أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » اعتراف سوري رسمي : كلما تحدثوا عن مكافحة الفساد كلما ازداد الفساد .. بقلم: م. سليمان الطويل

اعتراف سوري رسمي : كلما تحدثوا عن مكافحة الفساد كلما ازداد الفساد .. بقلم: م. سليمان الطويل

الحِراك الشعبي الذي قام في السودان كان يجب أن يكون في سورية. فالشعب السوري يعيش أوضاعا أسوأ بأضعاف المرات من تلك التي يعيشها شعب السودان.
ما يوجد في السودان من فقرٍ وغلاء وبطالة وفساد ودكتاتور طاغية ومستبد، كل هذا موجود في سورية، ولكن سورية تزيد بكثير عن السودان في أن الدولة مٌصادرة وكل شيء فيها مصادرٌ لمصلحة العائلة الحاكمة . في السودان لا يوجد الحُكم العائلي الموروث الموجود في سورية، ويخطئ حتى من يتحدث عن “نظام سوري” ، إذ لا يوجد نِظام سوري وإنما نظام حكم عائلي منذ عام 1970 وحتى اليوم، ويعتمد على حكم المخابرات.
في سورية الفساد أكبر بأضعاف من السودان، والفاسدين هُم أنفسهم من شغِلوا في الماضي والحاضر مواقع المسؤولية والنفوذ ولاسيما في مجال الجيش والأمن.
في السودان لا يوجد نصف القمع والظلم والقهر والاستبداد والطغيان الموجود في سورية. المواطن السوري لا يجرؤ أن يتحدث عن الفاسدين في الدولة بالأسماء خوفا من أن يزيلوه عن الوجود، لأن الفاسدين هم أولا من أقارب رأس السلطة ، أو من الحواشي ، أو من أصحاب المناصب والمراكز، أو من المدعومين.
الرئيس في سورية ، وحسب الدستور الحالي، يحتكر بين يديه كل صلاحيات الدولة . فهو رئيس الجمهورية وهو القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وهو رئيس حزب البعث، الذي ما يزال الحاكم في الدولة رغم تعديل الدستور عام 2012 . وهو رأس القضاء، وهو من يُعيّن رئيس الوزارة والوزراء والمحافظين والسفراء، وهو من يحل مجلس الشعب والحكومة متى ما شاء.. الخ.
كل صلاحيات الدولة بين يديه ولا يمكن لِأحدٍ أن يحكّ أذنيه إلا بإذنٍ منه، وهو بعيدٌ عن عموم الناس لا يلتقيهم إلا لغرض الدعاية الإعلامية، ولا يعيش همومهم ولا معاناتهم ولا شكاويهم ولا يعرف شيئا عن معنى الفقر والحاجة والحرمان والظلم، يمكث في مكتبه ويدير الدولة والبلد من خلال التقارير التي لا يعرف سوى الله مدى صحتها ودقتها. هذا عدا عن استعلائه ونظرته الفوقية للبشر، كما يروي المقربون منه.
هذه المركزية هي من ولّدت كل أشكال الفساد والاستبداد في سورية. فيمكن للوزير أو رئيس الوزراء أن يحاسب موظفا بالدولة ولكن لا يمكنه أن يحاسب أحدا من الفاسدين الكبار لأن الصلاحيات على هؤلاء ليست بين يديه وإنما بين يدي رئيس الدولة.
الرئيس السوداني وقف أمام الناس كي يتقرب منهم وتحدث عن منبته الفقير ومعاناته في الحياة وانكسار سنّهِ حينما كان يعمل بورشة للبناء، ولكن عن أية معاناة سوف يتحدث بشار إذا أراد التقرُّب من الناس؟. لقد وُلِد وفي فمه ملعقة من ذهب ولم يعرف بحياته سوى حياة التّرف والرخاء والدلال، فكيف له أن يشعر بمشاعر أبناء الشعب الفقراء والمحرومين. وكيف له أن يُنصِف مظلوم ومقهور.
إنه يجتمع مع الوزارة بالمناسبات ثم يلقي كلمة يكرر فيها ما قاله عشرات المرات في السابق ويدعو إلى محاسبة الفساد وعدم الاستثناء وتطبيق القانون، ويعتبر أن مهمته انتهت بنهاية الخطاب، ثم يذهب كلٍّ في سبيله دون أن تكون هناك أية جهات تراقب وتتابع وتحاسب أي وزير أو محافظ أو مدير عام أو سواه. الجميع تعوّد على هذه الخطابات ولا يأخذها على محمل الجد ويعتبرها كلاما روتينيا لا معنى له .
الجميع يتحدث عن الفساد والفاسدين، وخاصة في الآونة الأخيرة، ولكن لا أحدا يجرؤ على أن يشير لهم بالأسماء.
مع بداية الحراك السوري عام 2011 خرج وزير سابق في الدولة وطالب بالعودة إلى سجلات الجميع ومحاسبة الفاسدين منذ عام 1963 .
لا يوجد سوريا واحدا يصدق أن صاحب القرار المُطلق والصلاحيات المطلقة في سورية لديه الإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد، وإن كانت لديه فعليا هذه الإرادة فعليه أن يبدأ أولا بأقاربه سواء لجهة والده أم والدته، ويسأل كل ملياردير بينهم، من أين لك هذا ؟. هل هناك واحد بينهم لم يستغل السُلطة والنفوذ ويجمع الثروات من خلال ذلك؟.
ثم يسأل كل الضباط الذين عملوا في سلك المخابرات، من مرتبة عِماد وحتى مرتبة نقيب ، من أين لكم هذا؟.
ويسأل كل القيادات العسكرية الثرية ،السابقة واللاحقة ، من أين لكم هذا ؟.
وأن يُحقق بثروات كل وزير ومحافظ ومدير عام على مبدأ ” من أين لك هذا” منذ أربعين عاما وحتى اليوم.
وأن تُصادر نصف ثروات التجار وأصحاب رؤوس الأموال لأنهم جمعوها بالاحتكار والتلاعب بِلقمة عيش الشعب وتحديد الأسعار حسبما يريدون.
وأن يُعاد تسعير البيوت التي مُنِحت من الدولة (أي من أموال الشعب) للمتنفذين والمُقرّبين، بأسعار وهمية ، وأحيانا مجانا. وأن يوضع الفارق في حسابات الدولة .
وأن يتم التوقف حالا عن اعتبار الدولة ومناصبها إقطاعيات للبعض يتوارثونها هُم وأبنائهم. في سورية باتت هناك طبقة من الإقطاع السياسي المتوحش لم تعرف له سورية مثيلا في حياتها، ويقوم على أساس الولاء والتبعية فقط لِرأس السُلطة وليس الولاء والتبعية للوطن.
من يدعو الوزراء لوقف الاستثناءات بالدولة عليه هو أولا أن يراجع كل الاستثناءات التي منحها . فكيف يمكن أن تُمنَح الجنسية لشخص غير سوري ولأولاده لأنه متزوج من سورية (مدعومة)، وكيف لا يحظى كل أزواج السوريات غير السوريين وأولادهم بهذا الحق؟.
الفساد لم يبدأ في سورية منذ سنة أو سنتين، وإنما عمرهُ حوالي خمسين عاما، ولا يجوز أن يُقال نحنُ أبناء اليوم فقط، وغير معنيين بالماضي. هذا خطأ ، فنحن أبناء اليوم وأبناء الماضي، والفاسد فاسد سواء اليوم أو بالماضي ويجب أن يُحاسب، وإلا لا يمكن محاسبة الفاسدين اليوم وترك الفاسدين بالماضي. ولا يمكن محاسبة الفاسدين البعيدين وترك الفاسدين الأقرباء.
ملاحظة: مصادرة نصف ثروات أولئك المُشار إليهم لن تؤثر على حجم ثرائهم ولكنها قد تقلل منه فقط. فلديهم الكثير من الثروات والأموال. والفقر الذي يعيشه الشعب السوري هو بسبب ذاك الثراء الفاحش لكل تلك الجهات المُشار إليها والتي يعرفها الكبار والصغار في سورية، التي بات فيها رأسمال متوحش، والمضحك أنهم ما زالوا يرفعون شعار الاشتراكية.
محاربة الفساد تكون بهذه الطريقة أولا ، ومن ثمّ سنِّ قانون يسمَح بالصحافة الحرة ، ويُسمح للمعارضة بتأسيس فضائيات من داخل سورية تفضح الفساد والفاسدين بالأسماء في أي قطاع من قطاعات الدولة بما فيها الجيش والأمن ، ومن دون خوف ولا ترهيب . والسماح بتأسيس منظمات مجتمع مدني حرة لا تتبع الدولة مطلقا، والسماح بالمظاهرات والاحتجاجات ضد الفساد والفاسدين وأمام مؤسساتهم حتى ينكشفوا بالأسماء.
في ذات الوقت التي يتحدثون فيه عن مكافحة الفساد فإن الفساد يزداد، هذا باعتراف الصحافة التابعة للدولة. وهذا ما نشره أهم المواقع شبه الرسمية التي تتبع للدولة يوم 5/1/2019 ، حيث ورد ما يلي :
(ليست حملة مكافحة الفساد وليدة اليوم، فمنذ عقود طويلة نسمع عن نية الحكومات القضاء على هذا الداء وقطع دابر منظومته التي باتت «متشرشرة» في المؤسسات العامة حد العظم، مع تكريس هيئات ولجان عدة لهذا الغرض، لكن إلى الآن لم نسمع عن نتائج مبشرة في هذا الملف الشائك، أقلها محاسبة علنية لبعض رؤوس الفساد الكبيرة وسؤالهم عن مصدر ثروتهم المفاجئة تطبيقاً لشعار «من أين لك هذا»، الذي رفع أيضاً في وقت من الأوقات ولم يطبق أيضاً، وهنا يحق لنا التساؤل عن أسباب الإخفاق الذريع في مكافحة طاعون الفساد، فهل ذلك يرجع إلى إعلامية الحملات المعلنة من دون وجود خطة واضحة للتنفيذ تضمن محاسبة الفاسدين الكبار وحتى من بدأ يحبو في فلكهم، أم إن منظومة الفساد باتت متغلغلة ومتحكمة بصناعة القرارات على نحو لم تعد هناك قدرة على ضبطها وردع من يحميها، ولكن أياً تكن الأسباب، فإن الفساد بات يقصم ظهر الاقتصاد المحلي وفقرائه، ما يتطلب قراراً جريئاً في مكافحته مع تحديد برنامج زمني واضح تقطف من خلاله ثمار معاقبة ومحاسبة الفاسدين علانيةً وبلا تهاون.
فتح ملفات الفاسدين!
على ذمة أحد خبراء الاقتصاد فإن تحصيل أموال الفاسدين كفيل بحل معضلة زيادة الرواتب والأجور عبر رفد الخزينة بمليارات الليرات، ما يمكّن الحكومة من تسجيل إنجازها في هذا الشأن، لكن للأسف، لم يتم حتى الساعة التحرك نحو فتح ملفات الفاسدين الكبار واسترداد الأموال المسروقة من المال العام، وهذا لا يتحقق من دون إصلاح إداري ينقذ المؤسسات العامة من حالة الفوضى والهدر والتسيب وانتشالها من فخ الخسارة والتخسير، وهذا واقع تظهره مؤشرات أدائها حتى لو ادعى مديروها تحقيقها مبيعات وأرباحاً جيدة، لن تحصل في حال استمرار تحكم الفساد بكل أشكاله في مفاصلها). هذا مقطعٌ مما نشره أحد المواقع الإعلامية الذي يعمل تحت إشراف رسمي من الدولة.
إذا لا توجد ثقة بكل المساعي والخطط التي وضعتها، وتضعها الدولة لمكافحة الفساد لأنه لا أحدا يجرؤ على وضع الإصبع على الجرح والإشارة بالاسم للفاسدين والمفسدين ومساءلتهم، فهُم أقوى من الدولة، بل هُم أنفسهم الدولة.
ومن هنا لا أحدا ينظر للحديث عن مكافحة الفساد سوى كنوع من البروباغندا الدعائية التي تهدف لتخدير الناس وامتصاص غضبهم حتى لا ينفجر هذا الغضب بالشوارع .
ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن للشعب السوري، الذي تفتقد غالبيته لكل مقومات الحياة، أن يصبر على الفاقة والفقر والغلاء والبطالة، وعلى هذه الفروقات الشاسعة بين طبقة أثرياء ضيقة، وبين طبقة فقراء واسعة وعريضة بِحجم الوطن؟.
والسؤال الثاني، متى سيُدرك كل أولئك المنتقدين للفساد أن المسألة ليست بتغيير الأشخاص وإنما بتغيير بنية نظام الحُكم بالكامل الذي يسود في الدولة وإحلال نظام حُكم جديد بدلا عنه يقوم على الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع.
النظام الحالي غارق بالفساد، وهو قام أساسا على آيديولوجية الفساد التي تلخّصت بسياسة العصا والجزرة، ومحاربة الفساد والفاسدين الحقيقيين غير ممكنة في ظل الوضع القائم منذ عقود وحتى اليوم.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع