أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » هواية المثقفين: فن تكديس الكتب دون قراءتها

هواية المثقفين: فن تكديس الكتب دون قراءتها

أنا في حالة عشقٍ مع الكتب، بخاصة القديمة والمستعملة منها، فما إن أعثر على كتابٍ عتيق حتى يجتاحني شعور بالغبطة العارمة وكأنني وجدت كنزاً مفقوداً، فأحمل الكتاب برقةٍ لا متناهية، أقلّب صفحاته الصفراء بحذر وتدغدغ حواسي الرائحة المنبعثة من داخله، ومهما كان ثمنه باهظاً أحرص على ضمّه إلى المكتبة في منزلي، على أمل قراءته في يومٍ من الأيام، إلا أن “هذا اليوم” لا يأتي مطلقاً.

هذا “الولع” بشراء الكتب وتكديسها بدأ منذ أن كنت على مقاعد الدراسة ورافقني طوال هذه السنوات، حتى تحولت المكتبة بالنسبة إليّ إلى مكانٍ ساحر أجد فيه لذتي وأستطيع أن أقضي هناك ساعاتٍ وأنا غارقة بين “أكوام” الكتب ورائحتها المميزة، والمشكلة أنني كلما ذهبت إلى هناك لأتحقق من كتابٍ معيّن، أخرج منها وفي جعبتي مجموعةٍ من الكتب التي أعلم في قرارة نفسي أنني قد لا أقرأها يوماً ومع ذلك أحرص على “تكديسها” ووضعها بعنايةٍ في مكتبة منزلي، رغم الذنب الذي يعتريني كلما نظرت إليها.

عادة قديمة

الكتب ليست أكواماً من الورق الميت، إنها عقول تعيش على الرفوف.

تعرف ظاهرة شراء الكتب وتكديسها من دون قراءتها بالمصطلح الياباني “تسوندوكو” الذي يستخدم لوصف الأشخاص الذين لديهم مجموعة كبيرة من الكتب غير المقروءة.

في حديثه مع “بي بي سي”، يشرح البروفيسور “أندرو غيرستل”، المتخصص في الأدب الياباني ما قبل المعاصر في جامعة لندن، أن “تسوندوكو” هو مصطلحٌ قديم يعود تاريخياً إلى ما قبل العام 1879، إذ وجِد آنذاك على إحدى الطبعات، ومن المرجح أنه كان قيد الاستخدام قبل ذلك العام.

ويوضح “أندرو” أن كلمة “دوكو” Doku يمكن استخدامها كفعل بمعنى “يقرأ”، في حين أن كلمة “تسون” Tsun تعود جذورها إلى كلمة “تسومو Tsumu التي تعني “التكديس”، وبالتالي عند جمع الكلمتين معاً نحصل على كلمة “تسوندوكو” Tsundoku ” ومعناها شراء المواد المقروءة وتكديسها”.

تسوندوكو وبيبليومانيا

تعتبر كلمة “بيبليومانيا” Bibliomania عنواناً لروايةٍ تعود إلى القرن التاسع عشر من تأليف الروائي “ثوماس فروغنال ديبدين”، الذي ادعى أنه بحث في “هوس الكتب” book madness أي عدم القدرة على التوقف عن تجميع المواد الأدبية.

وأوضح “توماس” وقتذاك أن المصابين بالبيبليومانيا كان لديهم هاجس اقتناء الكتب الفريدة مثل الطبعات الأولى أو النسخ المصورة.

ولكن بعد قرنين من الزمن، لم يعد المصطلح يتعلق بالهوس، بحسب ما جاء في صحيفة جامعة أكسفورد البحثية، بل تحوّل إلى معنى ”الحماسة العاطفية” تجاه تجميع الكتب.

وكما هناك تشابه كبير في المعنى بين المصطلحين، كذلك هنالك اختلاف رئيسي بينهما: تصف “بيبليومانيا” النيّة لتكوين مجموعةٍ معيّنةٍ من الكتب، أما “تسوندوكو” فتشير إلى نيّة قراءة مختلف أنواع الكتب وتجميعها بغض النظر عن خصائصها.

وأيضاً تتّسم “البيبليومانيا” بالماضي المظلم، لكونه ينظر إليها أكثر كمرض نفسي يتجاوز مسألة اقتناء الكتب دون أن يكون هناك متّسعٌ من الوقت لقراءتها.

في هذا الصدد، تحدث “لوران يونغ” عن البيبليومانيا في Atlas Obscura: “بعض الهواة أنفقوا ثرواتهم كلها من أجل بناء مكتباتهم الشخصية”، مشيراً إلى أنه بالرغم من أن هذا المصطلح لم يكن مصنفاً كمرضٍ حقيقي، فإن الناس في القرن التاسع عشر كانوا يخافون من الوقوع ضحية البيبليومانيا”.

تكديس الكتب منحى سلبي أم إيجابي؟

ظهرت عبارة Tsundoku Sensei في أحد النصوص التي تعود إلى العام 1879، بحسب الكاتب الياباني “موري سينزو”، وحملت معنى ساخراً لوصف معلمٍ كان يمتلك الكثير من الكتب ولكنه لا يقرأها.

وبالرغم من أن ذلك قد يعني أن كلمة “تسوندوكو” تستخدم كإهانة، فإن البروفيسور “أندرو غيرستل” يؤكد أن هذه الكلمة لا تحمل أي وصمة عار في اليابان.

يشدد الخبراء باستمرار على أن التعلم يجعلكم أكثر سعادةً، كما يساعدكم على جني الكثير من المال والبقاء بصحةٍ جيدةٍ، واللافت أن العديد من الأسماء اللامعة في مجال الأعمال، على غرار بيل غيتس وإيلون ماسك، تؤكد أن أفضل وسيلةٍ لتطوير الذكاء تأتي عن طريق القراءة.

غير أن حياة المرء باتت اليوم مليئة بالانشغالات والضغوط التي تقضي على النيات الحسنة وتجعل الرفوف تفيض بالكتب المهجورة التي لم تُفتح صفحاتها على الاطلاق.

مع ذلك يشدد موقع inc على أنه يجب التوقف عن الشعور بالسوء والذنب جرّاء شراء الكتب من دون قراءتها:” فالمكتبة التي تفيض بالكتب ليست علامة على الفشل أو الجهل، بل إشارة فخر”.

فما هي القيمة الكامنة وراء الكتب غير المقروءة؟

“حتى عندما تكون القراءة مستحيلة، فإن الاستحواذ على الكتب يخلق حالة من النشوة، إذ إن شراء كتبٍ أكثر مما يستطيع المرء قراءته لا يقلّ عن سعي الروح إلى بلوغ اللانهاية”، هذا الكلام قاله المؤلف “إدوارد نيوتن” الذي تمكن من جمع 10 آلاف كتاب.

كلما زادت معرفتكم، ازداد حجم صفوف الكتب غير المقروءة

وتحدث الروائي “نسيب طالب” في كتابه The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable عن علاقة الكاتب الإيطالي “أمبرتو إيكو” بالكتب كمثال على العلاقة المثمرة بالمعرفة.

ففي الواقع تضم المكتبة الشخصية ل”إيكو” أكثر من 30 ألف كتاب، وهو الأمر الذي يدهش في العادة الزوار الذين يتعجبون من هذا الكمّ الهائل من الكتب التي كان يحيط نفسه بها ويسألونه عن عدد الكتب التي قرأها بالفعل.

غير أنه وفق صحيفة الغارديان البريطانية فإن هذا السؤال في غير مكانه، إذ بالنسبة إلى “ايكو” فإن الأمر لا يتعلق بعدد الكتب التي قرأها بل بالكتب التي يعرف أنه يجب عليه أن يقرأها من دون أن تتسنى له الفرصة بعد للتعمق بها، بمعنى آخر فإن هدف “امبرتو” من “تكديس” هذه الكتب هو تذكير نفسه دوماً بتلك الأشياء التي لا يعرفها، مما يعني أن مكتبته الخاصة كانت تبقيه في “جوعٍ فكري مستمر”.

من هنا أوضح “نسيب” ان الكتب التي يملكها الفرد ويريد قراءتها ولكنه لم يفعل، تشكل “المكتبة المضادة” anti-library، وعليه يؤكد أن المكتبة الخاصة هي “أداة بحث وليست محركاً للأنا”، لافتاً إلى أن الكتب المقروءة هي أقل قيمةً من الكتب غير المقروءة: “كلما زادت معرفتكم، ازداد حجم صفوف الكتب غير المقروءة”.

ويعتبر “طالب” أن الأذكياء سيسعون باستمرار إلى تطوير معرفتهم، لذلك فإن “المكتبة المضادة” هي علامة على “الإقرار بعدم المعرفة”، وبالتالي فإن المسألة تتعلق بتحويل الأمور التي نجهلها إلى أمور نعرفها، علماً أن حجم الأمور التي نجهلها سوف تساعدنا في نهاية المطاف إذ بإمكاننا دوماً تحويلها إلى “معلوماتٍ معروفة”.

المصدر: رصيف 22