أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » تصعيد “النصرة” شمال غربي سورية: أهداف عسكرية وسياسية واقتصادية

تصعيد “النصرة” شمال غربي سورية: أهداف عسكرية وسياسية واقتصادية

وضع التصعيد الأخير من قِبل “هيئة تحرير الشام” ضد فصائل المعارضة السورية، شمال غربي سورية مرة أخرى في دائرة الاهتمام، وفي واجهة الحدث السوري المعقّد، خصوصاً أن الهيئة، وهي نسخة محدّثة من “جبهة النصرة”، وسّعت دائرة نفوذها العسكري، الأمر الذي أثار تخوّف الفصائل السورية التي فقدت خلال أيام أهم معاقلها في ريف حلب الغربي.

ومن الواضح أن “النصرة” تريد تحقيق جملة أهداف عسكرية وسياسية واقتصادية من وراء تحركها الذي سيطرت من خلاله على القسم الأكبر من ريف حلب الغربي، إذ تسعى كي يكون قرار السلم والحرب في محافظة إدلب ومحيطها بيدها، في محاولة لجعل التعامل معها من قِبل الدول الفاعلة في المشهد السوري كـ”أمر واقع”، خصوصاً أن نفوذها يتركز في أكبر منطقة تجمّع للمدنيين المعارضين لنظام بشار الأسد. في المقابل، فإن تحرك “النصرة” في شمال غربي سورية يوفّر ذريعة جاهزة للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين لتجاوز اتفاق سوتشي الذي أبرمه الأتراك والروس في سبتمبر/أيلول الماضي، وجنّب شمال غربي البلاد كوارث متوقعة جراء عمل عسكري لوّح به النظام كثيراً. ومن المتوقع أن تتخذ قوات النظام من تمدّد “النصرة” الجديد مدخلاً واسعاً لشن هجوم على ريف حلب الغربي بحجة محاربة الإرهاب، وهو ما سيدفع المنطقة برمتها إلى أتون صراع جديد، بعد شهور من الهدوء النسبي نتيجة تراجع الغارات الجوية من الطيران الروسي.

واستعادت “هيئة تحرير الشام”، مساء السبت، سيطرتها على مواقع كانت قد خسرتها خلال المواجهات مع “الجبهة الوطنية للتحرير”، أكبر تجمّع عسكري للمعارضة السورية شمال غربي سورية، وذلك ضمن اتفاق من المفترض أن يضع حداً للاقتتال الذي اندلع على مدى أيام، وانتهى بالقضاء على “حركة نور الدين الزنكي”، وسيطرة “تحرير الشام” على الجزء الأكبر من ريف حلب الغربي. وأشارت مصادر إعلامية معارضة إلى أن المناطق التي تم الاتفاق على إعادة تسليمها للهيئة هي بلدات: تلمنس والغدفة وجرجناز، من دون أي قتال، وذلك “لحقن دماء عناصر الطرفين”.

وكانت “الجبهة الوطنية” قد سيطرت على هذه البلدات الجمعة في إطار محاولتها التخفيف من الضغط العسكري على “حركة الزنكي”، ولكن المحاولة لم تجد نفعاً. فيما سيطرت “النصرة” أمس الأحد على مدينة الأتارب، أكبر مدن ريف حلب الغربي، بموجب اتفاق بينها ووفد من وجهاء المدينة، ينصّ على استلام “النصرة” حواجز المدينة والسلاح الثقيل مع إبقاء السلاح مع المرابطين على جبهات النظام، وحل فصيلي “بيارق الإسلام”، و”ثوار الشام”، وهو ما يؤكد سيطرة شبه مطلقة على ريف حلب الغربي لـ”النصرة”، ما دفع المئات من سكان شمال سورية للخروج بتظاهرات تندد بـ”النصرة” وتدعو لمحاربتها. كما صدرت دعوات للاعتصام والإضراب في شمال غربي البلاد للوقوف في وجه “السواد”، في إشارة لـ”جبهة النصرة” التي تحاول وضع يدها على كامل محافظة إدلب ومحيطها.

وبدّلت اشتباكات الأيام الستة، خريطة السيطرة في شمال غربي سورية، فباتت “هيئة تحرير الشام” الطرف الأقوى في المنطقة على حساب الفصائل المسلحة التي فوجئت بالهجوم الذي يبدو أن تبعاته ستشمل كامل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وفي نظرة سريعة على خريطة السيطرة في شمال غربي سورية، يُلاحظ سيطرة “تحرير الشام” على مدينة إدلب، مركز المحافظة التي تحمل ذات الاسم، إضافة إلى بلدات ومدن وقرى في ريفها، لعل أهمها: جسر الشغور، حارم، سرمدا، سلقين، دركوش، سراقب، خان شيخون. كما تسيطر الهيئة على مدينة مورك في ريف حماة الشمالي، والأتارب، ودارة عزة، ودير سمعان وقلعتها التاريخية، ومعارة الأرتيق، والهوتة وعنجارة، ومناطق أخرى من ريف حلب الغربي. فيما تسيطر فصائل المعارضة على جزء من ريف حلب الغربي، ومدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، وجرجناز والهبيط، وأريحا، وكفر تخاريم، وجزء كبير من قرى منطقة جبل الزاوية، ومناطق في ريف حماة الشمالي منها كفرنبودة واللطامنة وكفرزيتا، إضافة إلى جزء من سهل الغاب شمال غربي مدينة حماة.

ويوجد تنظيم “حراس الدين”، والحزب التركستاني، في بعض مناطق ريف إدلب، منها ريف مدينة جسر الشغور، كما يتمركز مسلحو التنظيمين في جزء من ريف اللاذقية الشمالي. ولكن يبقى تأثير هذين الطرفين محدوداً قياساً بـ”هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة السورية.

ومن الواضح أن “تحرير الشام” تحاول الهيمنة على كامل محافظة إدلب ودفع فصائل المعارضة إلى ما بات يُعرف بمنطقتي “غصن الزيتون” و”درع الفرات” في ريفي حلب الشمالي الغربي والشمالي. ولا يُستبعد، بحسب المعطيات، أن تكون الهيئة في طور تأسيس “إمارة” في شمال غربي سورية على نهج تنظيم “القاعدة” الذي تتبع له.

كذلك فإن لريف حلب الغربي أهمية اقتصادية، إذ يُعدّ طريق المحروقات الآتية من مناطق النظام ومناطق “قوات سورية الديمقراطية” شرقي نهر الفرات، إلى محافظة إدلب، وهو ما يُتوقع أن تستغله “النصرة” لتأمين تمويل دائم من الضرائب والأتاوات التي تفرضها في المعابر التي تسيطر عليها والتي تربط بين مناطق النظام وشمال غربي سورية. ويضم ريف حلب الغربي، معبر المنصورة، الذي يربط هذا الريف بمدينة حلب.

ورأى الباحث في مركز “جسور” للدراسات، عبد الوهاب العاصي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “جبهة النصرة تريد السيطرة على مصادر القوة والثروة في الشمال السوري، وبالتالي جعل مصير قرار السلم والحرب في منطقة خفض التصعيد الرابعة بمحافظة إدلب ومحيطها يمر عبرها فقط، من دون غيرها من الفصائل”. ومضى بالقول: “تحقيق ذلك يعني بالنسبة لهيئة تحرير الشام وسيلة رئيسية للبقاء والحفاظ على وجودها، خصوصاً أنها أمام استحقاق مواجهة مصيرها أمام تركيا المعنية كإحدى الدول الضامنة الثلاث في ملف التنظيمات الجهادية”.

وأعرب العاصي عن اعتقاده بأن الهيئة “تريد أن تقول لتركيا إنها قادرة على التناغم بشكل كامل مع سياساتها الأمنية والخارجية في الشمال السوري، وإن تركيا تستطيع التعاون معها كطرف واحد في هذا السياق بدل التعامل مع أكثر من جهة”، مضيفاً: “لكن في المقابل تريد الهيئة تنفيذ ذلك تحت مظلة مشروع السلفية الجهادية المحلية”.

ويبدو أن “هيئة تحرير الشام” تستعد للمرحلة المقبلة التي من المفترض أن تشهد إجراء تسويات تحسم مصير سورية، من خلال توسيع دائرة سيطرتها كي تضمن وجوداً لها في أي معادلة سياسية، خصوصاً أنها عملت طيلة سنوات على خلق وقائع تعتقد أنه لا يمكن تجاوزها في منطقة تضم ملايين المدنيين، تحرص القوى الإقليمية والدولية على استقرارها النسبي.

وفي هذا الصدد، رأى القيادي في الجيش السوري الحر، العقيد فاتح حسون، أن “هيئة تحرير الشام تريد السيطرة على المناطق الهامة والاستراتيجية المنتشرة فيها فصائل الجيش الحر”، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد”، أن الهيئة “تريد التخلص من أي فصيل يشكّل خطراً عليها تحت غطاء ذرائع واهية واتهامات باطلة”. وأضاف: “تسعى الهيئة لوضع المجتمع الدولي أمام خيار أنها التشكيل العسكري الوحيد القادر على إدارة المناطق المحررة في إدلب ومحيطها والمتحكّم بكافة مفاصله، وهو ما قد يجبر المجتمع الدولي على التعامل معها كما يحدث حالياً مع حركة طالبان في أفغانستان”.

ومضى بالقول إن “إحكام الهيئة سيطرتها على المنطقة الفاصلة مع منطقة عفرين (شمال غربي حلب) ليس عشوائياً، بل مدروس بدقة ووراءه أسباب سياسية، وتصفية حسابات بين عدة أطراف”. وأشار إلى أن “حركة الزنكي” التي قضت عليها “تحرير الشام” بشكل كامل في الهجوم الأخير “كانت حليفة الأخيرة منذ عدة شهور”. ولفت حسون إلى أنه “بات أمام فصائل الجبهة الوطنية للتحرير خياران: إما ردع الهيئة وانتزاع المفاصل الهامة منها بالقوة وإحكام سيطرتها على كامل المناطق المحررة في إدلب ومحيطها، وهذا يحتاج لدعم دولي مفقود في الوقت الراهن، وإما ستفقد الجبهة دورها في إدارة الشمال السوري ويكون عليها التعامل بواقعية مع المشهد الميداني الجديد”.

ورأى حسون أن الهيئة “ستقوم بتقديم نفسها على أنها التشكيل القادر على إدارة الشمال المحرر”، مضيفاً: “ستعمل على إحداث تغيير جذري في بنيتها السياسية والعسكرية والأيديولوجية تتناسب وتوجّهات الدول الفاعلة، وستكون محاولة فاشلة منها لن تؤدي إلا لإعطاء النظام وداعميه مزيداً من الذرائع للهجوم على منطقة إدلب ومحيطها، وستكون الكلفة حينها باهظة على الجميع”.

أمين العاصي