أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » علويو الساحل: لا “تفييش” من العسكرية بعد اليوم!

علويو الساحل: لا “تفييش” من العسكرية بعد اليوم!

تفسيرات “القضاء العسكري” لمرسوم العفو الرئاسي عن مطلوبي خدمة الاحتياط العسكرية، كانت شديدة التأثير على العلويين في الساحل، فزادت من حالة الفراغ في شوارع اللاذقية وأحيائها.

فعلياً، هي حملة النظام الأعنف على الساحل، للتجنيد، رغم تراجع حدة الحرب. فزاد عدد المطلوبين للاحتياط في اللاذقية، عما كان عليه الأمر قبل مرسوم العفو. مصدر في “شعبة التجنيد” في اللاذقية، أشار لـ”المدن”، بتعميم 40 ألف اسم مطلوب للاحتياط في اللاذقية وريفها. الفراغ عاد للمدينة من جديد، مع انتشار الدوريات العسكرية لاعتقال المطلوبين الـ40 ألفاً.

الانعكاس الاجتماعي للعفو كان واضحاً في بداية الأمر، فعادت الحياة للمدينة إلى حدٍ مقبول. تفسيرات العفو ولدت حالة تمرد ضمنية بين العلويين مردها بطء النظام في تسريح بعض الفرق التي شارك أفرادها في الحرب لأكثر من خمس سنوات، وعدم تخصيص النظام لأي حالة قانونية عسكرية لمنطقة الساحل التي كابدت كثيراً. ريف الساحل، ذو الأغلبية العلوية الساحقة، يُعاني من ازدياد حجم وفيات أبنائه في الحرب، والعدد الأكبر من الشباب يتوارى خوفاً من السوق للجندية. تصاعد لدى العلويين في الأرياف تمردٌ تجاه علويي مدينة اللاذقية قاطني أحيائها الغنية. كما تصاعد تمردهم على “مؤسسة” الجيش أيضاً. يشعر العلويون الفقراء الريفيون، بتخصصهم بالقتال والجندية، على حساب هروب أبناء الضباط والأغنياء من العلويين من الخدمة عن طريق عمليات فساد مميزة، يُطلق فيها رأس المال والعلاقات بُعداً طبقياً وتمييزياً بين العلويين أنفسهم.

العلويون سكان ضواحي المدن وأريافها تنكروا لانتمائهم الى علويي المدينة، ودَرجت في المدينة حالة من التفاخر بذكر أسماء القرى في التعريف عن الذات، لتوكيد الدور الذي لعبه الريف في “حماية الوطن” على حد وصفهم، بالمقارنة مع الأحياء ذات الأغلبية العلوية التي بقي أبناؤها في بيوتهم. وكثرت الصراعات العنفية في الشارع بين العلويين، بين السكان، أو حتى في منصات التواصل الاجتماعي.

الطابع المطلبي جعل النظام يقدم تعويضاً عاماً؛ بدلاً عن رحمة العلويين الفقراء من الجيش وازاحة المتضررين من “أسر الشهداء” من واجهة الحرب، جعل النظام الجميع تحت سطوة قانون الجندية. ولتحقيق ذلك، أجرى النظام مبادلات بين رؤساء الفروع الأمنية، وجدد إداراتها، جلب قادة لها من محافظات أخرى، وألزم رؤساء الفروع بتقديم تقارير أمنية بالمتخلفين من العلويين وغيرهم عن الجندية، وضبط عملية “التفييش” (تسهيل عمليات الهروب من الخدمة).

وانتشرت في اللاذقية عمليات اعتقال واسعة لضباط جيش رفيعي المستوى، سابقين وعلى رأس عملهم، ومن رُتب عالية، تحت اشراف قادة أمنيين. ولم يخضع الضباط للتحقيق في اللاذقية فقط، بل نقلوا إلى مكتب شؤون الضباط التابع لـ”شعبة الأمن العسكري” في العاصمة دمشق. وتم التركيز على الضباط الذين يتخفى أولادهم، وعلى ضباط شاركوا بعمليات الفساد ضمن شبكة علاقات عالية المستوى تتيح تهريب و”تفييش” الجنود مقابل مبالغ مالية أو دونها.

مصدر “المدن” في شعبة تجنيد اللاذقية، قال: “المتأخرون عن الالتحاق، ممن لم يُثبت خروجهم من البلاد، سيخضعون لعمليات بحث نموذجية، كاقتحام البيوت والبحث بشكل سري عنهم والقبض عليهم عنوة”.

ورافق هذا تعيين قادة أمنيين جدد في دمشق، في محاولة لاستئصال الفساد المسؤول عن “تفييش” الجنود. وخلت مدن الساحل عموماً من السيارات الفخمة العائدة لأولاد الضباط، خلال الأسبوعين الماضيين، ونشر النظام في بداية الحملة التي قصد فيها مناطق العلويين الثرية، عناصر من الشرطة العسكرية الروسية. إلا أن مصادر لـ”المدن” في “حزب البعث” و”مجلس الشعب”، أكدت سحب تلك القوات الروسية خوفاً من مواجهة مع الشبيحة أو آل الأسد. وعاد وجود الروس في اللاذقية وطرطوس، خفياً بشكله الظاهري. ويحاول العلويون الأغنياء التواصل مع ضباط ارتباط سوريين وروس، لإرسال أبنائهم إلى “الفرقة الخامسة”، إلا أن الروس باتوا يرفضون ذلك.

ضابط رفيع قال لـ”المدن”، إن الاعتقالات والتحقيقات شملت ضباطاً برتبة لواء، ممن نقلوا إلى دمشق، ووضعوا تحت جداول دورية للتحقيق، طويلة ومُذلة، في مكتب شؤون الضباط. لواء علوي في قوات النظام، هرّب ابنه، عبر دفع مليوني ليرة لضابط في دمشق، فتعرض لـ23 جلسة تحقيق، خلال شهر واحد، من دون توقيف في الفرع. إبنه تعرض للتعذيب في اللاذقية، أثناء اعتقاله، وكذلك في دمشق حيث نقلوه إليها. اعتقال الابن جاء من قبل دورية عسكرية، كانت تحقق بتهرّبه من الخدمة منذ عامين، واقتادته فوراً إلى دمشق. الضابط الأب، حاول التواصل مع وسطاء أمنيين في اللاذقية، إلا أنه فشل.

مصادر “المدن” تقول إن أكثر من 400 ضابط سابق من الساحل، وصلوا إلى دمشق، في تشرين الثاني/نوفمبر، للتحقيق بـ”تفييش” أبنائهم. وأُجبر الضباط على تسليم أبنائهم، لفرقهم العسكرية التابعين لها، باستثناء وساطات عالية المستوى تدخل فيها آل مخلوف تحديداً.

مصدر في “اللجنة الأمنية لحزب البعث” قال لـ”المدن”، إن فريقاً أمنياً شُكّل مؤخراً، وبات يجتمع أسبوعياً، ووضع جدولاً للمهمات، وأولها إعادة المتخلفين الهاربين من الجندية بواسطة أو بتقارير صحية مزورة، أو عن طريق علاقات مشبوهة مع ضباط الفرق المسؤولة.

ملاحقة الضباط “الفاسدين” المشاركين بـ”تفييش” الشباب، أتبعت بإلغاء أكثر من 24 ألف وثيقة أمنية “بطاقة مهمة”، ممنوحة من جهات وشخصيات أمنية، بحوزة مدنيين. وسحبت بطاقات الشُعب الأمنية، نهائياً من المدنيين غير العاملين في “الشعب الأمنية”. ولا يخضع هذا القرار لأي مراجعة. هذه البطاقات أتاحت لمدنيين عدم تفتيش سياراتهم، أو مراجعة أسمائهم على سجلات الجندية المطلوبة على الحواجز.

مدينة اللاذقية اليوم شبه فارغة. ورغم امتعاض العلويين من عدم تخصيصهم بأي مكافأة من النظام لقاء “تضحياتهم” في الحرب، إلا أن اعتقال كبار الضباط العلويين الفاسدين أشاع نوعاً من الارتياح في الشارع، نتيجة الشعور بالمساواة أمام توحش النظام تجاه المطلوبين للخدمة العسكرية. النظام بدوره، رفع من عدد المطلوبين للخدمة.