أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » هل يجرؤ أردوغان؟ بقلم عمر قدور

هل يجرؤ أردوغان؟ بقلم عمر قدور

الحشود التركية مقابل مدينتي تل أبيض ورأس العين السوريتين قد تكون نوعاً من الضغط على الجانب الأمريكي، إلا أنها المرة الأولى التي تبلغ فيها التعبئة التركية هذا المستوى، ما ينبئ بوصول المفاوضات “بشقيها المعلن وغير المعلن” إلى طريق مسدود. المطالب التركية قديمة، وتتعلق بإنهاء العلاقة بين القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة والميليشيات الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني، وهي مطالب تراها أنقرة في صلب أمنها القومي، وذلك بالتأكيد ما تدركه الإدارة الأمريكية التي لا تريد التنازل في هذا الملف. ما الجديد إذاً؟

كنا قد شهدنا تزايداً في وتيرة الاتصالات التركية-الأمريكية مؤخراً، بخاصة بعد اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية، وأبدت الحكومة التركية سخاء ملحوظاً في تقديم المعلومات حول حادث الاغتيال للإدارة الأمريكية ومخابراتها. المبادرة والتعاون التركيين كانا واضحين جداً، وهناك تعمّد تركي في كشفه لوسائل الإعلام بهدف ممارسة مزيد من الضغط على إدارة ترامب كي تتخذ موقفاً حازماً من ولي العهد السعودي، أو كي تقدّم تنازلات في الملف الأمني العزيز على أنقرة. نستطيع القول أن الجهود التركية لم تثمر، فإدارة ترامب أصرت على موقفها المحابي لولي العهد، وبقيت على موقفها الداعم للمليشيات الكردية شرق الفرات، ولا ننسى في السياق ذاته العداء والتنافس بين أنقرة والرياض في العديد من الملفات، بما فيها منطقة شرق الفرات التي تخشى الأولى بقاء المظلة الأمريكية فيها بإسناد مالي من الرياض وأبو ظبي يعكس نفوذهما على إدارة ترامب.

كانت القوات التركية قد اجتاحت من قبل معقل المليشيات الكردية في عفرين، ضمن ما بدا أنه اتفاق دولي على مراعاة هواجس أنقرة. وما ينبغي ملاحظته بعناية اليوم أن التهديدات التركية غير موجّهة مثلاً إلى معقل المليشيات الآخر في مدينة القامشلي، حيث لا تخضع الأخيرة للمظلة الأمريكية، وفيها وضع غريب وشاذ من سيطرة المليشيات جنباً إلى جنب مع وجود رمزي لمخابرات الأسد وجزء محدود من قواته. القامشلي، وفق المعايير العسكرية المحضة، هدف أسهل من تل أبيض ورأس العين وقبلهما عفرين، بسبب الطبيعة السهلية للمنطقة قياساً إلى التضاريس الوعرة لعفرين، وهي ليست ضمن الحماية الأمريكية أيضاً، إلا أنها تخضع للحسابات السياسية مع موسكو التي ستعارض بشدة عملية من هذا القبيل.

نظرياً، سيبدو من الغرابة أن يتجرأ أردوغان على مواجهة القوة الدولية الأعظم، بينما يتحاشى أية مواجهة مع موسكو، رغم أن الأخيرة لا تتوقف عن التلويح باستهداف إدلب الخاضعة لتفاهم بينها وبين أنقرة. القوات الروسية نفسها، التي تنتشر بأسلحتها الاستراتيجية في سوريا، تتحاشى أية مواجهة مع القوات الأمريكية، وتكتفي إدارة بوتين ببيانات إعلامية لا قيمة لها من قبيل التأكيد على السيادة المزعومة لسوريا، وعلى أن وجودها “شرعي” بدعوة من “السلطة الشرعية” بخلاف الوجود الأمريكي. الظن أن واشنطن لا تريد إغضاب قوة إقليمية ذات وزن مثل تركيا لا يكفي وحده، لا لأن إدارة ترامب لم تتوقف عن إغضاب حلفاء آخرين لهم وزنهم أيضاً، وإنما لأن العلاقة الأمريكية-التركية في أسوأ مستوياتها منذ عقود، وثمة تباين بين الطرفين في التوجهات الإقليمية عموماً، فوق عدم الرضا الأمريكي المبطن إزاء حكم العدالة والتنمية.

من جهة أخرى لا تُظهِر واشنطن سعياً إلى المواجهة مع أنقرة، والتحذيرات المتتالية التي أطلقتها إزاء الحشود التركية أتت في سياق يدعو إلى التهدئة، فلم تتضمن عبارات استفزازية. أيضاً يمكن فهم التحذيرات الأمريكية للفصائل المدعومة تركياً من المشاركة في الهجوم على محمل النصيحة، لأن واشنطن لم يعد لها عملياً تأثير يُذكر على تلك الفصائل بعد أن تخلت عن دعمها وبعد تسليمها الجبهة الجنوبية للأسد. النصيحة هنا عدم تورط الفصائل في معركة يكون فيها الجيش الأمريكي طرفاً، لأنها ستكون مكلفة جداً للمهاجمين حتى مع وجود تغطية تركية، ولا حاجة للتذكير بالأرجحية التقنية التي تملكها القوات الأمريكية في المنطقة.

باستثناء هيبة أمريكا وقوتها التي لا تُنكر فإن القوات الأمريكية شرق الفرات في أضعف موقع؛ هي ليست موضع ترحيب من سكان المناطق ذات الأغلبية العربية، والملاحظ أنها لم تستخدم نفوذها على المليشيات الكردية الحليفة لتشذيب سلوك الأخيرة إزاء السكان العرب. بالتأكيد الوجود الأمريكي غير مرحّب به روسياً، لرغبة موسكو في الاستفراد بالهيمنة على سوريا، وغير مرحب به إيرانياً لأنه يشرف على طريق طهران-الضاحية الجنوبية. ما يفاقم الوضع تعقيداً أن الحماية الأمريكية لا تحظى حتى بثقة المليشيات الكردية، ولا تستبعد الأخيرة أن تضحي بها واشنطن في أية صفقة قادمة، وضمن هذا السياق لم تجد المليشيات حرجاً في أن تستنجد بقوات الأسد. مجمل هذه العوامل قد تدفع واشنطن إلى تسوية ما مع أنقرة، تمنع من خلالها الهجوم التركي لقاء تفعيل تفاهمات لم تلتزم بها سابقاً مثل التفاهم حول مدينة منبج.

إذا حدث الهجوم التركي فعلاً، بوجود معارضة أمريكية له، فسنكون أمام مفاجأة إما أنها بمثابة حماقة من الطرف المهاجم، أو أنها تعكس تفاهماً روسياً-تركياً بمرتبة تتفوق على التحالفات التقليدية. من المتوقع في هذه الحالة وقوع خسائر باهظة في الأرواح، لن يكون من ضمنها الجنود الأمريكيون أو الأتراك الذين يعملون في الخلف، وإنما عناصر الميليشيات الكردية وعناصر الميليشيات العربية الموالية لأنقرة، وقد تكشف المعارك اختراقات مدبَّرة مسبقاً على الأرض. إلا أن الأهم يبقى هو الانقلاب “أو محاولة الانقلاب” على توازن القوى الحالي، لمصلحة ما يمثّله التحالف الثلاثي بين أنقرة وموسكو وطهران.

ليست هناك لحظة أفضل من المأزق الذي يعيشه ترامب حالياً مع مجلس الشيوخ والكونغرس للضغط عليه، وإذا كان النواب الاميركيون يريدون انسحاباً من حرب اليمن فلن يكونوا متشجعين لمعركة في سوريا. قراءة الوضع الأمريكي الداخلي قد تحفز طموحاً روسياً استراتيجياً جديداً، وقد تحفز طموحاً تركياً منسجماً معه، لكنه أقصر من حيث المدى ولا يُستبعد أن يصب لاحقاً في مصلحة الأول. فهل يجرؤ أردوغان على فعلها؟ أم يتخلى ترامب عن طبيعته ويوجد له مخرجاً لائقاً؟



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع