أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » سارة قصقص في الوثائقي الطويل الأول لها “تحت التحت” : أريد إظهار بيروت عبر كلّ شخصية

سارة قصقص في الوثائقي الطويل الأول لها “تحت التحت” : أريد إظهار بيروت عبر كلّ شخصية

تحاول اللّبنانية سارة قصقص، في الوثائقي الطويل الأول لها “تحت التحت” (2018، 72 دقيقة)، معاينة أحوال مدينة وناسها، عبر شخصيات تعاني فقرًا مدقعًا، وتعيش في أحياء المدينة أو منازلها المعدمة. تختار 3 شخصيات أساسية، كي تقرأ يومياتهم المثقلة بمواجع وتحدّيات، وكي تذهب إلى عمق مدينة تضيق على المقيمين فيها، وتحاصر أجسادهم وأرواحهم، وتستنزف عيشهم، وتجعلهم يُقيمون في اختناق دائم.

والشخصيات، المستلّة من واقع الحال اللبناني رغم تنوّع انتماءاتهم الجغرافية (الفلسطيني أبو حسام واللبنانية سامية والسوري علي)، تمتلك شيئًا من مقارعة الظلم اللاحق بها، رغم قسوة الحياة، وتمزّقاتهم. فـ”تحت التحت” ـ المُشارك في برنامج “إضاءات”، في الدورة الـ31 (14 ـ 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018) لـ”مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية” ـ غير معنيّ بأناس مستسلمين لبشاعة معاناتهم، بل بأفرادٍ ينتبهون إلى بؤس يومياتهم لكنهم مُصرّون على اختبار شيءٍ من فرح داخلي، أو حرية فردية، أو تحدّ يأخذهم إلى بعض راحة أو أمان.

هذا كلّه في سياق سينمائي يبدو كأنه يختبر فعل الاكتشاف أثناء مرافقة هؤلاء في حكاياتهم وانفعالاتهم وتجاربهم وتوترهم وتحدّياتهم، أو كأنه يجتهد لتبيان المخبّأ في مدينة تنزف فينزف معها ساكنوها أو ينزفون بسببها. فالتداخل عميق بين المدينة والشخصيات، وسيرة المدينة بشقائها تتقاطع وسِيَر هؤلاء في مُصابهم وآلامهم ونزواتهم وهواجسهم ونظراتهم.

عن “تحت التحت” وتفاصيل اشتغاله، التقت “العربي الجديد” سارة قصقص في هذا الحوار

(*) 3 شخصيات من بيئات وجنسيات عديدة، في فيلم واحد ومسارات مختلفة. من أين أتتك تلك الفكرة؟ وكيف؟

ـ الفكرة متأتية من شعورٍ فيّ بوجود حرمان في العيش في مدينة لا مياه فيها ولا كهرباء ولا بنى تحتية. أمور كهذه حاضرةٌ في يومياتي. الشعور يكبر يومًا تلو آخر، وفي الوقت نفسه يحثّني على تحقيق فيلمٍ، أتناول فيه إحساسي بالمدينة (بيروت)، وبالتالي البلد (لبنان). هكذا بات الفيلم يكبر فيّ هو أيضًا، وصار يرتكز على فكرة أننا جميعًا نعاني الأمر نفسه، بصرف النظر عن أي انتماء جغرافيّ أو دينيّ أو اجتماعيّ.

البداية العملية للمشروع منطلقة من لقائي أناسًا كثيرين يعيشون في بيروت وخارجها، كما في البقاع وغيره. البحث عن أفرادٍ يُمكنهم التعبير عما أرغب فيه أدّى بي إلى اختيار 10 أشخاص، في المرحلة الأولى من البحث، متحدّرين من خلفيات مختلفة، وهم شبابٌ وكهول. كلّ واحد منهم يُفسِّر ما يشعر به، وأنا أسعى إلى العثور على المشترَك بين خبرياتهم، وبين بعضهم البعض، وبيننا جميعًا.

(*) لكنك في النهاية اخترت 3 أشخاص فقط، بعد عمل مُضنٍ، وهو (العمل المضني) واضح في “تحت التحت”.

ـ هذا بحثٌ استمرّ عامًا ونصف العام. أثناء ذلك، بدأ يتّضح عندي أن هناك 3 أشخاص يحكون بصوتٍ عالٍ، وبطريقة يستطيعون بها تفسير ما أشعر به أنا شخصيًا. كلّ واحد منهم يقول “كذا وكذا وكذا”، ويظهر ـ في الوقت نفسه ـ أنه أقوى من مُصابٍ يلمّ به. هذا مهمّ بالنسبة إليّ: القوّة. فهم، بقدر ما لديهم من مشاكل ومصاعب، قادرون على المواجهة والتحدّي. منذ البداية، لم أشأ اختيار أشخاص يكتفون بقول المُصاب المُلِمّ بهم. لا أريد الـ”نقّ”. أبحث عن أناسٍ لديهم معاناة أليمة وكبيرة، ويمتلكون ـ في الآن نفسه ـ إحساسًا بقوّة المواجهة والاستمرار في العيش.

أمضيت مع أبو حسام وسامية (ووالدتها) وعلي وقتًا طويلاً. لم أرغب في الدخول إلى حيواتهم ويومياتهم وأنفسهم بسرعة. صحيحٌ أني أريد دخولاً كهذا، لكن باحترامٍ كبير. شاهدتُ أفلامًا تتناول شخصيات تعيش أوضاعًا صعبة للغاية. المسألة بالنسبة إليّ لا علاقة لها بكمية معاناتهم فقط. أريد معاناتهم، لكنّي أنتبه أيضًا إلى أن كلّ واحد منهم كان يبني شيئًا ما في حياته من لا شيء. هذا نوع من حرية لهم. نوعٌ من سعادة.

هناك ما هو ضائعٌ منّي، وعندما التقيتُهم وتعرّفت إليهم وبدأت العمل معهم، شعرتُ أنهم كانوا يُعطوني ما هو ضائع منّي.

بهذا المعنى، أقول لك إن الفيلم “هُمْ” هؤلاء الـ3 فقط. تخلّيت عن الآخرين. هذا تطلّب منّي وقتًا طويلاً، وزيارات عديدة من دون كاميرا بهدف التعرّف والدردشة.

(*) وكيف حدث أن وثقوا بك إلى درجة أنهم باتوا هم الفيلم؟

ـ إنه الوقت. الأمر كلّه مرتبط بالوقت. عليكَ أن تكون صبورًا، ومنفتحًا جدًا. لكن، أثناء التصوير، كانت تحدث أشياء معي أنا شخصيًا، تجعلني أتوقّف عن العمل. لسببٍ ما، أشعر أن سدًّا ارتفع بينهم وبيني. انتبهتُ منذ البداية إلى أن شعورًا كهذا عندما يحصل وأُكمل التصوير سيظهر على الشاشة. لذا، ما إنْ يحصل هذا أطلب من الجميع استراحة ولو لمدة 10 دقائق فقط.

والسدّ الذي أخبرك عنه لن يكون فقط نتيجة حدث ما أو لحظة ما. أحيانًا، أشعر أن هناك أحكامًا أُطلقها عليهم، وإن بشكل لا إرادي، أو من دون انتباه أو وعي. لذا، ضروري جدًا أن أتوقّف فورًا عن التصوير. أتعاملُ مع أناسٍ يجب أن يثقوا بي، وإلاّ فأنا لن أستطيع بناء صداقة معهم، وبالتالي لن أتمكّن من التواصل معهم ومن إنجاز الفيلم. يجب تشييد صداقة معهم وثقة بهم، ليس فقط من دون الكاميرا، بل معها وأمامها أيضًا. الثقة يجب أن تكون متبادلة. هذا مهمّ جدًا. هذا يؤدّي إلى خلق حساسية بيننا تساعد على تبديد ما يُمكن أن يُعيق تحقيق المشروع

(*) حسنًا، لنتحدّث قليلاً عن الشخصيات المختارة.

ـ أبو حسام سائق سيارة أجرة. هو الأسهل في التعامل معه، لأنه كان يأتي من دون “فلتر”. لم أكن أريده أن يظهر على الشاشة كمن يتحدّث إلى الكاميرا، فهو كان يُقدِّم تمثيلية. مع هذا، تمكّنت من بلوغ أعماقه بأسئلتي، والذهاب إلى ما هو أبعد من أخباره العادية.

علي هو الأصعب. لديه صدمة. مُصابٌ هو بأذى. أساسًا، هو صبيّ لا يحكي في حياته اليومية. هذا ما أقصده: أن تفتح قناة تواصل معه. كان يُمكنني الدخول إليه كمخرجة، وعندها آخذ منه كلّ الحكي. كان ممكنًا أن أصرّ على أن يحكي. لكني لم أفعل هذا. انتبهتُ إلى ضرورة التعرّف إليه أولاً، والدخول إلى عالمه الخاص بهدوء. انتبهتُ منذ البداية إلى أنه لا يحكي، فمنحته مسافة تُريحه. هو صغيرٌ في مدينة كبيرة. وجهه يُعبِّر عن رغبته الضمنية في هذه المسافة. هذا صار علاجًا. أمنحه مسافة، وعندها سيعبِّر وحده عن نفسه.

كان للمُصوٍّر جو سعادة دورٌ مساعِدٌ للغاية في هذا الإطار. هو وأنا متفاهمان ضمنيًا على فكرة المسافة مع علي، وهذا مهم. جو مُدركٌ كيفية التعاطي مع المسألة، وكيفية التعامل مع علي. في حياته اليومية، لا يتخطى جو الحدود مع الآخرين. هذا أعطاه مصداقية مع الشخصيات كلّها. أشتغلُ على أساس أن هناك منطقة آمنة للشخصيات، فإذا اخترقها المُصوّر وتخطّى المسافة الممنوحة لها، سيُخرِّب عملي برمّته. جو منتبهٌ ومدرك كيفية التعامل مع مسائل كهذه. هذا مهم جدًا، خصوصًا مع شخصية مثل علي.

(*) وماذا عن سامية ووالدتها؟

ـ مع سامية ووالدتها، كان العمل أكثر جهدًا. في مرحلة من البحث، ثم في بدايات التصوير، صارت قصة سامية متناقضة وقصّة والدتها. كانتا تمرّان معًا في مرحلة صعبة من حياتهما، فالوالدة محتاجة إلى عملية جراحية ضرورية لعينها كي لا تُصاب بالعمى، ولسامية مسائل عديدة وضاغطة تُشغل بالها يوميًا، بينما والدتها لا تُفكِّر إلاّ في العملية الجراحية. صار هناك تناقض بينهما، ما تطلّب منّي اتّخاذ مسافة منهما معًا، كي أتمكّن من بناء توازن بينهما، فأنا لم أرغب في التقاط اللاتوازن. بيئتهما صعبة للغاية أصلاً. هناك مسألة الخمر، ووجود نحو 10 أشخاص يُقيمون في المكان الضيّق نفسه. تلقائيًا، كان هناك نوعٌ من الفوضى. كنتُ أريد متابعة مسارهما باتّجاه العملية، لا إظهار سببها أو أشياء أخرى محيطة بها. عندما أشعر أن إحداهما تتغلّب على الأخرى، كنتُ أمنح الأخرى مسافة كبيرة لاستعادة التوازن معها.

ثم إنّ سامية ووالدتها هما الوحيدتان المقيمتان في منزل (أبو حسام في سيارته، وعلي في الطرقات). مع هذا، شعرتُ أنهما أكثر من يتعذّب في مكانه. العملية مهمة وضرورية، لكن هناك أناسٌ كثيرون معهما.

أسئلة عديدة طرحتها على نفسي: كيف يمكن إظهار هذه العائلة بمصائبها وأحوالها ومآزقها، وإظهار كرامتها في الوقت نفسه؟ كيف أترجم هذا بالكاميرا؟ لديهما قطط، لكن كلما ذهبت إليهما لشرب القهوة مثلاً، كنتُ أكتشف أن عدد القطط يرتفع. القطط متعلقة بهما، وهما متعلقتان بها. القطط تصنع عائلات، والجميع يعيشون مع بعضهم البعض. كلما كنتُ أصوّر، كنت أظهر القطط كجزء منهما. هناك اهتمام وتعاطف، وهذان الاهتمام والتعاطف يمنحان سامية ووالدتها إمكانية العيش والحياة. هناك أحكام عليهما سمعتها مرارًا من أناسٍ عديدين. لذا، أردتُ إظهار هذا الجانب من يومياتهما الذي يعكس شيئًا منهما، ذاتيًا وحميمًا وحقيقيًا. العلاقة الجميلة بين القطط وبينهما وسيلة تكشف بعض هذا الجانب.

(*) تقولين عن علي إنه صغيرٌ في مدينة كبيرة، وتقولين إن سامية ووالدتها هما الوحيدتان اللتان تملكان منزلاً، ومع هذا، فهما أكثر من يتعذّب في مكانه. لكن منزلهما ضيّق، والسيارة التي يُقيم فيها أبو حسام ضيّقة، وأنت تصورينه بلقطات قريبة داخلها. ألا تُلمّحين بهذا إلى أنّ المدينة ضيّقة، والاختناق فيها كبيرًا؟

ـ بدأ المشروع من شعور بالحرمان إزاء المدينة والعيش فيها. كنتُ أحاول إظهار المدينة من خلال كلّ شخصية. هناك لقطات كثيرة لسامية في منزلها. هناك “رهاب الاحتجاز”. البيت والسيارة يشبهان المدينة. ما قصدته بخصوص علي هو أنه صغير ومتروك لحاله بخياره هو في تلك المدينة. هو هرب. يقول إنه يشعر بأنّه حرّ. هناك مسافة بينه وبين المدينة، لكن المدينة موجودة. كنا نحاول دائمًا تصويره كأنه ضائع في هذه المساحة/ المسافة. كأن المدينة تلامسه، لكنها/ لكنه يبتعد عنها. كلّ شيء حوله يؤثّر فيه كأذية أو كصدمة. يُشطِّب نفسه بسكين مع صديق له. كان يُعبِّر عن نفسه من دون كلام. هو أقرب إلى الشعرية، أكثر منه إلى سرد الحكاية.

(*) ألم تُصادِفكِ مشاكل أثناء التصوير؟

ـ لا، لم تكن هناك مشاكل، خصوصًا على مستوى “تغيير” آرائهم أو حكاياتهم أمام الكاميرا. أخبرتهم من البداية عن هدفي من إنجاز الفيلم، فأنا لا أحقِّق فيلمًا من أجل الفيلم، بل لاهتمامي بأناسٍ يعيشون تحت خطّ الفقر، ولديهم ـ رغم هذا ـ قدرة المواجهة والتصدّي وإكمال العيش. لم تحدث مشاكل كبيرة. كنتُ شفّافة وصريحة معهم من البداية. ربما لهذا لم يحصل، ولو مرة واحدة، أن تردّد أحدهم أمام الكاميرا، أو بدّل رأيه أثناء التصوير.

المصدر: العربي الجديد – أجراه: نديم جرجوره