أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » فرنسا: 1.2 مليون امرأة تعرضن للاعتداء الجنسي في 2017

فرنسا: 1.2 مليون امرأة تعرضن للاعتداء الجنسي في 2017

عودة إلى المنطقة الآمنة في سورية
عمر كوش
20 يناير 2019

كاتب وباحث سوري، من مؤلفاته “أقلمة المفاهيم: تحولات المفهوم في ارتحاله”، “الامبراطورية الجديدة: تغاير المفاهيم واحتلاف الحقوق”

عاد الحديث مجدداً بشأن المنطقة الآمنة في شمالي سورية، وجاء من الطرف الأميركي هذه المرة، في تغريدة أطلقها الرئيس دونالد ترامب، وتلقفها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي سارع إلى الاتصال بنظيره الأميركي، محاولاً بناء تفاهم معه حولها، بوصفها مطلباً تركياً، طرحه شخصياً قبل أربع سنوات، ولم تسنح الظروف الدولية والإقليمية لإشادتها في أكثر من مناسبة.
وأثارت العودة إلى المنطقة الآمنة حفيظة (ورفض) القوى المسيطرة على مناطق شمالي شرق سورية، ممثلةً في مليشيات الحماية الكردية، وما يعرف بمجلس سورية الديمقرطية، والإدارة الذاتية، وتعد جميعها من مخرجات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية. كما سارع نظام الأسد الإجرامي إلى رفضها، واعتبرها مسّاً بسيادته المفقودة منذ ثماني سنوات.
وتأتي العودة إلى المنطقة الآمنة في وقتٍ استكملت فيه تركيا حشد وحداتٍ كبيرة من جيشها على طول حدودها الجنوبية، المقابلة لمناطق سيطرة مليشيات الوحدات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) في سورية، وتتوعد بالقيام بعمليةٍ عسكريةٍ ضدها في منبج، وفي مناطق شرق الفرات، وذلك على خلفية قرار الانسحاب، سواء الفوري أو البطيء، الذي اتخذه ترامب، وظهر بمثابة تخلٍّ عن دعم هذه المليشيات التي اتخذتها الولايات المتحدة حليفاً أساسياً في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتركها تواجه مصيرها وحدها، مثلما فعلت مع فصائل المعارضة السورية في أكثر من موقع ومناسبة، عندما تخلت عنها، وأرسلت رسائل واضحة إليها، مفادها أن لا تتوقع أي دعم أميركي حيال الهجمات الذي شنها تحالف النظام البوتيني مع النظام الإيراني ونظام الأسد ضدها في مختلف الجبهات، وانتهى أمر معظمها بالذوبان، وسلّمت أسلحتها، وانخرطت في تسويات روسية لصالح نظام الأسد. ولذلك تبدو عودة الإدارة الأميركية
“تصور المنطقة الآمنة التي طرحها ترامب يختلف عن التصورات التي يطرحها الساسة الأتراك”
إلى طرح المنطقة الآمنة بمثابة محاولة للملمة آثار قرار ترامب سحب قوات بلاده من سورية، إذ اصطدمت بالفراغ الذي سيحدثه هذا القرار، وبتبعاته وارتداداته على مختلف القوى الخائضة في القضية السورية، حيث يتحضر كل من نظامي الأسد وإيران لملء هذا الفراغ، بدعم من حليفهما نظام بوتين، فيما يحشد الأتراك قواتهم، ويتحضرون لمعركةٍ في منبج وشرقي الفرات. وبالتالي، فإن إقامة منطقة آمنة، تفصل ما بين تركيا ومليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي، تعد مخرجاً مقبولاً تركياً، كونه يبددّ مخاوفها الأمنية من جهة أولى، ويحافظ على موقعٍ للمليشيات المدعومة أميركياً من جهة ثانية.
ويحقق المخرج الأميركي بالعودة إلى المنطقة الآمنة، المعادلة التي طرحها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قبل أيام قليلة، خلال جولته في المنطقة، وتقضي بتأمين “الحماية للأكراد في سورية، مع السماح للأتراك بالدفاع عن بلادهم ضد الإرهابيين”. وهو مخرج أرضى الساسة الأتراك، وخفف من وقع تغريدة ترامب عن تدمير “تركيا اقتصادياً إذا هاجمت الأكراد”.
غير أن تصور المنطقة الآمنة التي طرحها الرئيس ترامب يختلف عن التصورات التي يطرحها الساسة الأتراك، إذ يريد الرئيس الأميركي إنشاء حزام أمني، يفصل بين حشود القوات التركية على الحدود السورية والمناطق التي تسيطر عليها مليشيات الوحدات الكردية في شمالي شرقي سورية. لذلك لم تحسم الأمور بشأن هذه المنطقة بعد، ولم تعرف كل التفاصيل بشأنها، إذ ستظهر خلافات عديدة عند وضع الخرائط بين العسكريين الأميركيين والأتراك، وهو ما يفسّر الصمت الذي أعقب لقاء رئيس هيئة الأركان التركية، ياشار غولر، مع نظيره الأميركي جيمس دانفورد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو).
في المقابل، تطمح الأوساط السياسية التركية إلى أن تمتدّ هذه المنطقة على طول 460
“أسئلة عديدة تُطرح بشأن المنطقة الآمنة، وخصوصا من أين تبدأ وإلى أين ستنتهي؟”
كيلومتراً، بدءاً من المثلث الحدودي بين سورية والعراق وتركيا عند مدينة القامشلي في أقصى الشمال الشرقي، مروراً بمدن وبلدات كل من الحسكة ورأس العين وتل أبيض وعين العرب، وصولاً إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات المقابلة لمدينة جرابلس. ولكن هذا الطموح التركي يصطدم بمواقف الأطراف الأخرى، ويتطلب تفاهماتٍ دوليةً وإقليمية، وخصوصا مع دول محور أستانة، حيث من المنتظر أن تكون المنطقة الآمنة حاضرةً بقوة على جدول أعمال اللقاء المرتقب في موسكو، بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 23 يناير/ كانون الثاني الجاري.
ويبدو من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن موسكو لا تعارض فكرة “المنطقة الآمنة”، انطلاقاً من أنها تراعي “المصالح الأمنية لدول المنطقة، بما فيها تركيا”، على الرغم من تكراره النغمة البائسة التي اعتاد عزفها في كل مناسبة، بشأن “الحفاظ على وحدة الأراضي السورية”. ومع ذلك، فإن أسئلة عديدة تُطرح بشأن المنطقة الآمنة، وخصوصا من أين تبدأ وإلى أين ستنتهي؟ ومن يشرف على إدارتها وحمايتها؟ وهل ستغطى دولياً أم أممياً؟ وما هو وضعها القانوني؟ وسوى ذلك.
ومهما كانت حيثيات العودة إلى المنطقة الآمنة، فإن من الصعب القول إن طريقها بات سالكاً، هذه المرة، نحو الإشادة والتحقق على الأرض، إذ إنها تتطلب ليس فقط توافقاتٍ دوليةً وإقليميةً، بل دعماً لوجستياً ومادياً من الأطراف الخائضة في القضية السورية، إضافة إلى عدم إمكان التكهن بمواقف الرئيس ترامب الذي عادة ما يتخذ قراراته منفرداً، وقد يتراجع عنها بعد حين، نظراً إلى طبيعته وتركيبته، وميله إلى صنع المفاجئ واللامتوقع، بل وإثارة الزوابع والعواصف، إذ يمتلك قدرة استثنائية في الاستعراض، وخطف الأضواء وخلط الأوراق.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع