أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » نهاية بخيل

نهاية بخيل

عرفته من أكبر تجار الذهب بالإسكندرية صاحب محلات بشارع السكة الجديدة. كنت في منتصف الثمانينات صديقاً لأصغر أبنائه الأربعة.
كان رجلاً بخيلاً وشديداً على أهل بيته، يحكم قبضته على حركة أبنائه ويعُد عليهم أنفاسهم. لم يكن بخيلاً في المال فقط، بل بخيلاً حتى في الكلام.. في المشاعر.. في الابتسام. كان قصيراً نحيلاً نافر العروق، وكان وجهه جامداً بارداً كأنه يلبس قناع.
وكان تقتيره على أبنائه بادياً في ملابسهم الرثة، وكتب الدراسة المستعملة التي يستخدمونها.
كبر سن الرجل، وضعفت قوته، وتراخت عن أبنائه قبضته، ولم تعد قواه البدنية والذهنية تسعفه في إدارة تجارته. تولى ابنه الأكبر إدارة محلات الذهب، وبدأت مغاليق الخزائن تفتح أبوابها، وبدأت الزوجة والأولاد يمسكون في أيديهم الأموال. تغيرت حياتهم، وأحسوا أنهم في سباق لتعويض ما فاتهم من حرمان.
بدأ الأولاد ينفقون ببذخ علي ملابسهم وحياتهم الخاصة، أما الأم التي أسَّرَتْ لي يوماً أنهم كانت تمر عليهم أياماً لا يذوقون من الطعام إلا العسل الأسود (عسل قصب السكر)، فقد بدأت تعوّض ما فات في الإنفاق ببذخ على الطعام.
الرجل الذي صار حبيس البيت، بعد أن أصابته الشيخوخة بأمراضها، بدأ ينظر بعينيه إلي أمواله التي ينفقها أهل بيته.
أدرك الرجل أنه خرج من حياته بصفقة المَغْبُون، فقد حرم نفسه متع الحياة الحلال، وهو قادر عليها بأمواله وصحته وعافيته، ولما أراد أن يعوّض ما فاته من متع، وجد ماله.. ولكن؛ لم يجد معه الصحة والعافية.. فأي فائدة؟!
حاول أن يشارك زوجته وأولاده متعة الإنفاق التي حرم نفسه منها طول عمره.. ولكن فيم ينفق؟ هل ينفق على الملابس؟
أين يلبسها وهو حبيس البيت! هل ينفقها علي نزهاته وأسفاره؟
لقد خارت قواه ولم يعد يقوى علي الحركة والسفر. هل يجتمع مع أصحابه على المقهى؟ لم يفعلها يوماً خشية الإنفاق. كما أن البخل لم يبق له صديقاً. إذاً.. فيم ينفق ليعوض ما فاته؟
أفرغ كل حرمان السنين فقط في شهوة الأكل. كان يأكل فوق طاقة معدته الضامرة وجسده النحيل، ويظل يأكل ويأكل حتى تفيض معدته ويتقيأ ويتقزز منه زوجته وأبناؤه. أصبحوا يعطونه مقادير محددة من الطعام ويخفون الباقي.. آذاه هذا التصرف، وازدادت عصبيته، وزاد نهمه لطلب الطعام .
كان يغافل أبناءه ليلاً ويدخل المطبخ ليفرغ ما في الأواني في معدته، ويأكل ويأكل، ثم يتقيأ. صنع الأولاد قفلاً للمطبخ والثلاجة، فازداد هياجه، ولم تعد الحياة معه تُطاق. وكانت النهاية: خَرَفٌ وانفرادٌ ووحشةٌ في دارٍ للمسنين.
إنها نهاية رجل بخيل..
كلما تذكرتُهُ تذكرت معه قول سيدنا علي بن أبي طالب: عجبت للبخيل، استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغني الذي إياه طلب، يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.

نهاية بخيل
محمود صقر (مصر)
15 يناير 2019