أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي فوزي مهنا: من بيروت إلى باريس بنو معروف العباءة ومواقف الكرامة

المحامي فوزي مهنا: من بيروت إلى باريس بنو معروف العباءة ومواقف الكرامة

ما أن تُذكر الكرامة بحضور أحد أبناء بني معروف، حتى تدّب النخوة والحماس في عروقه، مُرعداً مُزبداً، مكرراً قسم الأجداد بواجب المحافظة عليها، فالكرامة بالنسبة إليه هي في المقام الأول حماية العرض، الذي يُحافظ عليه كحافظه على دمه، وفقا لما أورده المؤرخ اللبناني (حنا أبو راشد بكتابه جبل الدروز 1925).
.
يَسأل أبو راشد أحد وجهاء الجبل آنذاك “متعب الأطرش” عن الدروز، فيجيب: “نحن لدينا ثلاثة مثلثات، ثلث نحافظ عليه وهو العرض والقومية والعادات، وثلث نُجبر عليه وهو الدفاع عن هتك العرض والحرب على من يخرق حدود استقلالنا ومن يمسّ كرامتنا ومعتقداتنا، وثلث نختاره صيانة الضيف وخدمته، ومواساة من يلتجئ إلينا”.
.
إنها الكرامة الصفة البارزة لدى الموحدين الدروز والتي يشترك بها الرفيع والوضيع على حد سواء، بل إنه النظام الأخلاقي الذي يندر أن نجد مثيلاً له بمثل هذه القوة والذي ضمن استمرار تماسك هذه الطائفة لمدة تزيد عن عشرة قرون متوالية, كما يقول الدكتور “عمر فروخ” بكتابه “عبقرية العرب بالنظام الأخلاقي الرفيع المرتكز على مذهب التوحيد”.
.
ومثلما يحرص الدرزي على حفظ كرامته، فمن الطبيعي ألا يتعرّض لكرامات الآخرين، وهو ما يؤكد عليه كل من أقام بينهم، كالعلامة الأمريكي “فانديك” الذي يقول: تعاشر الواحد منهم خمسين سنة فلا تسمع منه ولا مرة لفظة سوء ولا قصة فيها شيء من الخلاعة، أنهم يمارسون ضبط النفس والعفة وصدق اللسان، ويتجنبون السفه والبذاءة”.
.
أنصر أخاك ظالماً أم مظلوماً، في أحداث بلدة الجاهلية الأخيرة في لبنان، ما أن استنجد الوزير السابق وئام وهاب بدروز كل من لبنان والسويداء، بحجة انتهاك كرامته، حتى انبرت مرجعيات دينية وتقليدية للوقوف إلى جانبه، دون النظر للأسباب التي قادت لتلك الأحداث.
.
لا شيء لدى الدروز أقدس من كرامة المرأة، يقول الكابتن الفرنسي “بورون” عنهم: أن لهم عادات شريفه وهي احترام النساء وعدم التعدي على الأعراض وقد حافظوا على هذا المبدأ على تعاقب أجيالهم لا يتعرضون لما يٌمس الآداب وما سُمع أنهم سطوا على عرض ولا قتلوا نساء ولا أطفال، بل ربما احتمى نساء أعدائهم ببيوتهم بعد أن قُتل أزواجهن.
.
عندما كان الأجداد يتعرضون لتهديد ما، منذ أن دقوا أطناب أول خيمة لهم في الجبل، على هضبة الدبة بالقرب من قرية بريكة عام 1691 (انتفاضات جبل الدروز، برجيت شيلر 2004، ص41) كانوا أول ما يتساءلون لمن سيتركون نسائهم؟ لذلك يحترمون المرأة، حتى لو كانت من نساء الأعداء.
.
كثيرة هي الأمثلة والمواقف في حياة الدروز التي تحضُّ على احترام النساء، فعندما كانت ثورتهم على أشدها في عشرينات القرن الماضي، استولوا على قلعة السويداء وهي تعجُّ بالنساء الفرنسيات وأطفالهن، جاء من القيادة الفرنسية من يفاوضهم لإخراجهم من القلعة، فكان جواب سلطان الأطرش، دون قيد أو شرط: نحن لا نحاربهم بنسائهم وأطفالهم أخرجوهن وابعدوهن عن السويداء، لنُعلِّمهم كما علّمنا غيرهم من الجيوش الغازية كيفية شرف القتال.
.
متَى نثور؟ حين سُئِل الأديب “يوسف إدريس” عن ذلك، أجاب: «أثور حين أُحِسُّ أنّ كبريائي جُرحَت أو خُدِشَت عن عمد، لستُ حريريًا بالمطلق، ولا مع أي فصيل لبناني ضد آخر، لكن من باب الحرص على كرامة ومناعة هذه الطائفة، نسأل أصحاب تلك العمامات والعباءات، لنفترض أن شخصاً ما طعن بكرامة وشرف أحدهم على الوجه الذي تناول فيه وهاب شرف وكرامة الحريري، عندها أي عقلٍ سُيهدئ من روعهم، وبأي حكمة سيتحلّون؟.
.
حينما سُئل سلطان الأطرش عن الشخص الذي سيُعهد إليه بعباءته ردّ قائلاً: “كل واحد بفصّل عبايتو على قياسو” بإشارة واضحة لا تقبل اللبس رفضه مبدأ التوريث، الذي قد يجلب للشخص المنصب وعباءته، لكنه قد لا يستطيع أن يجعله بصفات من سبقوه.
.
كلٌ يُحيك عباءته بيده، من سلطان الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى، ومن قبله أبو على مصطفى الذي قاد معركة الجبل بمواجهة دحام، للشيخ أبو علي قسّام الحناوي، الذي سدّ فوهة المدفع العثماني بعمامته، إلى مؤسس المرجعية الروحية في الجبل الشيخ “ابراهيم الهجري” الذي تميز بنبوغه وتقواه، أصبحت معه قنوات منذ عام 1803 المركز الديني للطائفة (تيسير ابو حمدان، الدروز مسلكاً ومعتقداً 1995 ص53)، إلى بقية زعماء الجبل الآخرين الذين ناضلوا وكافحوا من أجل عزة الأوطان.
.
عندما وصل الأمير فيصل إلى دمشق عام 1918 منح سلطان الأطرش لقب باشا، فقبله، لأنه كان في طليعة الثوار الذين دخلوا دمشق ورفع العلم العربي فوق مبنى البلدية، فيما كان قد رفضه من قبل، حينما قام الأتراك المستعمرين بمنحه، في حين تم استيراد كثير من العباءات من خارج الحدود، بدءاً من المستعمر العثماني إلى الفرنسي، إلى الوافد الايراني.
.
لذلك ذهبت عباءاتهم وستذهب بذهابهم، في حين بقيت عباءة من حاكها بيديه مع أبناء الوطن، في مذكرات “صياح الأطرش” التي نشرها ابنه عبدي (أوراق من ذاكرة التاريخ 2005) يذكر أنهم في أيار 1927 كانوا في قرية الشبكي فحامت فوقهم طائرات إنكليزية، وأمعنت بقصفهم فقتلت فرس سلطان الأطرش ومزّقت الشظايا عباءته، وأن تلك العباءة موجودة اليوم في إطار زجاجي بالمتحف الوطني بالقدس.
.
يُروى أنه عندما سمع الوالي العثماني في فلسطين بقصة الشيخ الذي يضع القمح بيده فتأتي الطيور وتأكلها، أرسل لإحضاره، فلمّا حضر قال له أحب أن أرى ذلك، فطلب الشيخ منه أن يعفيه، لكن الوالي أصرّ على ذلك، أخذ الشيخ حبوب القمح وخرج من الغرفة، فأتت الطيور وأكلت من يده، فلمّا رأى الوالي ذلك قال له: أعطني عباءتك وعمامتك، فأخذهم الوالي ولبسهم وخرج مادّاً يده بالقمح، لكن الطيور لم تأتِ.
.
لقد نظر الدروز لمقام المشيخة نظرة احترام وتكريم، باعتبارهم الرؤساء الروحيون والقضاة، الذين يتمتعون بصدق اللسان وحفظ الإخوان والبراءة من الطغيان، أهم الدعائم التوحيدية في العقيدة الدرزية (بلعيد محاسن، كتاب الرقم 7 وأثره في المعتقدات والآداب2001، ص73).
.
حينما سُئل الرئيس الفرنسي ديغول عن رأيه بالعشيرة المعروفية قال: تحب الحق وتموت في سبيله, لا تتعدى على أحد ولا تنام على ضيم، لذلك فإن شجاعة الدروز وتمسُّكِهم بقول الحق واستعدادهم للموت في سبيله، وحده من حصّن هذه الطائفة من التشتت والزوال.
.
اليوم يقف البعض مجاهراً بانحيازه في النزاع اللبناني اللبناني، ضارباً بعرض الحائط كل تراث الآباء والأجداد، اليوم يقف بعضهم مع الشعب الفرنسي واعضاً مطالباً بوقف الاضطهاد بحقه، في حين لا يرى كل ما يدور حوله من مظالم.
.
كان سلطان الأطرش ولا يزال رمزاً لكل وطني سوري حر، كان بحجم وطن، ومثله كان بقية زعماء الجبل، كان كل منهم يُعادل بيضة القبان، لم ينحازوا لطرف سوري على حساب طرف آخر، بهدف الحفاظ على الوحدة الوطنية، لم ينحازوا لفريق في الجبل أو بغيره على حساب فريق آخر، حفاضاً على وحدة الصف.
.
يقول محمد زين العابدين بكتابه (مذكراتي 2012) أنه كان هناك تنافس تقليدي بين آل الأطرش على زعامة الجبل عندما أنعمت فرنسا على سليم لقب أمير، وعينته حاكماً عاماً عليه، وهذا يعني انحيازها لدار عرى على حساب دار السويداء، تجدد هذا الخلاف عند موت سليم وقيام فرنسا باختيار عمه حمد خلفاً له، لقد رفض عبد الغفار هذا الاختيار وقال جملته المشهورة: “كل واحد زعيم بيته”.
.
قبل ذلك كانت الحرب العالمية الأولى أيضاً سبباً بهذا الانقسام، بين مؤيد للأتراك بزعامة سليم، ومناصر للحلفاء بقيادة سلطان، هذا الانقسام استمر عند قيام الثورة ضد الأتراك، مع بقاء سليم متمسِّكاً بهم حتى النهاية (جبل الدروز، ص84).
.
دخول الفرنسيين زاد من حدة هذا الانقسام بين منادٍ باستقلال الجبل بقيادة سليم، وآخر يدعو لاستعمارهم المباشر على الجبل بزعامة طلال عامر «وهؤلاء قلّة» في حين بقي سلطان الأطرش ومن معه على الحياد (جبل الدروز، ص130 و131).
.
عندما بدأ سلطان ورفاقه بمقاتلة الفرنسيين، عمدوا للضغط الأهلي عليه، فأوعزوا لأبناء عمه بأن يخبروه أن الدروز ليسوا معه، ليس ذلك فحسب، بل أوعزوا لرجال الدين بإصدار بيان ضده ورجاله، أكدوا فيه أن هؤلاء “مرادهم خراب البلاد وتشتيت العباد” وأن كل من يساعدهم “يكون تحت الحرم العظيم والسخط الجسيم” (جبل الدروز، ص29).
.
ليس كل عباءة عباءة، لما لها من رمزية خاصة لدى الكثير من المجتمعات العربية، لدرجة أنه عندما كان ينشب نزاع دموي بين فريقين فإن هذا النزاع ما يلبث أن يتوقف فوراً عندما يُلقي أحد الوجهاء عباءته بينهما، لتسكن عندها النفوس الغاضبة وتسود بعدها لغة الحوار.
.
أذكرُ أنه في رابع يوم من أحداث البدو عام 2000 وبينما كنا عدد كبير من المحامين بقاعة مبنى المحافظة بانتظار قدوم وزير الداخلية، للمطالبة بوقف القتل ومحاكمة المتسبب بتلك الفتنة، وإذ برجلي شرطة يدخلان فجأةً مستنجدين للمساهمة في وقف الزحف الجماهيري الهائج، القادم من شهبا وقراها إلى مدينة السويداء.
.
ما لبثنا عدد من المحامين أن انطلقنا على وجه السرعة، كنتُ والأستاذين العزيزين إبراهيم عربي ومفيد عماشة، عندما وصلنا إلى قرية سليم، حيث الآلاف (سيل جارف من المحتجين) كانت غالبيتهم من طلاب المدارس، الذين تسلّحوا بما تيسر بطريقهم من عصي وخشب وأغصان شجر وقطع حديد.
.
كانت الأصوات عالية وغاضبة على ما يحصل في السويداء من قتل وهدر كرامة، لم يستمع أحد من المحتجين إلينا، وإنما تابعوا المسير، بل لم يكترثون للتنبيهات التي تقول أن فرقة من حفظ النظام، تتواجد عند دوار العنقود بمدخل المدينة، ولن تسمح بعبور أي شخص، إلا على دمائه.
.
قبل وصولنا وتلك الحشود الغاضبة لمسافة لا تتجاوز المائتي متر من تلك الفرقة، وصل كل من الشيخ أحمد الهجري وأمين فرع الحزب يومها فهد مشرف، ما لبثا أن صعدا الجزيرة التي تتوسط طريق دمشق السويداء، بادر مشرف لمخاطبة الحشود متوسلاً إليها العودة، إلا أن الأصوات تعالت ممطرةً السلطة والحزب بشتى الاتهامات والنعوت، هنا جاء دور العباءة وقيمة صاحبها، كلمتان فقط، لا ثالثة لهما نطقهما الشيخ، حتى تراجعت الجماهير الغاضبة واستكانت.
.
ختاماً أية عباءة في السويداء اليوم قادرة على أن تقوم بهذا المقام؟ يقول المحامي ماجد الأطرش المهتم بالتاريخ وتوثيقه لموقع السويداء بتاريخ 5 كانون الأول 2017 (أن هناك عرفاً اجتماعياً اتفق عليه أهالي الجبل منذ ثلاثة قرون تقريباً يتم العمل فيه، وهو أن يتم دعوة جميع قرى الجبل ليحضر من استطاع طقوس تلبيس العباية).
.
اليوم لم يعد هم من ستنتقل إليه العباءة دعوة تلك الجموع للحضور، لأنه يدرك تماماً مدى نفور الناس من هذه الظاهرة ككل، من جهة ومن جهة أخرى مقدار البون الشاسع الذي يفصل بينه وبينها، لذا بات لديه الهم كل الهم حضور كل من هو على شاكلته من لبيسي العبي، ومن خلفهم السلطة وعسسها.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع