أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » عرض وتلخيص لرواية الكاتب العظيم انطونيو تابوشي : بيريرا يدّعي / يكتبها الدكتور سلام الكواكبي

عرض وتلخيص لرواية الكاتب العظيم انطونيو تابوشي : بيريرا يدّعي / يكتبها الدكتور سلام الكواكبي

“بيريرا يدّعي”

في ظل حكم الديكتاتور أنطونيو سالازار (1889 ـ 1970) للبرتغال، كان هناك، سنة 1938، صحافي عادي، يعمل في جريدة محافظة أقرب إلى التطرّف. كان بيريرا مكلفاً بصفحة الأحداث المتنوعة طوال سنوات، حتى جاء اليوم الذي أراد رئيس التحرير الاستفادة من ثقافته الأدبية، وعيّنه مسؤولاً عن الصفحة الثقافية. وفي ظل حكم استبدادي يستند إلى حلفائه، في إسبانيا الجنرال فرانكو، وفي إيطاليا موسوليني، وفي ألمانيا هتلر، كانت الثقافة حقلاً ملغوماً لمن يقترب منه. ثقافة الخوف السائدة حينذاك دفعت الصحافي إلى الغوص والتبحّر في تراث الأدب وتاريخ الكتاب القدماء، مثل بلزاك وموباسان، من دون التطرّق إلى الجديد أو تسليط الضوء، ولو مواربة، على النصوص الحديثة التحررية المنتشرة أوروبياً حينها، والتي اتسمت غالبيتها بالتوجهات اليسارية.
كان امتداد رضى بيريرا بواقعه طويلاً، وغرق في ترجماتٍ لنصوص كلاسيكية لكتاب فرنسيين، حيث كان إعجابه بهم كبيراً. وكان يعيش وحيداً في شقة في وسط العاصمة لشبونة، ممارساً طقوسه بتواتر ممل. غادرت زوجته الحياة الدنيا، لكنه حافظ على تواصله اليومي معها، عبر صورتها التي وضعها إلى جانب باب المنزل. يشاركها وحدته، ويحادثها دوماً، ويسرد عليها أحداث يومه الرتيب، ويأخذ رأيها ببعض الأمور العادية. كانت حركته محدودة بين بيته ومكتب الجريدة والمطعم/ المقهى على ناصية الشارع، حيث اعتاد أن يحافظ على سمنته، بأكل الدسم من الطعام، وشرب المثلّج من عصير الليمون.
في صيف 1938، قرر بيريرا أن يستعين بصحافي شاب متدرب، لمساعدته في تحضير المقالات. وكان أداء هذا الشاب ضعيفاً، لكن طيبة بيريرا كانت تدفعه إلى إعادة صياغة ما يزوده به الشاب، ونشره، فيما بعد، في صفحته “الثقافية” المتواضعة. إضافة إلى الصياغة اللغوية الركيكة، كان الشاب يزوده بمقالاتٍ عن شخوص مزعجة للديكتاتورية، مثل لوركا ومايكوفسكي. وبالتالي، كان بيريرا يركنها جانباً لعدم إمكانية نشرها، من دون أن يغضب من الصحافي المتدرب.
“كم من بيريرا عربي ما زال غارقاً في أديم العسكر والمستبدين، خائفاً من الموقف، مُسبّحاً بحمد من أنعم عليه بوظيفةٍ، أو بمنصب، أو حتى بمن تركه لشأنه الحياتي المحدود؟”

في وقت كان فرانكو يسحق الجمهوريين في إسبانيا المجاورة، وموسوليني يُعزّز فاشيته الحاكمة، كان سالازار يمارس ديكتاتوريته، مستنداً إلى داعميه الإقليميين، وإلى أيديولوجية دينية متطرّفة.
الصحافي العتيق والبدين، المتشبث بالماضي السردي أو الفكري، التقليدي في كتاباته، الخائف من تجاوزاته، الخاضع للسائد من التسلطية الدينية والسياسية والأمنية، والرافض للاهتمام بسياسات بلده، يجد نفسه مدفوعاً إلى صداقة الصحافي الشاب المتدرب. ولم يطل الأمر، حتى التحقت بهما صديقة الشاب، وهي مناضلة يسارية إسبانية. فوجد بيريرا نفسه منخرطاً، من دون إرادة تذكر، في صميم الصراع السياسي، القائم حينها بين قوى اليمين المتطرف، تحت عباءة الكنيسة الكاثوليكية المتزمتة، وقوى التحرر اليسارية التي كانت معركة إسبانيا محور نضالاتها في تلكم المرحلة.
يجد نفسه مع الشاب والصبية، متحفّزاً لمقاربة المستقبل. ويبدأ عمله النضالي بنشر “حكايا يوم الإثنين”، للكاتب الفرنسي ألفونسو دوديه، والذي كتبه بعد هزيمة 1870 أمام الألمان مع جرعة عداء شديد لهم. ويختم ما نشره بعبارة “تحيا فرنسا”، بما تمثّله حينها من منظومة ديمقراطية أقرب إلى اليسارية مع الجبهة الشعبية الحاكمة. وقد أثار نشر هذه الحكايا المعادية للهيمنة الألمانية التي تطورت نازياً فيما بعد غضب وتهديدات رئيس تحرير بيريرا القريب من السلطة السالازارية، القريبة بدورها سياسياً وأيديولوجياً من الفاشيات الأوروبية حينها.
يصبح الصحافي التقليدي البدين عرضة للمراقبة من الأجهزة الأمنية، وللانتقاد الشديد من مُشغّله الذي كان يجده غير “وطني” بما يكفي.
وفي أحد الأيام، يدخل ثلاثة من عملاء الأمن شقته، ليقتلوا الصحافي الشاب الملاحق. هذا الاغتيال السياسي سيوقظ بيريرا، ويدفعه إلى كتابة مقالة، يُدين فيها بوضوح هذه الجريمة. ويتمكّن، بمساعدة أحد العاملين في الجريدة، من نشره من دون المرور على رئيس التحرير، وبعد عودة المواد من الرقابة.
ينتهي كتاب الإيطالي أنطونيو تابوشي (بيريرا يدّعي)، والصادر سنة 1994، من دون أن نعرف مصير المثقف التقليدي الذي أيقظه حماس الشباب، ليخرج من قوقعته المُملّة، ومن صمته المُتعرّق، ومن ابتعاده عن الواقع المرير الذي تعيشه بلده. ولكن العنوان يمكن أن يوحي بأن ما يُروى سرد لحوار مع المحقق. أي أنه جرى توقيفه، بعد ما جرى، وصار “يدّعي” أمام العسس.
كما يقول تابوشي، في حديثه عن كتابه، إن لقاء شخص، أو قراءة كتاب، يمكن له أن يغير حياة الانسان. إضافة إلى أن الكتاب قد صدر قبل شهرين من صعود نجم رجل الفساد الإيطالي، سلفيو برلسكوني، إلى الحكم، وحيث إن المظاهرات التي خرجت احتجاجاً حينها رفعت لافتات مكتوب عليها “بيريرا يدّعي”، وكانت دعوة صريحة إلى صحوة ضمير من هادن.
كم من بيريرا عربي ما زال غارقاً في أديم العسكر والمستبدين، خائفاً من الموقف، مُسبّحاً بحمد من أنعم عليه بوظيفةٍ، أو بمنصب، أو حتى بمن تركه لشأنه الحياتي المحدود؟ كم من كاتب وصحافي عربي يتعرّق، ليس بدانةً، بل خشيةً من رجل الأمن؟ كم من رجل ثقافة عربي جمّد إبداعه، واكتفى خانعاً بالغوص في تراثيات لا إسقاطات لها؟ متى يستيقظ “البيريرا” العربي؟