أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » سمير البكفاني: نلسون مانديلا: الذكرى المئوية لميلاد مناضل من أجل الحرية 1918-2018

سمير البكفاني: نلسون مانديلا: الذكرى المئوية لميلاد مناضل من أجل الحرية 1918-2018

نلسون مانديلا:
الذكرى المئوية لميلاد مناضل من أجل الحرية 1918- 2018
سمير البكفاني
ما أحوجنا اليوم، ونحن نعيش أياماً عصيبة يمر بها وطننا، وشعبنا، أن نبحث ونأخذ الدروس من تجارب الشعوب التي عانت أوطانها من مِحَن، كما نعاني. ونستذكر سِيَّر العظماء الذين لا يجود بهم الزمان إلا نادراً، والذين قادوا شعوبهم، إلى الحرية وتحقيق العدالة والمساواة. ومن أبرز هؤلاء، كان نلسون مانديلا، الذي رهَن حياته في سبيل قضية عادلة، قضية شعب يعاني أفظع أشكال التمييز، والعبودية، والفصل العنصري.
يقول مانديلا: ” لا أستطيع أن أحدد بدقة اللحظة التي تحولت فيها إلى السياسة وأيقنت بأنني سأكرس بقية حياتي للنضال من أجل التحرير. فأن يكون المرء أفريقياً في جنوب أفريقيا يعني أنه يُولد مُسيّساً سواء أقر بذلك أم لم يقر، فالأفريقي يولد في مستشفى خاص بالأفريقيين فقط، ويسكن في حي للأفريقيين فقط، ويتلقى التعليم – إن تلقاه – في مدارس للأفريقيين فقط”.
بدأ مانديلا مبكراً، يتخذ مواقف يراها مبدئية، وهو لم ينخرط بعد في العمل السياسي، عندما استقال من عضوية اللجنة الطلابية في جامعة “فورت هير” لأنها لم تُنتخب من أكثرية الطلاب، وهو على أعتاب نهاية المرحلة الجامعية، عندما رفض مدير الجامعة استقالته، وخيَّرهُ بين الاستمرار في عضوية اللجنة، أو مغادرة الجامعة! فاختار الثانية. وكان لهذا الحدث بالغ الأثر في تغيير مجرى حياته.
بعد انتقاله إلى جوهانسبيرغ، تلك الحاضرة الكبيرة، التي تعج بالحياة، وتبرز فيها كل المتناقضات، والمآسي والظلم الذي يقع على أبناء شعبه من السود والملونين، وأحياء الصفيح التي يُحشرون فيها، والمفتقرة لأدنى الخدمات. إضافةً للفقر والبطالة، وأطفال مشردين في الشوارع، وليس هناك من مدارس تأويهم. أعطته تلك المدينة مساحةً أكبر للاطلاع والمعرفة، فكان يتردد على تجمعات ويتحرك في عوالم تحتل فيها البداهة والتجربة العملية مكانة أهم من المؤهلات الأكاديمية -حسب قوله – وتعرف على ولترسيسولو الذي ساعده في إيجاد عمل كمتدرب في مكتب للمحاماة (والذي سيصبح من أبرز رفاق نضاله وأكثرهم قرباً إليه)، وتعرف على عدد من الأصدقاء من زملاء العمل، الذين أسدوا إليه كثير من النصائح ، وتعرف من خلالهم على ما كان يدور من حراك سياسي، ورافقهم لحضور المناقشات، والمحاضرات التي كان ينظمها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي، وفي تلك الفترة شارك في أول تظاهرة ضد رفع أسعار تذاكر الحافلات، حيث قال: مثل هذه التظاهرات، تُحيي النفوس وتُلهب المشاعر وتُلهم العقول. وبعد مشاركته في العديد من الفعاليات يقول مانديلا: لقد بدأت أعي تدريجياً تاريخ الظلم والاضطهاد العنصري في وطني، وصرت أرى الكفاح القائم في جنوب أفريقيا على أنه كفاح عرقي محض، لا كما يراه الحزب الشيوعي، من خلال عدسة الصراع الطبقي. فالقضية من وجهة نظر الشيوعيين قضية صراع بين الفقراء والأغنياء. وعلى الرغم مما كان ذلك يُثير اهتمامي، لكنني كنت أرى ربما كان ذلك يتوافق مع وضع بلدان مثل ألمانيا أو إنكلترا أو روسيا، لكنه لم يبدُ مناسباً في البلد الذي أعرفه جيداً. رغم ذلك كنت أنصت وأستمع وأتعلم.
