أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » “طُرق الرب” رواية شادي لويس الأولى.. قصة القبطي الحائر

“طُرق الرب” رواية شادي لويس الأولى.. قصة القبطي الحائر

“ما أعجب طُرقك يا رب!”، تتكرّر العبارة في رواية شادي لويس الأولى، بينما تخفي داخلها أكثر مما تُظهر، فرواية “طُرق الرب” تتحدّث عن طرقٍ غير معهودة تشمل قراراً ضمنياً من الدولة المصرية، عبر كامل تاريخها الحديث، بوضع الأقباط رهناً بكنيستهم، كأنها ولي أمرهم.

خط الرواية الرئيسي يلخص هذه الزاوية، حيث يجد قبطي غير متدين نفسه مجبراً على الذهاب إلى جلسات اعترافٍ مع قِسِّ، لأن شهادة “خلو الموانع” الكنسية متطلبٌ قانونيٌّ في عقد الزواج المدني، بينما لن تمنحه الكنيسة هذه الشهادة ما لم يكن مرتاداً لها.

بأسلوبٍ مشوق، ومعالجة ذكية، وبلا خطابية زاعقة، وبلا تركيزٍ على شيطنة أي طرف، تستعرض الرواية أنواع “وكلاء الرب” الذين يعاقبون المسيحي المصري مرّتين، مرة على مسيحيته، ومرة أخرى لو لم يكن مسيحياً بالقدر الكافي.

الدولة، والكنيسة الأرثوذوكسية تحديداً، وغالبية المجتمع، يعيدون القبطي المارق فوراً إلى مساره المفترض، ويحدث هذا بمختلف “طرق الرب”، منذ التعرّض لتنمر الأطفال المسلمين في المدرسة، ومروراً بالممارسات الأمنية، ونهايةً بالكنيسة التي حرمت أم بطل الرواية من الخدمة، بعد اكتشافهم شكوكاً حول كاثوليكيتها، وهنا لمحة ذكية أخرى لـ “أنسنة” القبطي في الرواية، فالأم تخدم بهذه الكنيسة، ببساطةٍ، لأنها الأقرب إلى منزلها، ولأنها تحتاج نشاطاً ما يشغل وقتها، فكان هذا هو أفضل حلٍّ متاح، لا أكثر ولا أقل.

واختار الكاتب أن تدور الأحداث في زمن ما قبل الثورة في مصر، لعل هذا يزيد من جرعة “الاعتيادية” المطلوبة، من دون تشنجات لدى القارئ، حديث التعرّض للانقسامات، تبعاً للأحداث القريبة التي ما زالت حية في الأذهان.

برشاقةٍ، تضع الرواية الهم القبطي الخاص وسط الهم المصري العام، وكذلك وسط الأسئلة العالمية الأوسع، عبر قصة والد صديقته الألمانية مع ماضيه في ألمانيا الشرقية. ولعلي هنا لا أخون سراً لو قلت إن الرواية تحمل، في جوهرها، لعبة ذاتية لشادي، الذي كتب سابقاً علنا بعضاً مما جاء في الرواية مواقف حدثت له شخصياً. وبالتالي، يمكن التخمين أن اسم بطل الرواية، شريف، لم يبدأ بالحرف الأول نفسه مصادفة، وأنه كان يجرّب سيناريو “ماذا لو؟”، ماذا لو لم يتمكن شادي من الهجرة إلى بريطانيا محل إقامته الحالي، وأكمل مساره في مصر؟ هل كانت محاولاته للمقاومة ستنهار، وسيذوب وسط ملايين الأقباط الذين لم يجدوا بديلاً عن الاستسلام التام لطبقات السلطات المتراكبة فوقهم، أم كانت الخيارات المحدودة قد تترك مساحةً لمناورات ما؟

أتى بناء شخصية البطل متماسكاً، حيث يقدّم الإجابات المنطقية على الأسئلة البديهية: لماذا لا يصلي في الكنيسة؟ ولماذا يوجد قبطي بين مؤسسي حركة كفاية؟ وإن كان أتى بناء بعض الشخصيات الأخرى شاملاً تفصيلاً أقل، إلا أن هذا كان متناسباً مع مساحات ظهورها في العمل.

كانت الرواية تحتمل أن تصبح أكبر حجماً وأكثر تفصيلاً، كأن حرص الكاتب على عدم الوقوع في فخ الخطابية قد حرم القارئ فرصاً لبعض الاسترسال المطلوب. على سبيل المثال، رأيت أن الجزء الذي تعرض فيه لمروره على أنواع الكنائس، ومنها طوائف لا يعرف بوجودها في مصر المسيحيون أنفسهم قبل المسلمين، مثل “البلاميس” مختصراً إلى حد مبالغ فيه. كما أتت نهاية الرواية بشكل كان يحتمل مزيدا من التفاصيل، على الأٌقل كان الجزء الخاص بسجن بطل الرواية يمكن أن يستغرق مساحةً أكبر ليمهد للأحداث التي ستليه.

أيضاً، على الرغم من إيجابية حرص الكاتب على تقديم القبطي العادي للغاية، الذي يرغب أهله بتزويجه، وتهتم والدته باختبار ملابسه قبل موعد مهم، لكنه أغفل، ربما عمدا، التعرّض لجوانب مميزة من “عادية القبطي”، كتفاصيل الصيام الطويل أو أنواع خاصة من الأطعمة.

الرواية تعد إضافة حقيقية للمكتبة المصرية والعربية، خصوصا في ضوء ندرة الإسهامات الأدبية من كتاب أقباط، والندرة الأكبر في الأعمال ذات الموضوع المشابه.