطاقة الحماية المؤقتة التي تمنحها الحكومة التركية للاجئين السوريين على أراضيها وفق شروط ونظام حجز بالدور.

بعد عام ونصف من العمل الشاق في تركيا، وأثناء زيارة في عيد الأضحى منحتها تركيا للسوريين قررت أسرة العمر البقاء في ريف حلب، رغم غلاء المعيشة في سوريا لكنها تبقى وطنه وأفضل من تركيا، كما يقول.

مغادرة المخيم

من جهته يعتزم أمير أبو يوسف (42 عاما) وأسرته مغادرة مخيم زوغرة على الحدود السورية التركية، والعودة إلى قريته في ريف حمص الشمالي، رغم خضوع المنطقة لسيطرة النظام السوري، لكن أبو يوسف يعتقد أن الجلوس في الخيمة بالشتاء أصعب من أن يتحمله هو وأسرته المؤلفة من ثلاثة أطفال وأمهم.

وكانت عائلة أبو يوسف غادرت منزلها في ريف حمص بعد سيطرة النظام قبل نحو أكثر من ستة أشهر، ضمن قوافل التهجير القسري نحو الشمال السوري، وتحديدا في الريف الشمالي الشرقي لحلب.

يقول أبو يوسف للجزيرة نت إن المخيم يتحول في الشتاء إلى برك من الوحل وتغيب مصادر التدفئة، مشيرا إلى انعدام التيار الكهربائي داخل المخيم، مضيفا أن المساعدات المقدمة بالكاد تكفي أسرته مدة عشرة أيام من كل شهر. ويشير إلى انقطاع أولاده عن الدراسة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ويرى أبو يوسف أن ظروف المعيشة والخدمات المتردية داخل المخيم دفعته لاتخاذ قرار بالعودة لبلدته بريف حمص، رغم مخاطر الاعتقال أو التحقيق في أفرع النظام الأمنية التي يخشى أن تواجهه.

————————————————–