أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » لبنان “الباسيلي” يدخل العصر الروسي الإيراني / إدارة الظهر لأميركا

لبنان “الباسيلي” يدخل العصر الروسي الإيراني / إدارة الظهر لأميركا

في أيام المفاوضات المبكرة، بعملية تشكيل الحكومة، كان لدى الأميركيين موقف صارم حيال حصول حزب الله على وزارة الصحّة. منذ اليوم الأول، كان معروفاً أن شروط حزب الله هي التي ستتحقق في عملية التشكيل، بمعزل عن كل المحاولات التي تسعى إلى تمييع الموضوع أو تضييعه. لكن المفارقة، أن بعض السياسيين كانوا على علم بعدم الاهتمام الأميركي بتفاصيل الوضع في لبنان.. بغض النظر عن الشعارات المعلنة، والتي تحوي تهديدات مبطّنة. وهذا ما حدا بالرئيس سعد الحريري إلى اتخاذ مواقف متناقضة مع الأميركيين تارة، ومع حزب الله تارة أخرى.

لغة واشنطن
في لقاء مع السفير الأميركية في بيروت، اليزابيت ريتشارد، أبدى الحريري تجاوباً مع التوجه الأميركي في عدم حصول حزب الله على وزارة الصحة، في ظل التهديدات الأميركية بوقف المساعدات أو التعاون مع وزارة، ميزانيتها تحلّ في المرتبة الرابعة. وفي الوقت نفسه، كان الحريري قد أعطى التزاماً لحزب الله بأن وزارة الصحة ستُمنح له. كل المواقف الأخرى، والتي جرى الحديث عنها، بأن الحريري يبحث عن كيفية سحب الصحة من حزب الله، لم تكن واقعية. كانت فقط استثماراً في الوقت، طالما أن قرار تشكيل الحكومة لم يحن بعد.

مع مرور الأيام، بدأ التدرّج الضمني في المواقف الأميركية، من تحذيرات وتهديدات، إلى عدم استحسان، أو أن تحقيق شروط حزب الله غير مستحب بدلاً من ممنوع. وانحدر مستوى التهديد من التلويح بإجراءات عقابية في حال الخضوع لشروط الحزب، إلى الاكتفاء بالقول أن واشنطن ستراقب عمل الحكومة ككل، والوزارات التي يتولاها الحزب، ولا سيما الصحّة. هذا التدرّج كان معروفاً في الكواليس، ومضمونه أن واشنطن ليس لديها رؤية واضحة للمواجهة. وبالتالي، فإن ارتكاز مناوئين لبنانيين لحزب الله على مواقف بعض مراكز القوى بواشنطن، لن يؤدي إلًا إلى توتير الأجواء مع الحزب، من دون تحقيق أي شيء.

على حساب العرب
في لحظة تشكيل الحكومة، كان مساعد وزير الخزانة الأميركي يجول في لبنان على المسؤولين، ويعتبر أنه يجب على لبنان التقيد بالعقوبات وتنفيذها، وهو لم يأت على ذكر حزب الله في المجالس الخاصة، في لقاءاته الأولى. الموقف الذي تناول فيه الحزب كان بعد تشكيل الحكومة، معتبراً أنها ستكون مدار مراقبة أميركية لآلية عملها. وهذا ما أراح اللبنانيين، وأكد وجهة نظر البعض منهم بأن التهديدات الأميركية غير جدّية. أكثر من ذلك، حين تحدثّ الموفد الأميركي عن العقوبات على الحزب وإيران وبأنها تؤثر عليهم، اعتبر أنه في النهاية سيتم الوصول إلى تسوية مع إيران، وإن كانت بشروط الأميركيين، تحت وطأة العقوبات. هنا الهدف الفعلي. واشنطن تريد الوصول إلى تسوية مع طهران. هذه التسوية ستكون على حساب العرب الذين يتحمّسون للشعارات الأميركية الكبرى، والتي سرعان ما تتبدد حالما تحقق واشنطن ما تريده، فتعوّم العلاقة مع إيران على حساب العرب المتحمسين.

وكما أصبح مؤكداً، لم يكن متاحاً للحكومة أن تولد، من دون تحقيق إيران لبعض ما تريده دولياً وإقليمياً. فنجحت في تخفيف حدّة مؤتمر وارسو، بالاستناد إلى الأوروبيين، الذين وجدوا صيغة للتعامل التجاري معها من خارج ضوابط العقوبات. وهذا دليل على أن العلاقة الإيرانية الغربية تسير على الطريق الصحيح، وستصل عاجلاً أم آجلاً إلى نقطة التقاء مع واشنطن، فيما العرب سيكونون قد حشروا في زاوية واحدة، وهي الصورة التي ستلتقط في وارسو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

إدارة الظهر لأميركا
الحريري هو أوضح مَن تحدّث عن السلوك الأميركي. اعتبر أنهم يرددون الكلام فقط، وهذا الكلام غير محرج، إذ قال بُعيد الجلسة الأولى للحكومة: “الكلام الذي يقوله الأميركيون يرددونه دوماً”. أي أن الحريري يقول إن الأميركيين يتكلمون ولا يفعلون، أو أن كلامهم ليس له أي أساس عملي أو تطبيقي. قناعة الحريري هذه سابقة، وارتكز عليها في الذهاب بعيداً في هذه التسوية. ليس الضياع اللبناني في مقاربة المواقف الأميركية سوى انعكاس للضياع داخل الإدارة الأميركية نفسها، بين الصقور ووجهة نظرهم التي تعتبر أن حزب الله ولبنان هما حال واحدة، وبالتالي يجب مواجهة الإثنين. مقابل وجهة نظر أخرى تحرص على عدم ضرب لبنان لضرب حزب الله، وربما تحرص على فتح قنوات تواصل مع الحزب، باعتباره الطرف الأقوى، والقادر على الدخول في اتفاقات وتطبيقها، سواء كانت حدودية أم غير حدودية. وهذه تكون مرتبطة بوجهة العلاقة الأميركية الإيرانية مستقبلاً.

هشاشة المواقف الأميركية، وانعدام وجود رؤية واضحة، عدا اللعب على التناقضات، هي التي تسهم في هذا الضياع المحلّي والخارجي، وهي التي تقود حزب الله إلى تحقيق انتصار تلو الآخر، خصوصاً حين ليس للأفرقاء الآخرين سوى الرهان على تدخّل أميركي، غير موجود، لتغيير موازين القوى.

الحريري وباسيل، يعرفان جيداً هذه المعادلة. والدليل على ذلك، هو موقفهما المتناقض مع ما طرحه ديفيد هيل خلال زيارته إلى لبنان. فالحريري حرص على تمثيل حزب الله في الحكومة، واستقبل السفير الإيراني. وباسيل ظهر بطلاً في مناقضته لكل الطروحات الأميركية، من ملف اللاجئين إلى العلاقة مع سوريا وإعادة الإعمار. ولادة الحكومة كانت بفعل الغياب الأميركي عن المنطقة وتفاصيلها، ودخول الروس إليها بقوة، كما هي نتاج تحقيق إيران لغاياتها مع أوروبا. فباعت لحظة التشكيل لقاء قبض ثمنها باليورو، بعد الاتفاقية الأوروبية لتسهيل التجارة معها، والالتفاف على العقوبات.

لهذا كله، فإن لبنان دخل العصر الروسي الإيراني في المعادلة الإقليمية، والعصر الباسيلي محلياً وتفصيلياً.

al modon