بعد تردده بدخول العمل السياسي، لشعوره بأنه ما زال غير مؤهل لدخول هذا المعترك، وجد نفسه منخرطاً في تأسيس رابطة الشباب التابعة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وأنتخب عضواً في لجنتها التنفيذية وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وكان من أهم أسباب اقتراح إنشاء تلك الرابطة، إشعال جذوة قيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وتجديد مساره، ورفده بالدماء الجديدة. بعد ذلك، بدأ يتدرج في السلم الحزبي، من مشاغب في الصفوف الخلفية – كما يقول- إلى عضو في أحد مراكز القوة، حيث تم اختياره عضواً في اللجنة التنفيذية العامة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ونائباً أول لرئيس الحزب وهو لم يُكمل الثانية والثلاثين من العمر، وقد تم تكليفه بقيادة أول عصيان مدني ينظمه الحزب منذ تأسيسه عام 1912 أو ما عُرف بـ “حملة التحدي”. التي حققت نجاحاً هاماً، ومشاركة شعبية عالية، ارتفعت على أثرها عضوية حزب المؤتمر من عشرين إلى مئة ألف عضو.
بعد صدور قانون مكافحة الشيوعية، الذي حُظر بموجبه نشاط الحزب الشيوعي. رأى مانديلا، أن الحظر آتٍ لا محالة ليطال نشاط حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، واقترح، أنه علينا كحزب أن نعد خطة تمكننا من العمل بشكل سري، وإلا نكون كقادة تخلينا عن مسؤولياتنا اتجاه شعبنا. وتمت الموافقة على إقتراحة من قيادة الحزب، وتم تكليفه بإعداد الخطة التي عرفت بـ “خطة مانديلا” أو “The M Plan .
كان مانديلا مناضلاً عنيداً في مناهضته للنظام الذي عزل قومه واستعبدهم. براغماتياً، يرى أن هناك بعداً شاسعاً بين الواقع الذي تنهل وتتعلم منه حركة التحرير من خلال التجربة، وبين الأيديولوجيا التي تُكبلك داخل قوالبها. كان من أنصار الاتجاه الثوري في الحركة القومية الأفريقية، مع التفريق بين نظريتين في تلك الحركة، أولاهما: “أفريقيا للأفريقيين” وتنسب إلى ماركوس غارفي-وهي الأكثر تطرفاً- والثانية: هي “الأفريقية” التي تبنتها رابطة الشباب وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وتعترف “بجنوب أفريقيا مجتمعاً متعدد الأجناس”.
لم تأتِ شهرة مانديلا من طول فترة سجنه فقط، التي امتدت سبعة وعشرين عاماً، على أهميتها، والتي جاءت تتويجاً لنضالاته على مدى عشرين عاماً- قبل دخوله السجن- في صفوف حركة التحرير الوطني، رأينا فيه المحامي الملتزم بالدفاع عن أبناء شعبه الذين يطالهم الظلم والحرمان، ومرافعاً أمام المحاكم عن نفسه ورفاقه، وقد حالت مرافعته الأخيرة -قبل دخوله السجن، والتي استمرت أربع ساعات – حالت دون إصدار حكم الإعدام عليهم، واستبدل بالسجن المؤبد. وبذلك جنب نفسه ورفاقه قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي حكم الإعدام، ليأخذ نضالهم شكلاً جديداً من داخل السجن، ومن خارجه.
كان للأزمة التي بدأت تعصف بالحزب الحاكم، والتغيُّرات التي بدأت تحدث بداخله، نتيجة تصاعد العنف السياسي، والعنف المضاد، واشتداد الضغوط الدولية على نظام الفصل العنصري ” الأبارتايد”، أن بدأ يبعث بإشارات معينة لمانديلا، من خلال مسؤولين كبار في الدولة، فكان أن التقط تلك الإشارات، بفضل سعة تفكيره، وبعد نظره الذي كان دائماً يستبق غيره في قراءة الأحداث. ومن مسؤوليته كزعيم وطني، يرى، أن ذلك الانسداد الحاصل في البلاد، لا يجلب إلا مزيداً من العنف، وإزهاق آلاف الأرواح البريئة. فبادر إلى فتح حوار سري مع الحكومة من داخل سجنه، استمر حوالي ست سنوات، تُوِّج بخروجه إلى الحرية، وباتفاق تاريخي أنهى نظام الفصل العنصري، واعترف بموجبه بجنوب أفريقيا دولة ديمقراطية لكل من يعيش على أرضها من سود وبيض ومن مختلف الأعراق والأجناس.
وختاماً، علينا أن نأخذ العِبَر من تجربة معاصرة، خلاصتها، حزب وطني قاد نضال شعبه، كان أشبه بوعاءٍ جامع، لكل القوى الراغبة في النضال من أجل الحرية، أن تنضوي تحت مظلته التي تتسع للجميع. حزب “أيديولوجيته” بسيطة، عنوانها: القضاء على العبودية، ونيل الحرية. بقيادة مناضلين مخلصين، وعلى رأسهم مناضل تحول لأسطورة، نلسون مانديلا الأنسان. وأخيراً، أن ما حصل في بلادنا، كان درساً قاسياً، فهل نستفيد منه؟ ونُجمِع على “أيديولوجية” بسيطة أيضاً عنوانها: سورية دولة ديمقراطية لجميع السوريين بمختلف عقائدهم، ومعتقداتهم، القومية والدينية.

المصدر: بقلم: سمير البكفاني



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع