أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » “أرجوك لا تستأصل رحمي”.. حكايات طبيب متطوع بمناطق القتال

“أرجوك لا تستأصل رحمي”.. حكايات طبيب متطوع بمناطق القتال

“أحيانا حربنا داخل قاعة العمليات لا تقل ضراوة عن الحرب المشتعلة بالجبهات”.. تلك هي القناعة التي ما فتئ الطبيب المغربي زهير لهنا يعبر عنها وهو يزور مخيمات النازحين أو اللاجئين.

أحمد حموش

الدكتور لهنا، وهو طبيب متخصص في طب النساء والتوليد، اختار المسار التطوعي برفقة الجمعيات والهيئات المتخصصة لتقديم الدعم والمساعدة للمحتاجين إليها في مناطق الحروب والأزمات تحديدا، ولم يقتنع بالارتهان لوظيفة بين الجدران.

والمتتبع لمسار الدكتور لهنا، يعرف أنه ما يكاد يسمع بتفجر أزمة إنسانية في أي مكان حتى يعد حقيبته للسفر إليها لتقديم ما يستطيع من مساعدة طبية في مجال تخصصه، إذ زار فلسطين وقطاع غزة مرات عدة خلال اعتداءات إسرائيل، كما زار مخيمات اللاجئين السوريين في الزعتري وحلب، وزار أيضا ليبيا والهند وأفغانستان.

وفي 2004 زار لهنا الكونغو حيث أجرى عمليات جراحية لترميم ما خلفته الولادات المستعصية من أضرار للأمهات لكي يعشن حياة طبيعية.

وكان يكفيه أن يتابع أعماله داخل كبريات المستشفيات الفرنسية والمغربية، وقد شغل منصب رئيس المصحة التابعة لجامعة باريس السابعة، ومنصب نائب منظمة الدعم الطبي بفرنسا، وهو عضو في الفرع الفرنسي لمنظمة أطباء بلا حدود، لكنه فضّل تقديم يد العون لمن يعانون من مآسي الحروب.

ويستغرب كثيرون كيف لمناطق تعاني من ويلات القتال أن تكون بحاجة إلى متخصص في طب النساء والتوليد، ويجيب هو عن ذلك بتدويناته على فيسبوك قائلا إن الحروب ومآسي اللجوء والنزوح لا تمنع الناس من التشبث بالحياة.

وإذا كانت القذائف والصواريخ تحصد الأرواح، فأيدي الدكتور لهنا ورفاقه تتلقف الحياة وتعبر بها إلى بر الأمان.

مآس

وخلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، سافر لهنا إلى اليمن، وبمجرد وصوله إلى مستشفى كرا، بضواحي مأرب الذي يعاني من اكتظاظ شديد ومن نقص الأطباء والمعدات، فوجئ بدعوته لمتابعة وضع سيدة في مقتبل الشباب تعاني من نزيف ما بعد الولادة ومن تمزق بالرحم. وسرعان ما شرعت تتوسل إلى الطبيب أن لا يستأصل رحمها، حتى لا تضيع حياتها الأسرية، وخاطبته قائلة “أرجوك لا تستأصل رحمي، لا أريد لحياتي أن تتحطم”.

يحكي الطبيب أنه قام بالإجراءات الضرورية تحت متابعة الطبيبات والقابلات اللواتي يرغبن في استغلال المناسبة لتعلم مهارات جديدة في التعامل مع الحالات الصعبة، فنجح في رتق تمزقات الرحم، ورسم الابتسامة على وجه السيدة التي كادت تفقد آمالها في الإنجاب ثانية.

سيدة أخرى، في مستشفى مأرب، حامل بتوأم في الشهر الثامن، اكتشف الدكتور لهنا أنهما ماتا بسبب وصفة طبية خاطئة، فاضطر لإجراء عملية قيصرية لإخراجهما وإنقاذ حياة الأم، ثم يحكي أنه وقف يتأمل في أن سفره هو وغيره من الأطباء المتطوعين إلى مثل هذه الأماكن النائية التي تعاني من ويلات الحروب مهم جدا لإنقاذ حياة الناس، الذين إن نجوا من القنابل والرصاص، لا يكادون ينجون من الوصفات الطبية الخاطئة أو غياب الرعاية الطبية من الأساس.

قذائف

في اليمن، أصوات القذائف والرصاص تسمع من بعيد، حتى في المناطق التي تكون بعيدة عن ساحات القتال، وفيما يبدو الدكتور لهنا منشغلا بتلك الأصوات في المنطقة التي يوجد بها، يستمر جيرانه من اليمنيين في ممارسة أعمالهم اليومية.

وفي أحد الأيام، وهو خارج من المستشفى، شاهد طفلين يحملان رشاشي كلاشينكوف، وكان ذلك من المشاهد التي أثرت فيه بشكل كبير، وهو الذي اعتاد في المغرب ودول أوروبا على مشاهدة أقرانهما يحملون محافظهم متوجهين نحو المدارس، وليس نحو ساحات القتال التي حصدت أرواح كثير من الأطفال المشاركين فيها.

وعند جولاته بعدد من المستشفيات، كان يفاجأ بالعدد الكبير من المدنيين من ضحايا الألغام، وخاصة الأطفال، وسبق لهيومن رايتس ووتش أن أعلنت قبل شهور أن الألغام الأرضية في اليمن تسببت في قتل وتشويه المدنيين، وإعاقة حياتهم، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليهم.

تدريب

ولا تقتصر تدخلات الدكتور لهنا على العمليات الجراحية الطارئة، بل يحرص على أن ترافقه الطبيبات والقابلات في مراحل مختلفة من العمليات الجراحية والتدخلات الطبية لاكتساب مهارات التعامل مع الحالات المعقدة.

وبموزاة مع ذلك، يعمل على تنظيم لقاءات تدريبية في الإسعاف خلال الحمل والتوليد في كل المناطق التي زارها متطوعا، وهو خلال تلك العمليات التطوعية يردد الآية الكريمة “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.

والكثير من القابلات وحتى الطبيبات يحتجن للاستفادة من خبرات وتجارب أخرى في التعامل مع الأوضاع الطارئة التي تفرضها الحروب والقلاقل الأمنية.

الروهينغا هم أيضا استفادوا من خبرة الدكتور لهنا خلال زيارته مخيماتهم في بنغلاديش في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، حيث وصف في تدوينة له أوضاعهم بأنه “يستحيل وصفها”.

قبلها بعام، بادر عام 2016 بفتح عيادة في الدار البيضاء المغربية لتقديم العلاج للفقراء واللاجئين السوريين والأفارقة بالمجان.

تلك التجارب المختلفة في دول دمرتها الحروب التي لا تكاد تنتهي حتى تبدأ، علمته أن هناك خيطا رفيعا بين الحياة والموت، وقوّت علاقته بالله وبالإيمان بالقضاء والقدر، وأكدت له -ولغيره- أن أي طبيب يسافر إلى تلك المناطق هو بلسم حياة قد ينقذ أرواح كثير من الأبرياء.