أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » يستمر لسبعة أيام منتهياً برأس السنة: “الباتزمي” .. أشهر أعياد الإيزيديين

يستمر لسبعة أيام منتهياً برأس السنة: “الباتزمي” .. أشهر أعياد الإيزيديين

القامشلي – كحال أغلب الأقليات الدينية في سوريا، اكتنف الغموض معتقدات الإيزديين وشاعت حول عقيدتهم وطقوس عباداتهم قصص متخيلة في معظمها بسبب التغييب الذي اختبرته كثير من ثقافات من مكونات النسيج السوري الطائفية والإثنية منذ عدة عقود. إلا أن هذه الحالة تغيرت مع التطورات الميدانية التي حدثت بعد العام 2011 ولاحقاً مع خروج عدة مناطق عن سيطرة النظام.

ففي مناطق الإدارة الذاتية التي حظيت بأمان نسبي في السنوات الماضية، بات من المعتاد أن يحتفل الإيزدييون بأعيادهم علانية، ويتشاركوا إحياء طقوسها مع جيرانهم من مسلمي المنطقة ومسيحيها. آخر هذه الأعياد كان عيد “الباتزمي” الذي تم إحياء طقوسه على مدار الأسبوع الماضي لينتهي اليوم بحلول رأس السنة الإيزيدية. فما هو هذا العيد؟ وما هي طقوسه التي تُمارس في هذه الفترة من كل عام؟

 عيد “بيري آري”; “بابا نويل” الإيزديين

يرى جابر جندو (أحد وجهاء الإيزيديين في المنطقة) أن هذا العيد يتمحور حول شخصية بيرالي أو (بيري آري) الذي يتمتع بمنزلة تشابه منزلة القديسين في المسيحية، ونظراً لارتباط العيد بشخصيته التاريخية والكرامات التي تنسب له، فمن الممكن تشبيهها بشخصية بابا نويل ورمزيتها في فترة عيد الميلاد ورأس السنة التي يحتفل بها العالم كل عام.

يوضح جندو أن الإيزديين يحرصون حتى يومنا هذا على جلب الخميرة اللازمة لإعداد الخبز الخاص بإحياء طقوس العيد من أحد بيوت البير المنتمي لسلالة بيرالي، إذ يعتبر إعداد الخبز المقدس أحد الطقوس الأساسية لهذا العيد الذي يستمر لسبعة أيام.

احتفاء ببداية الخلق

“يباشر الإيزدييون طقوس عيد الباتزمي عادة يوم الأحد الذي يتزامن مع دخول الأسبوع الثاني بعد رأس السنة الميلادية، لتستمر أسبوعاً كاملا حتى تاريخ 14 من كانون الثاني من كل عام، حيث يبدأ رأس السنة الإيزيدية” وفقاً لما يوضحه جندو لموقع الحل.

ورغم أن عيد الباتزمي يتزامن مع عيد الميلاد (الشرقي)، كما أن انتهاءهُ  برأس السنة الإيزيدية في الـ14 من كانون الثاني يتزامن مع رأس السنة المسيحية وفق التقويم الشرقي ( الذي تحتفل به عدد من الكنائس المسيحية الشرقية)، إلا أن المصادر الإيزيدية توضح اختلافه من الناحية الدينية عن بقية الأعياد، حيث أن باتزمي تعني بالكردية “تجمد بدون خميرة، أو تجمد بدون شيء” بحسب معتقداتهم يشير ذلك إلى: “مرحلة بداية الخلق، وكيف أمر الله أن تتجمد الأرض وأن تتحول إلى يابسة بدون أن تحتاج إلى شيء إضافي، كما أن له علاقة بخلق الملائكة السبعة والكون والنور”.

طقوس العيد.. تبدأ بالطهارة وتنتهي بمأدبة رأس السنة

يسمى اليوم الأول من طقوس العيد و الذي يصادف يوم الأحد وفق جندو بـ(جل شو) ما يعني حرفيا باللغة الكردية غسل الملابس، لكنه يعني في هذا العيد تخصيص يومٍ للنظافة والطهارة التي تعم المنزل وأفراد العائلة، إذ لا يقتصر فقط على النظافة الشخصية و غسل الملابس، بل يشمل تنظيف المنزل وجميع الاستعدادات التي تجرى تمهيداً لاستقبال الضيوف في الأيام التالية.

يتبع يوم الأحد يوما الاثنين والثلاثاء الذين يحملان اسم “خيرا مريا” وفقاً لجندو، ويعني ذلك الخيرات التي توزع عن روح الأموات (تقابلها الصدقات في الإسلام) وقد تكون ملابس أو فاكهة أو طعاماً مختلفاً عن المعتاد، بحيث يشترط أن توزع الحصص بالتساوي على الناس دون العودة إلى خلفياتهم أو أديانهم، بالإضافة إلى خبز خاص بالمناسبة، يسمى خبز الأموات، وكما تشير تسميته يتم توزيعه عن روح الأموات، ويشترط فيه أن تجلب خميرته من بيت أحد الشيوخ الإيزيديين، يعود توزيع الصدقات عن روح الأموات إلى الاعتقاد بأن “هذه الخيرات تعين الأموات في تلك الدنيا، وتخفف عنهم الخطايا”.

يأتي بعد ذلك يوم الأربعاء الذي يسمى “بزكوشتن” أو يوم التضحية كما يوضح جندو، حيث يجري فيه التضحية بدابةٍ معافاة، مع تفضيل أن تكون الأضحية عجلاً، لكن لا حرج على الفقراء ممن لا يستطيعون، حيث يكلف كل شخص بحسب استطاعته، كما يبدأ بعض الناس بالصيام في هذا اليوم، الذي يوضع فيه الصاج على الموقد، من ثم يتم إعداد الخبز المقدس أو “الصوك” وهو عبارة عن خبز مصنوع من الطحين والحليب والسمنة و لا بد من جلب خميرته من بيت (بير) ينتمي لسلالة البيرالي.

بعد ذلك يتم تقسيم الذبيحة إلى قسمين عام وخاص، يسمى القسم الخاص بـ”البارجا” ويضم سبعة أجزاء من الطرف الأيمن للذبيحة التي تطبخ وتوضع في مكان نظيف ولا تؤكل إلا بعد أداء طقس خاص في اليوم التالي.

أما القسم العام فيجوز توزيعه كما يجوز أكله بحسب الحاجة، ولكن يستثنى من ذلك الرأس والرقبة التي تطبخ مساء السبت وتؤكل يوم الأحد في رأس السنة، كما يستثنى أيضاً الفخذ الأيسر للذبيحة والذي يتم طهوه صباح يوم الأحد.

يسمى الخميس بيوم التجوال “الكَّر”، وفي هذا اليوم يرتدي الناس منذ الصباح الباكر أجمل ثيابهم، بينما يحمل الأطفال أكياساً ليضعوا فيها ما يتلقون من هدايا، حيث يبدأ الناس بزيارة بعضهم، بينما يبقى في البيت شخص لاستقبال ضيوفه، وفي هذا اليوم تُحَلُّ غالبية المشكلات الاجتماعية أياً كان حجمها، فحتى حوادث القتل قد تحل في هذا اليوم “حين تتصافى القلوب”، وفقاً لما تؤكده المصادر الدينية.

عندما يحل المساء وقبل مغيب الشمس. تتحضر العائلة بعد تجهيز قناديل خاصة مصنوعة من القماش ومغمسة بدهن الذبيحة التي جرى ذبحها قبل يوم، وتكون القناديل بعدد أعضاء الأسرة، وعندها يتقدم الجميع بعد وضع 7 أشياء أمام القناديل من بينها 7 أجزاء من لحم الذبيحة “البارجا” والخبز الخاص، مع الزبيب أو التمر، إضافة إلى الخبز المقدس (الصوك)، مع المهير (حبات القمح غير المطحون والمقشر الذي يطبخ مع اللبن ويضاف له الدهن) من ثم يتقدم كبير العائلة سواء أكان رجلا أو امرأة العائلة، ليبدأ الجميع بالدعاء. 

الجمعة والسبت يوما استراحة ويأتيان بعد أيام من التعب نتيجة أعمال التنظيف واستقبال الضيوف، كما أن الناس تزور بعضها في هذا اليوم.  وفي مساء السبت، يتم طبخ رأس الذبيحة ورقبتها لكي تكون جاهزة لليوم التالي.

ياتي يوم الأحد “سرسال” ليتوج هذه الطقوس كآخر أيام العيد ورأس السنة الجديدة، حيث يطبخ “فخد رأس السنة”، ومن ثم يقدم للأكل بعد توزيع قسمٍ منه على الفقراء، حيث يستمر الناس بزيارة القبور وترديد الدعوات وأقوال الشيوخ.

ويلفت جندو أخيراً إلى أن غالبية من يحتفلون بهذا العيد هم من قبائل الجيلكا الذين يستقرون في تركيا و سوريا وجبال سنجار (شنغال) في إقليم كردستان وبلاد المهجر.

وعادة ما ينتهي العيد بجملة يرددها جميع الإيزدييون “سرسال أو باتزميا وه بيروزبه” أي: “مبارك عليكم  عيد الباتزمي ورأس السنة”.

إعداد: جوان علي – تحرير: سارة اسماعيل

المصدر: الحل السوري