أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » بلدة العريمة… «خريطة متحركة» للخصوم والحلفاء شمال سوريا

بلدة العريمة… «خريطة متحركة» للخصوم والحلفاء شمال سوريا

في مدخل بلدة العريمة على بعد 50 كيلومتراً شرق حلب، هناك نقطة مراقبة ترفرف فوقها رايات روسيا وسوريا و«مجلس الباب العسكري» المنضوية في صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من أميركا. وهذه البلدة السورية الوحيدة التي تلتقي على أرضها قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، مع القوات الروسية العاملة عند قرية آليالني وتقع على بعد 5 كيلومترات شمال البلدة.

العريمة منقسمة منذ بداية 2018، تنتشر فيها ثلاث جهات عسكرية كانت على النقيض بالحرب الدائرة في سوريا؛ لكن التهديدات التركية غيرت خريطة الأعداء والحلفاء المتحركة، حيث تراقب الشرطة العسكرية الروسية مهمة قوات حرس الحدود أو ما تسمى محلياً «الهجانة» الموالية لدمشق، تسيير الدوريات المشتركة مع «مجلس الباب العسكري» الذي يدير البلدة عسكرياً.

في 25 من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018، وبطلب من «قوات سوريا الديمقراطية»، عاد مركز التنسيق الروسي مع وحدة من الجيش السوري إلى مواقعها في العريمة، وانتشرت في 13 نقطة عسكرية بمحيط البلدة بالتنسيق مع «مجلس الباب العسكري».

يقول أبو جمعة قائد «مجلس الباب العسكري» الذي شارك في المفاوضات مع الروس لعودة مركز التنسيق والقوات النظامية: «هدفنا حماية البلدة من التهديدات التركية التي تصاعدت في الآونة الأخيرة».

وقال أبو جمعة لـ«الشرق الأوسط» من مقره العسكري في بلدة العريمة: «كان المخرج المناسب لسد الفراغ الأمني الاتصال بالروس الذين انسحبوا قبل 6 أشهر، طلبوا منا رفع العلم السوري، وتوجد تفاهمات عسكرية مع (مجلس سوريا الديمقراطية) ونحن ندير المدينة مدنياً وعسكرياً».

وتشكل «مجلس الباب العسكري» صيف 2016 من أبناء المدينة على غرار تجربة «مجلس منبج العسكري»، وتلقى استشارات وتدريبات عسكرية من قوات التحالف الدولي. وبحسب قائده أبو جمعة يبلغ تعداده نحو 3 آلاف مقاتل، يتألف من تشكيلات أبرزها: «جبهة ثوار الباب»، و«لواء شهداء ريف الباب»، و«لواء شهداء الكعيبي»، و«لواء شهداء القباسين»، و«كتائب أحرار العريمة»، و«كتيبة سلو الراعي».

والقوات النظامية لديها نقاط عسكرية منفصلة عن «مجلس الباب». أما الشرطة الروسية فتراقب التنسيق بين الجانبين، ويتابع أبو جمعة: «النظام منتشر على طول الخط الفاصل غرب الساجور بين مناطق سيطرتنا، والمناطق التابعة لنفوذ درع الفرات المدعومة من تركيا».

والعريمة ناحية تتبع إدارياً لمدينة الباب بريف حلب الشرقي، بلغ تعداد سكانها حسب إحصاء 2004 قرابة 33 ألف نسمة، تبعد عن الباب 20 كيلومتراً باتجاه الشرق، كما تبعد المسافة نفسها عن مدينة منبج غرباً.

وعلى مر السنوات الثماني الماضية، تغيرت الجهات المسيطرة على البلدة أكثر من مرة، فبعدما انتزعتها فصائل المعارضة المسلحة منتصف 2012 من القوات الحكومية، سيطر عليها «داعش» نهاية 2014. لكن «قوات سوريا الديمقراطية» طردت التنظيم منتصف 2016.

أضاف تسيير الدوريات الروسية – السورية – «الديمقراطية» بعداً جديداً للخريطة المتشابكة في محيط العريمة، التي تختلط فيها قوات متحالفة مع «وحدات حماية الشعب» الكردية، شاركت مع التحالف الدولي للقضاء على «داعش»، بينما تحيط بشمال وغرب المدينة فصائل سورية مدعومة من تركيا، وفي الغرب والجنوب تتمركز قوات تابعة للنظام.

وفي طريق البلدة، كانت الحاجة عنود (62 سنة) تمشي برفقة ابنتها وتدعى فاطمة، ذات الثلاثين عاماً، قطعتا حاجزاً يتبع «مجلس الباب العسكري»، بعد عدة أمتار؛ التقاهما حاجز آخر يتبع القوات النظامية ورفعوا العلم السوري، وعند سؤالها عن الجهة التي تدير بلدتها، ارتسمت علامات الحيرة والاستفهام على تجاعيد وجهها، لتقول: «لا أعلم لأنّ الروس والنظام وقوات سوريا الديمقراطية كل جهة لديها حواجز وعناصر».

وأصبحت خريطة العريمة أكثر سخونة، مع حالة استنفار عسكري لكل القوى المتوزعة على الأرض، استعداداً لعمل عسكري تركي متوقع بمشاركة فصائل معارضة ضد «الوحدات الكردية» العماد العسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، والأخيرة منتشرة في البلدة ومحيط مدينة منبج المجاورة ومناطق شرق الفرات.

ونقل الصيدلي سالم (32 سنة) المتحدر من العريمة وكان مقيماً حتى ربيع 2016 في مدينة حلب، أنه كان يعمل في مستشفى ابن رشد الحكومي، وعلى إثر المعارك المحتدمة بين «قوات سوريا الديمقراطية» و«داعش» أغلقت جميع الطرق والمنافذ البرية، الأمر الذي أجبره على البقاء في بلدته وافتتح صيدلة هناك، وقال: «أنا بحكم المستقيل، منذ 3 سنوات لم أذهب للدوام، لا أعلم ما هو وضعي القانوني هل أقالوني عن العمل أم فصلوني، حقيقة لا علم لي».

على بعد 50 كيلومترا من الحدود التركية، تحتل العريمة المضطربة موقعاً حساساً على خريطة الصراع السوري، إذ تقع قرب نقطة التقاء ثلاث مناطق منفصلة، تمثل مجالاً للنفوذ التركي والأميركي والروسي، وما يتبعها من قوى محلية، فيما تتأهب البلدة الساخنة حالياً لتغيير جديد في موازين القوى قد تحدده معركة يجري الاستعداد لها من قبل الجيش التركي.

يقول محمد سعيد (42 سنة) إن العريمة جزء من سوريا، وعودة القوات النظامية ليس بأمر غريب عليها: «حتى اليوم لا يتدخلون بشؤون المدنيين، لكنني أخشى كثيراً من دخول فصائل درع الفرات بمساندة تركية، لأنّ الفوضى والخراب سيعم المنطقة».

وسكان العريمة يواجهون إجراءات معقدة عند السفر خارج الحدود الإدارية للبلدة، وتقول سعاد وهي سيدة في بداية عقدها الرابع، إن «معظم الأهالي يفضلون هذا الوضع مقارنة بحكم الدواعش سابقاً أو دخول فصائل درع الفرات»، وأضافت أنّ بقاء الوضع على هذا الشكل غير مريح بالنسبة لسكانها، ولفتت قائلة: «نخضع لحكم ثلاث جهات عسكرية وهذا أمر غير مقبول، فالسفر لمناطق درع الفرات شبه مستحيل، أما إلى مناطق النظام ففيها خطورة ومجازفة».

وأرسل الجيش التركي تعزيزات عسكرية مدعومة بعشرات المدرعات والآليات إلى ريف حلب الشمالي، لمساندة فصائل المعارضة المسلحة التي اتخذت مواقعها في القرى المتاخمة للعريمة، وتتمركز هذه القوات على تخوم نهر الساجور غرباً وعلى طول شريط يبلغ 70 كيلومتراً، يمتد من غرب البلدة إلى شرق جرابلس ووصولاً لضفة نهر الفرات الغربية.

المصدر: الشرق الأوسط