أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » علي العبدالله : ما وراء الانسحاب الأميركي من سورية

علي العبدالله : ما وراء الانسحاب الأميركي من سورية

المفاجأة، الصدمة، القلق، خلط الأوراق، كسر الجمود، قلب الطاولة، ملء الفراغ، مفرداتٌ طغت على تعليقات المعلقين والمحللين السياسيين على قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوات الأميركية من سورية، رافقها ميل واضح إلى الحديث عن الانعكاسات المباشرة على القوى المنخرطة في الصراع على سورية والأدوار والمواقف المنتظرة منها، وتقديرات بشأن الرابحين والخاسرين نتيجة القرار، من دون كبير اهتمام بالخلفيات التي دفعت الرئيس الأميركي إلى اتخاذ القرار، على الرغم من معارضة أركان إدارته: وزارة الدفاع (البنتاغون) وكبار الجنرالات ومسؤولي الملف السوري في وزارة الخارجية، وتأثير هذه الخلفيات على مستقبل القرار ومصيره.

ربطت تعليقات سياسية بين القرار ووعود ترامب الانتخابية، ناسية أن الوعود الانتخابية غدت غير ذات شأن، بعد مرور سنتين على فوزه وتسلمه مقاليد السلطة، من دون أن يذكّره أحد بها، أو يلومه على إهمالها ويطالبه بتنفيذها؛ ما جعل الربط بينها وبين القرار نمطيا وغير مناسب لتفسير اتخاذ القرار. زعم صحيفة يسرائيل هيوم، في تقرير، يوم 21/12/2018، أنّ تفاهما أميركيا إسرائيليا عربيا مع روسيا سبق الإعلان الأميركي، تمحور حول تعهد روسيا بكبح جماح إيران وحزب الله اللبناني في سورية، والسماح بعودة حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية ضد أهداف لحزب الله وإيران، وضد نقل أسلحة كاسرة للتوازن، كذّبه تعليق المؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيليتين اللتين رأتا “أن القرار يعني أن الرئيس دونالد ترامب قد ألقى بإسرائيل تحت عجلات القطار الروسي”. وقول معلق الشؤون الاستخبارية، رونين بريغمان، في تعليق بثته القناة الإسرائيلية العاشرة في اليوم نفسه، “لا يمكن تصور حجم الغضب والإحباط الذي يعصف حاليا بكبار قادة الجيش والاستخبارات الإسرائيلية في أعقاب القرار الأميركي، وتحذيرهم من انعكاساته: القرار يمكن أن يفضي إلى “تبديد الإنجازات” التي حققتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة، عبر تدخلها العسكري المباشر لإحباط نقل السلاح إلى حزب الله وإعاقة سعي إيران إلى التمركز عسكريا في سورية”. وقول معلق الشؤون العسكرية في صحيفة يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي، “القرار يهدّد البيئة الإستراتيجية لإسرائيل.. وتفكيك القاعدة العسكرية الأميركية في منطقة التنف، قاعدة للوحدات الخاصة الأميركية،
بالقرب من مثلث الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية، سيمثل ضربة قوية لإسرائيل، على اعتبار أن القاعدة تلعب دورا مهما في منع إيران من نقل السلاح والعتاد إلى سورية عبر البر، إلى جانب إسهامها في منع الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله من التمركز في جنوب سورية ومنطقة الجولان”.

ثلاثة عوامل وقفت وراء قرار الانسحاب: أولها: التصعيد التركي ضد تبنّي الولايات المتحدة لقوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تشكل “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) عمودها الفقري، والدعم العسكري الكبير (أوردت تركيا مرات عديدة عدد الشاحنات التي نقلت العتاد، أكثر من خمسة آلاف شاحنة، وأنواعه واحتواءه على أسلحة ثقيلة تشكل خطرا على الأمن القومي التركي)، والبرامج المعدّة لزيادة عددها وتطوير قدراتها وكفاءتها (تدريب بين 30 ألفا و40 ألف عنصر حرس حدود) وتمويلها وحمايتها، بتجاهل تام للتحفظ التركي واعتباراته، التحفظ على الخلفية القومية للقوات والمشروع السياسي الذي تسعى إلى تنفيذه وانعكاسه على القضية الكردية في تركيا، وإعلان الرئيس التركي، أردوغان، نيته شن عملية عسكرية شرقي الفرات ومنبج، للقضاء على هذا “الخطر”؛ وبدء تدفق قوات تركية على الحدود في مواجهة المدن السورية التي تسيطر عليها “قسد”. وقد وجدت الإدارة الأميركية نفسها ممزقةً بين حليفين، دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقوات لعبت دورا وازنا في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية. وقد زاد الطين بلة رفض “قسد” الحل الوسط الذي اقترحته لتليين المواقف القاضي بابتعادها عن الحدود ونشر قوات كردية (بشمركة روجافا) وأخرى عربية في مواقعها.

حاولت الإدارة الأميركية تنفيس الاحتقان التركي، واحتواء الانفجار المتوقع عن طريق العمل على صياغة الوضع شرقي الفرات، بإعادة صياغة “الإدارة الذاتية” التي شكلها حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) بتوسيع مشاركة بقية المكونات في الإدارة واتخاذ القرار؛ والتصويب على التغيير السكاني الذي نفذته “الوحدات” في بلدات وقرى عربية وآشورية سريانية، وترتيب شرقي الفرات بمطابقة تركيبة المجالس المحلية مع مجتمعاتها؛ وتحقيق توازنٍ في قوات “قسد” بإشراك مزيد من العرب والتركمان، وإسناد مواقع قيادية لهم، بحيث تكون مشاركتهم في اتخاذ القرارات حقيقية وملموسة.

ثانيها: تواضع مساهمات الحلفاء، أعضاء التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، العسكرية والمالية، مشاركة عسكرية صغيرة؛ مئات من القوات الخاصة البريطانية والفرنسية والإيطالية والنرويجية، ومساهمة مالية سعودية وإماراتية يتيمة، مائة مليون دولار، علما أن الرئيس الأميركي سبق أن ربط بقاء القوات الأميركية في سورية بالمساهمة في تغطية تمويلها، في موقف ينسجم مع تركيبته تاجر عقارات ومستثمرا يقيس الأمور بميزان الربح والخسارة، وتجاهلهم (الحلفاء) رغبته برفع مستوى مشاركتهم الميدانية ومساهمتهم المالية.

ثالثها: تبرّم الرئيس الأميركي وضجره من العمل المؤسسي المنضبط، واستياؤه من ضغط المؤسسات الأميركية عليه، كي يلتزم بمعاييرها وتقديراتها وتصوراتها وخططها.

وهناك عوامل داخلية، تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر، وتوسعه في التحقيق مع أركان الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي وأسرته، وصولا إلى شخصه؛ مع توقع صدور تقرير مولر النهائي في الشهرين المقبلين، الاشتباك مع الكونغرس على خلفية رفضه تقديم خمسة مليارات دولار، لتمويل مشروع الجدار على الحدود مع المكسيك، وافق على تقديم مليار ونصف المليار، الخلاف مع وزارة الدفاع (البنتاغون) لاعتراضه على إرسال الجيش إلى الحدود مع المكسيك، لرد المهاجرين، تعثر التعيينات الجديدة في معظم المناصب الشاغرة، تواصل هبوط البورصة السريع والمتوالي، وسط توقعاتٍ باقتراب دخول الاقتصاد في دورةٍ من الركود، تفاقم الخلافات بشأن السياسة الخارجية، سيما بين البيت الأبيض والكونغرس، وخصوصا الجمهوريين فيه. وهي مرشحة لمزيد من التعقيد، في ضوء عزم الرئيس سحب نصف القوات الأميركية من أفغانستان، استياء الرئيس الشديد من تعليق “البنتاغون” على قول الرئيس التركي عن فحوى مكالمته الهاتفية معه “إنه وجد تفهما للعملية العسكرية في شرق الفرات”.. لعبت هذه العوامل دورا حاسما في الصيغة الحاسمة والسريعة للقرار (انسحاب كامل وفوري في مدة لا تتجاوز مائة يوم).

فاجأت ردود الفعل المحلية والخارجية على قرار الانسحاب البيت الأبيض، بقدر مفاجأته لهذه القوى والدول بقرار الانسحاب، ربما أكثر، حيث عزف “البنتاغون” عن التعليق، وصمتت وزارة الخارجية، وألغت مؤتمرها الصحافي اليومي قبل ساعتين من موعده، لتحاشي أسئلة محرجة حول القرار. وطلب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السناتور بوب كروكر، موعدا مع الرئيس، للاطلاع منه على الأسباب التي حملته على اتخاذ قراره، ثم قرّر البيت الأبيض إلغاء اللقاء في آخر لحظة؛ الأمر الذي فاقم الاعتراض في الكونغرس، وعزّز الشكوك بشأن الدواعي، وانتقاد أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب القرار، ومطالبتهم بإجراء جلسات استماع لمناقشة حيثياته، وظروف اتخاذه، وانتقادات خبراء ووسائل إعلام أميركية كثيرة للقرار، وإبراز سلبياته على الإستراتيجية الأميركية، والدور الأميركي عامة، وفي الحل في سورية خصوصا. وكانت ذروة الاعتراضات استقالة وزير الدفاع، جيمس ماتيس، انطوت رسالة الاستقالة على نقدٍ قاس لسياسة ترامب، والمبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي، بريت ماكغورك. هذا بالإضافة إلى انتقادات أوروبية وإسرائيلية.

أثار قرار الانسحاب نقاشاتٍ بشأن انعكاساته على المشهدين، السوري والإقليمي، من رفع الغطاء السياسي، والحماية العسكرية عن “قسد”، وفتح طريق للعملية التركية، إلى إطلاق سباق على ملء الفراغ، ما يضع تركيا في مواجهة حتمية مع روسيا وإيران على خلفية تناقض المصالح والرؤى، ما دفعها إلى السعي مع الولايات المتحدة من أجل انسحاب تدريجي، قال الرئيس الأميركي إنه اتفق مع الرئيس التركي على انسحاب بطيء ومنسق بدقة، وهذا سيزيد حدة التناقض مع روسيا وإيران. روسيا تنتظر تنفيذ القرار، لأنها لا تثق بالنوايا الأميركية، كي تدفع شركاءها جانبا وتستأثر بالغنيمة، إيران مرتاحة للقرار الذي ضحّى بموقع ودور حسّاسيْن، من أجل توفير بعض المال، ما يمنحها الأمل بانسحابٍ من المنطقة، والتخلي عن خطة محاصرتها. تراهن بعض القوى على الضغوط الداخلية والأوروبية والخليجية، خصوصا إذا تقدمت بعروض لرفع مشاركتها الميدانية والمالية، والإسرائيلية؛ لدفع الرئيس الأميركي إلى التراجع عن القرار، المؤكد أن تنفيذه سيفتح باب الصراع على شرقي الفرات من أجل التحكّم بمصير سورية كاملة.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع