أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » “النصرة” تتقمّص أساليب النظام السوري… وتتوعد معارضة إدلب

“النصرة” تتقمّص أساليب النظام السوري… وتتوعد معارضة إدلب

لم يعد خافياً مسعى “هيئة تحرير الشام”، المصنفة كتنظيم إرهابي، والتي تعتبر “جبهة النصرة” عمودها الفقري، للسيطرة على شمال غربي سورية وفي قلبه كامل محافظة إدلب، معقل المعارضة السورية البارز، حيث كشّرت أخيراً عن أنيابها، ورفعت سقف التحدي لفصائل هذه المعارضة التي تحاول الوقوف أمام المخطط الهادف إلى تحييدها بشكل كامل. وفي الوقت الذي تستعد فيه فصائل المعارضة المتحالفة في “الجبهة الوطنية للتحرير”، لصدّ هجوم يبدو وشيكاً على أهم معاقلها في محافظة إدلب، تعيد “هيئة تحرير الشام” سيناريو التهجير الذي مارسه النظام على السوريين المعارضين له، حيث تشترط “الهيئة” الخضوع الكامل لها أو النزوح عن مناطق سيطرتها على طريقة “اتفاقيات المصالحة” أو الاستسلام التي عُرف النظام فيها.

وواصلت “هيئة تحرير الشام” قضم المزيد من القرى والبلدات التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، للدفع بمقاتلي المعارضة إلى منطقتي “غصن الزيتون” و”درع الفرات” في ريف حلب. وسيطرت “الهيئة”، أمس الثلاثاء، على خمس قرى في ريف إدلب الجنوبي، هي: النقير وعابدين وأرينبة وسطح الدير وترملا بريف إدلب الجنوبي، بعد انسحاب مقاتلي “الجبهة الوطنية للتحرير” (أكبر تجمّع للمعارضة المسلحة) منها، وانتقال المواجهات إلى بلدة العنكاوي بريف حماة.

وكانت “الهيئة” قد سيطرت، مساء الإثنين، على بلدة حزانو، شمال مدينة إدلب، من دون قتال، بعد اتفاق مع أهلها نصّ على تبعية البلدة لحكومة “الإنقاذ” التي تعتبر الجناح السياسي لـ”هيئة تحرير الشام”. كما ألزم الاتفاق المقاتلين غير التابعين لـ”تحرير الشام” بالوقوف على الحياد من المواجهات الجارية بينها وبين “الجيش السوري الحر”، وعدم حملهم السلاح إلا بإذن منها. وبدأ مسلحو “الهيئة”، صباح أمس، هجوماً واسعاً على البوابة الشرقية لجبل شحشبو بريف حماة الشمالي الغربي والذي يضم عدة قرى، بهدف إتباع المنطقة لسيطرة “هيئة تحرير الشام” أمنياً وعسكرياً، ولسيطرة حكومة “الإنقاذ” إدارياً وخدمياً. وذكرت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، أنّ مقاتلي “الجبهة الوطنية للتحرير” تصدوا لهجوم مسلحي “الهيئة” على قريتي سفوهن وترملا، وقتلوا عدداً من المسلحين التابعين لها، واغتنموا آليات عسكرية.

وتأتي هذه التطورات بعد معارك بدأتها “الهيئة” مطلع العام الجديد، وانتهت بسيطرة الأخيرة على القسم الأكبر من ريف حلب الغربي والقضاء على حركة “نور الدين الزنكي” التي تعدّ من مكونات “الجبهة الوطنية للتحرير” التي باتت في خطر حقيقي، إذ رفعت “هيئة تحرير الشام” سقف تحديها للمعارضة السورية، وطالبت بانسحاب الأخيرة من مدن وبلدات ومناطق هامة في محافظة إدلب.

وفي السياق، أكدت مصادر في المعارضة السورية أنّ فصائل المعارضة رفعت جاهزية عناصرها بعد استقدام “هيئة تحرير الشام” حشوداً عسكريةً ضخمة إلى مشارف مدينتي معرة النعمان وأريحا، وذلك بعد فشل المفاوضات التي طالبت بموجبها “الهيئة” بالسيطرة على المدينتين، بالإضافة إلى جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، وهي مناطق تحت نفوذ فصيلي “صقور الشام” و”أحرار الشام” التابعين لـ”الجبهة الوطنية للتحرير”. وأشارت المصادر إلى أنّ “هيئة تحرير الشام” هدّدت، خلال اجتماع عقد مساء الاثنين، فصائل “الجبهة الوطنية” بدخول هذه المناطق بقوة السلاح، في حال لم يسمح لها بالدخول من دون قتال، وتسليم إدارة المدينتين مدنياً وأمنياً لحكومة “الإنقاذ” التابعة لها، وهو الأمر الذي رفضته فصائل “الجبهة الوطنية”، ودعت لاستنفار جميع عناصرها وقواتها العسكرية للدفاع عن هذه المناطق.

كذلك، أشارت المصادر إلى أنّ المجلس العسكري في مدينة معرة النعمان قطع جميع الطرق المؤدية إلى المدينة، ورفع سواتر ترابية، وسط انتشار عشرات العناصر وأبناء المدينة للدفاع عنها ومنع دخول “هيئة تحرير الشام” إليها، والقيام بانتهاكات تطاول المدنيين في المدينة التي طرد أهلها “جبهة النصرة” منها مطلع العام الفائت.

ويبدو أنّ المعارضة السورية تعد العدّة لمواجهة لها ما بعدها مع “هيئة تحرير الشام”، إذ قال المتحدث الرسمي باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، ناجي المصطفى، أخيراً، إنّ “مكونات الجبهة ستقاتل كل يد ستمتدّ إليها”، رافضاً أيّ طرح لحل مكونات الجبهة “عَبْر التهديد أو الابتزاز”.

وتتقاسم “هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة السيطرة على محافظة إدلب ومحيطها، بحيث تسيطر “الهيئة” على مدينة إدلب، مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، إضافة إلى بلدات ومدن وقرى في ريفها، أهمها: جسر الشغور، حارم، سرمدا، سلقين، دركوش، سراقب، خان شيخون. كما تسيطر “الهيئة” على مدينة مورك في ريف حماة الشمالي، والأتارب، ودارة عزة، ودير سمعان وقلعتها التاريخية، ومعارة الأرتيق، والهوتة وعنجارة، ومناطق أخرى من ريف حلب الغربي. في المقابل، تسيطر فصائل المعارضة على جزء من ريف حلب الغربي، ومدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، وجرجناز والهبيط، وأريحا، وكفر تخاريم، وجزء كبير من قرى منطقة جبل الزاوية، ومناطق في ريف حماة الشمالي، منها كفرنبودة واللطامنة وكفرزيتا، إضافة إلى جزء من سهل الغاب، شمال غربي مدينة حماة.

ويبدو أنّ “هيئة تحرير الشام” تستفيد من تباين موجود داخل فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير”، وهو ما سمح لها بالسيطرة على مواقع في ريف إدلب وريف حلب الغربي. وفي هذا الإطار، قال قيادي في “الجيش السوري الحر”، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “هناك عدم تكافؤ عسكري بين الهيئة وفصائل المعارضة السورية، إذ تميل الكفة لصالح الهيئة”، مضيفاً “اغتنمت فصائل الجيش السوري الحر منذ أواخر عام 2011، أسلحة ثقيلة من قوات النظام بما فيها دبابات، ولكن الهيئة سرقت هذه الأسلحة خلال الأعوام الفائتة”.

وأوضح القيادي أنّ “جبهة النصرة قضت على 15 فصيلاً تابعاً للجيش السوري الحر، آخرهم فصيل نور الدين الزنكي، واستولت على أسلحتها”، مشيراً إلى أنّ “أطرافاً إقليمية ودولية تحرّك الهيئة للقضاء على الثورة والمعارضة السورية”. وتابع “(قائد هيئة تحرير الشام أبو محمد) الجولاني ينفّذ مخططاً للقضاء على الثورة، وهو ينتصر برضى بعض الأطراف، وينتصر بالإجرام كما يفعل نظام بشار الأسد، ولكنه لن يستطيع القضاء على الثورة، والسواد لن يعم شمال غربي سورية”.

من جانبه، أشار المحلل العسكري، العميد أحمد رحال، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أنّ “هيئة تحرير الشام هي الفصيل الأكبر، بينما فصائل المعارضة السورية تقاتل منفردة”، مضيفاً أنّ “لا تعاون ولا تنسيق ولا توحيد صفّ بين هذه الفصائل”.

ومن الواضح أنّ الطرق الدولية التي تمرّ في محافظة إدلب هي الهدف الرئيسي لمسلحي “الهيئة”، ولا سيما طريقي حلب – الساحل السوري وحلب – حماة، ومنها إلى العاصمة دمشق، والتي من المفترض أن يتم افتتاحها، وفق اتفاق سوتشي المبرم في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي بين الأتراك والروس والذي يشمل محافظة إدلب ومحيطها.

واللافت أنّ “هيئة تحرير الشام” تسير على خطى النظام السوري في تهجير مقاتلي المعارضة والمدنيين في المناطق التي تسيطر عليها، حيث تخيّر هؤلاء بين الخضوع لها بشكل مطلق، أو النزوح إلى منطقة “غصن الزيتون” التي تضم مدينة عفرين وريفها، شمال غربي حلب. وقد اضطرّ سكان مدينة الأتارب، غرب حلب، بعد حصار واستهداف المنازل بالرشاشات الثقيلة من قبل مسلحي “الهيئة”، للتوقيع، السبت الماضي، على اتفاق نصّ على السماح للأخيرة بدخول المدينة وتهجير المسلحين المعارضين إلى منطقة عفرين. وتكرّر الأمر، الإثنين، في بلدة حزانو في ريف إدلب، حيث أُبرم اتفاق مماثل جنّب البلدة القتال مع “الهيئة”.

وهجّر النظام على مدى أعوام، عشرات آلاف السوريين من مناطقهم إلى الشمال السوري، ضمن سياسة التسويات و”المصالحات”، التي بدأت “هيئة تحرير الشام” بتطبيقها في شمال غربي سورية، تمهيداً لتحويله إلى منطقة نفوذ لـ”الهيئة” بلا منازع، تفرض فيها قوانينها المتشددة.

المصدر: العربي الجديد – أمين العاصي