أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » إنهيار “أسطورة بوتين”؟ بقلم بسام مقداد

إنهيار “أسطورة بوتين”؟ بقلم بسام مقداد

في نهاية السنة المنصرمة، قام موقع وكالة نوفوستي المخصص للترجمات عن الصحافة العالمية، بنشر مقالة تحت عنوان “أبو علي بوتين الحبيب”، أشار خلالها إلى عشرة مقالات من الميديا العربية، أكد أنها كانت الأكثر انتشاراً خلال العام المنصرم. واشار الموقع في تقديمه للمقالة بالقول، أن العرب في العام 2018 كانوا يعبرون مجدداً عن إعجابهم بمواهب بوتين السياسية وبالجيش والسلاح الروسيين. وقال بأن الموقع كان يتابع طوال السنة شبكات التواصل الإجتماعي العربية، وكيف يتفجر الفايسبوك بالتعليقات عن الأبله ترامب وعن “العريس اللائق أبو علي بوتين”.

قد تكون هذه حال مواقع الفايسبوك العربية، التي كان يتابعها موقع نوفوستي، لكنها ليست حال مواقع الفايسبوك الروسية، التي علقت على كلمة الرئيس بوتين إلى الشعب الروسي ليلة رأس السنة. فقد ذكر موقع “FAKTY” الأوكراني أن قناة التلفزة الرسمية الأولى نشرت على موقعها في الفايسبوك شريط فيديو عن كلمة بوتين، فحصلت خلال ساعتين فقط على 75 ألف “لا إعجاب” وموجة من التعليقات السلبية، مما اضطر المشرفين على الموقع لوقف تعداد التعليقات، حسب الموقع المذكور.

لكن ما حدث ليلة راس السنة على شاشة قناة التلفزة الروسية المعارضة “DOJD” كان، بالتأكيد، اشد وقعاً من جميع التعليقات السلبية على كلمة بوتين. فقد بثت هذه القناة، بدلاً من كلمة بوتين، كلمة لممثلة المسرح الروسية الشهيرة ليا أخدجاكوفا، توجهت فيها بتهنئة صادمة للروس بحلول السنة الجديدة. قالت هذه الممثلة “تنتهي سنة قاسية أخرى، عشناها رغماً عن سلطة النهب. في هذه السنة كانت البلاد تتعاطى المنشطات رزماً، وكانت تسمم مواطني بريطانيا، وتُعرض للخطر حياة رواد فضاء أميركيين، أي أنها كانت تفعل كل ما سيرتب على جيلهم والجيل القادم من الروس الإعتذار عنه أمام العالم أجمع، على قولها.

وتطلب الممثلة من الروس أن يعتذروا من بعضهم البعض لعدم إدراكهم لما يدور في روسيا ولعدم قيامهم بواجب المواطنة، ولتصويتهم الخاطىء في الإنتخابات. وتقول “فيلعتذر كل منا أمام الآخر … ولنعتذر جميعاً أمام الأجانب لكوننا روساً”.

تقول وكالة الأنباء الروسية “FAN”، أن الممثلة أخدجاكوفا رفضت التعليق على رسالتها المذكورة في راس السنة، وأشارت إلى أن شريط الفيديو المعني غير متوفر حتى على موقع القناة، التي بثته. لكن الوكالة تستضيف أحد العاملين في مجال الفن ليستنكر دعوة الممثلة مواطنيها للإعتذار عن كونهم روساً، ويقول بأنه يمكن للمرء ألا يحب السلطة في وطنه، لكنه لا يمكنه ألا يحب وطنه، ويدعو الروس إلى “تقدير ما أنتم عليه”.

ويعترض أحد الكتاب السياسيين الروس، كما نقلت عنه صحيفة “News.ru، على استخدام بوتين في مخاطبته الروس في رأس السنة بكلمة “نحن”. ويقول ليس من “نحن”، ثمة أنت وأصدقاؤك وبيروقراطيتك وأجهزتك الأمنية، الذين يسعون مع الكهنة، من أجل اغتنائهم، إلى إعادة روسيا إلى القرن السادس عشر. أما “نحن”، أي أولئك الذين يحاولون، على رغم من كل العوائق “التي تضعها دولتك” في طريقهم، إدخال روسيا في القرن الحادي والعشرين.

وبعد أن يتهم الرجل بوتين وبيروقراطييه وأجهزته الأمنية بالعجز عن حل أية مهمات في مجالات الإقتصاد والعلم والتكنولوجيا والصحة والتعليم، يقول أنه، بفضل هؤلاء جميعا “لا نزداد نحن، مواطنو روسيا، إلا فقراً “. ويقول هذا الكاتب السياسي، أن بوتين وفريقه تعمدوا تخفيض قيمة الروبل وزيادة الضرائب ونهب أموال صندوق التقاعد، ويؤكد “معك لا نشعر بالتغيير سوى إلى الأسوأ”.

وينقل الموقع عينه عن أحد السوسيولوجيين الروس تساؤله، في مدونته على الفايسبوك، ما إن كانت ” الثورة البورجوازية ضد الجهاز البيروقراطي ممكنة” في روسيا. ويقول هذا السوسيولوجي، أن الجهاز البيروقراطي في روسيا، منذ العهد السوفياتي، هو الطبقة الحاكمة، وقد اغتنى في السنوات الأخيرة غنى أسطورياً وعزز سلطته. أما رجال الأعمال، على العكس، فقدوا نفوذهم، وأصبحوا مرتبطين كلياً بالجهاز البيروقراطي (بما فيه أجهزة المخابرات). ويقول بأن البيزنس في روسيا ينقسم إلى بيزنس غير محظوظ وآخر محظوظ، هو جزء من الجهاز البيروقراطي عملياً. ويتزايد في الفترة الأخيرة تناقض عدائي طبيعي بين الأول والثاني، بين رجال الأعمال وعملاء الجهاز البيروقراطي في السوق، مما يوفر شروط ثورة البورجوازية مع غالبية السكان، على الجهاز البيروقراطي “إذا توفرت لها الظروف الذاتية”، على قوله.

أما أندريه بيوتكوفسكي السياسي المعارض، والعضو السابق في مجلس التنسيق للقوى المعارضة، والذي خرج من روسيا إثر المضايقات التي تعرض لها، فيقول لموقع “kasparov” المعارض الخميس في 3 من الشهر الجاري، بأن “اسطورة بوتين قد ماتت”. يقول هذا السياسي إن ما يميز العام المنصرم، ليس حدثاً معيناً بذاته، بل عملية تراكمية تواصلت على مدار السنة، لحظها مراقبون كثيرون، وكل يطلق عليها تسمية مختلفة، لكنه يحددها هو بأنها عملية “موت أسطورة بوتين”. ويقول، بأن كل نظام تسلطي لا يقوم على العنف وحده، بل يقوم أيضاً على اسطورة ما تُقدم للرعايا كي يتحملوا هذا النظام. ويقول بأن الروس يتذكرون جيداً خريف العام 1999، حين حدثت تفجيرات المساكن واندلعت حرب الشيشان، وقامت الكلبتوقراطية (حكم اللصوص) الحاكمة، عبر جهاز التلفزة، بخلق أسطورة ضابط المخابرات الشاب البطل، الذي يحمي الروس من الإرهابيين، الذين يفجرونهم في مساكنهم، ويرسل الكتائب الروسية المظفرة إلى القفقاس، على قوله.

لكن هذه الأسطورة لفظت أنفاسها في السنة الماضية، إذ تشير جميع الإستطلاعات وتحليلات ما يكتبه الناس في شبكات التواصل الإجتماعي وفي الصحف، إلى أن هذه الأسطورة عن القائد البطل، التي عاشت 19 عاماً، قد انتهت، على قوله. وقد أصبح الجميع يدرك المأزق الشامل لسلطة النهب البوتينية، وغياب اية ضمانات إجتماعية وآفاق للمستقبل، ويردد جميع المحللين بصوت واحد بأنه قد حان أوان رحيل السلطة، على قوله.

بين هاتين الصورتين للرئيس الروسي بوتين يبرز السؤال الطبيعي: هل ينقذ “أبو علي بوتين الحبيب” في الشرق الأوسط “اسطورة بوتين” من الإنهيار في روسيا؟



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع