أخبار عاجلة
الرئيسية » وثائق وبيانات » عمر إدلبي : ثورة المتروكين السورية.. هكذا بدأنا (2) – ( 3 ) – ( 4 ) – ( 5 )

عمر إدلبي : ثورة المتروكين السورية.. هكذا بدأنا (2) – ( 3 ) – ( 4 ) – ( 5 )

2

كان لفشل حراك الشباب السوري في “يوم الغضب السوري” 4 و5 شباط فبراير 2011 أثراً بالغ السلبية على حماسة معظم الناشطين السوريين الشباب واندفاعهم للقيام بتحرك شعبي، ولعدة أيام غاب النقاش في غرف المحادثة التي أسسها هؤلاء الناشطون لغرض الحشد للحراك، وهجروها بانكسار وخيبة أمل، وبقي قلة من الناشطين والناشطات يحاولون شد همم زملائهم وزميلاتهم دون تجاوب كبير. وفي حمص، في السابع من شهر شباط، وتحديداً في منزل الناشط السياسي والمعتقل السابق محمود عيسى في حي الزهراء، التقى عدد من الشباب الذين قرروا أن يتابعوا نشاطهم الرامي للقيام بتحرك ذي طابع شعبي، وكان جميع الحاضرين متفقين على صعوبة الأمر، ومتفقين أيضاً على عدم الاستسلام، وأذكر من هؤلاء الناشطين الحاضرين: زكي الدروبي، ومحمد علّوش.

أيام قليلة مضت، كنا مشغولين ليل نهار بحراك شباب الثورة في اليمن، وبتطورات الأحداث في مصر، ونكاد نختنق قهراً من استعصاء الحالة المصرية على حل يرضي الشعب الثائر، لتأتي مفاجأة تنحي مبارك في 11 شباط. كنت أستمع لبيان رئيس جهاز المخابرات المصري الراحل عمر سليمان وهو يعلن تنحي طاغية مصر، بكيت فرحاً، وعشت لحظات لا تنسى، قبل أن أخرج للشارع باحثاً عن أي شخص أشاركه فرحة لم أعش مثلها من قبل، وهناك على ناصية شارع بيتنا في حي البياضة بحمص كانت المفاجأة، عشرات الشباب يتجمعون، يتبادلون التهاني بسقوط مبارك، وهزيمة نظامه أمام إرادة ثوار مصر.

شعور بالثقة والفخر كان يسيطر على أجواء كل من صادفته ليلتها، والسؤال على ألسنة معظمهم كان حاداً وحاسماً: متى يثور السوريون؟ سقوط مبارك أعاد الحيوية إلى غرف محادثات الناشطين السوريين على الانترنت، بالتوازي مع ظهور صفحات على الفيسبوك تدعو للثورة ضد بشار الأسد، وعاد الحماس إلى الناشطين، ليتخذ هذا الحماس منحنى أكثر جدية مع انطلاق مظاهرات الثورة في ليبيا في 17 شباط.

بدا أن محققي أجهزة الأمن مشغولون جداً بمعرفة إجابة معظم الناشطين السياسيين المعارضين عن سؤال محدد: هل يمكن أن يحدث في سوريا ما حدث في تونس ومصر وليبيا؟

قمع نظام القذافي للحراك الاحتجاجي في ليبيا وارتكابه المجازر هناك كان دافعاً قوياً للناشطين السوريين لاختبار موقف نظام الأسد من فكرة الحشد في الشارع، الاختبار كان جدياً ومباشراً، وردة فعل أجهزة أمن النظام من اعتصام الناشطين السوريين أمام السفارة الليبية في دمشق في 22 شباط كانت مرتبكة ومترددة، قبل أن يحسم عناصر الأمن أمرهم ويهاجمون المعتصمين ويضربون بعضهم ويفضون الاعتصام بالقوة. في هذا الاعتصام الجديد تماماً على الشارع السوري سمع السوريون هتافاً كان بمثابة التحذير الجدّي والعميق لنظام الأسد ومنه، هتف المعتصمون وهم يتلقون ضربات عناصر الأمن السوري “اللّي بيقتل شعبه خاين”.

نشوة كبيرة شعرنا بها مع نجاح هذا الاعتصام في حشد العشرات لأول مرة في الشارع وبمواجهة مباشرة مع قوات الأمن، وقلق وتوتر ساد أوساط أجهزة أمن النظام، ترجمته باستدعاءات واسعة لعدد كبير من الناشطين إلى فروع الأمن للتحقيق معهم، وإيصال رسالة واضحة مفادها: “أي حراك جديد في الشارع سيواجه بالقوة الحاسمة”، وبدا أن محققي أجهزة الأمن مشغولون جداً بمعرفة إجابة معظم الناشطين السياسيين المعارضين عن سؤال محدد: هل يمكن أن يحدث في سوريا ما حدث في تونس ومصر وليبيا؟

لم يكن محققو الأمن يوجهون هذا السؤال بشكل مباشر، كانوا يستفيضون في شرح اختلاف ظروف سوريا “المقاومة والممانعة للعدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية” عن ظروف البلدان الأخرى التي ثارت شعوبها، وأذكر جيداً إلحاح رئيس قسم التحقيق في فرع أمن الدولة بحمص علي لأجيب عن سؤال: لماذا قد يحتج السوريون على الرئيس بشار الأسد ما دام ليس عميلاً لإسرائيل، ويقاوم محاولات أمريكا لفرض هيمنتها على المنطقة، ويسير بسوريا نحو التحديث والتطوير؟

كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أتأكد بمرور الوقت في التحقيق أن النظام وأجهزته الأمنية يشعرون بالقلق حقاً، وأن حالة من عدم اليقين تعيشها أوساط نظام الأسد. ولا يفوتني التذكير بحادثة مهمة حصلت في يوم 17 شباط من العام 2011، وهي حادثة الاعتداء بالضرب من قبل رجال الشرطة في سوق الحريقة في دمشق على الشاب عماد نسب وهو ابن تاجر من مدينة تل منين، واحتجاج المئات من المتواجدين في مكان الحادثة على اعتداء رجال الشرطة وهتافهم “الشعب السوري ما بينذل”، قبل أن يتدخل وزير داخلية النظام آنذاك سعيد سمور ويحتوي الاحتجاج، بالتهديد والوعيد والوعد بمحاسبة عناصر الشرطة المعتدين، لتشكل هذه الحادثة بعد انتشار خبرها والتسجيل المصور لها بين السوريين دافعاً قوياً لدى الناشطين الشباب للدعوة إلى حراك احتجاجي واسع، واكبته صفحة على “الفيسبوك” باسم “الثورة السورية ضد بشار الأسد” وبدأت هذه الصفحة بالانتشار بشكل واسع في أوساط السوريين، تبين لاحقاً أن من يقف وراء تأسيسها فداء السيد وعدد آخر من شباب سوريين من أوساط جماعة الإخوان المسلمين في الخارج.

استقر الرأي أخيراً على اختيار الموعد الذي أعلنته صفحة الثورة السورية في 15 آذار، وسط تحفظات على الموعد من عدد من المجموعات.

في غرف محادثات الناشطين تبادلنا استنتاجاتنا حول حادثة الحريقة واعتصام السفارة الليبية وجولة الاستدعاءات والتحقيق الأمنية الأخيرة، وكان الناشط والشاعر محمد حاج بكري أكثرنا حذراً وتحذيراً من اختراق أجهزة أمن النظام لغرف محادثاتنا، ويؤكد باستمرار أن أسئلة المحققين الأمنيين له في اللاذقية لا تدع مجالاً للشك أن الأمن لديه معلومات كثيرة عن أسماء الناشطين التي تتشكل منهم معظم خلايا الحراك، وكان يؤكد في كل لقاء أن أجهزة الأمن تراقب على وجه التحديد نشاطات سهير الأتاسي ومحمود عيسى وعمر إدلبي ورزان زيتونة ومازن درويش ومحي الدين عيسو وعدد آخر من الناشطين الشباب، ولا يسعني الآن إلا الاعتراف أننا كنا قليلي خبرة بحق فيما يتعلق بتأمين تحركاتنا وتواصلنا من أعين الرقابة الأمنية، وهذه الخبرة المتواضعة تركتنا عرضة للاختراق الذي أفضى لاحقاً لاعتقال عدد من الناشطين، بعضهم اعتقل قبل ساعات من انطلاق أول مظاهرة في 15 آذار.

ولم يمض شهر شباط دون أن يضيف نظام الأسد سبباً أعمق أثراً إلى أسباب ثورة السوريين عليه، حيث تواردت أنباء متطابقة عن قيام فرع الأمن السياسي في درعا بقيادة عاطف نجيب ابن خالة بشار الأسد يوم 27 شباط باعتقال عدد من الصبية كتبوا شعارات مناهضة للنظام، على جدران مدرسة الأربعين في درعا البلد، كما تذكر روايات الناشطين في درعا، وباءت بالفشل محاولات ذوي هؤلاء الصبية وعدد من وجهاء درعا لإقناع عاطف نجيب بإطلاق سراح الصبية التي تؤكد الروايات أنهم تعرضوا للتعذيب، كما تعرض وفد الوجهاء إلى الإهانات والإذلال.

ومع مرور الأيام الأولى من شهر آذار لم تكن مجموعات الناشطين قد توافقت على موعد محدد لإطلاق حراكها الاحتجاجي، حيث كانت بعض المجموعات تدعو للاعتصام في يوم الأربعاء 16 آذار أمام وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي، وتقترح أن يكون هذا اليوم منطلقاً للنشاط الاحتجاجي الثوري، في حين اقترح نشطاء سوريون كرد أن يكون يوم الثورة في تاريخ 12 آذار، وهو تاريخ انتفاضة الكرد في القامشلي في العام 2004 ضد ممارسات نظام الأسد وتسلط أجهزته الأمنية، لكن الرأي استقر أخيراً على اختيار الموعد الذي أعلنته صفحة الثورة السورية في 15 آذار، وسط تحفظات على الموعد من عدد من المجموعات.

3

تقتضي الأمانة أن أؤكد دائماً أن مجموعات متعددة من الناشطين والناشطات كانت تعمل وتنشط في التحضير لحراك احتجاجي قبل انطلاق الثورة السورية، وأن هذه المجموعات لم تكن كلها على تواصل وتنسيق مع بعضها، حتى أننا لم نكن نعرفها جميعها، وربما لم يكن عدد من هذه المجموعات يعرف عن نشاطنا شيئاً.

وفي هذا السياق، كان مفاجأة سارة للغاية أن أسمع من الشاعر الصديق الحمصي “عمر سليمان” الذي كانت تربطني به علاقة طيبة عمرها سنوات أنه ينشط بشكل واسع مع عدد من الشباب السوريين الطامحين للحرية في أكثر من مدينة في سوريا، واتفقنا على تنسيق جهودنا بشكل مشترك، وبالفعل التقينا عدة مرات في منزله بحي “الوعر”، ومنزل أهله في حي “الخالدية”، وفي مكتبي في حي “جورة الشياح”، وبحثنا ضرورة الاستعداد والتجهيز لمتطلبات المظاهرات، وفي مقدمة هذه الاحتياجات الكاميرات السرية.
أرسل لنا الدكتور المعارض “أيهم حدّاد” من الولايات المتحدة أكثر من 15 قلماً تحتوي كاميرات سرية، كما تمكن شقيقي “محمد علي” من تأمين أكثر من 20 قبعة ونظارة تحتوي جميعها كاميرات سرية.

كانت خياراتنا لتأمين هذه الكاميرات من سوريا معدومة تماماً، لذلك تواصلت مع الدكتور “أيهم حدّاد” وهو طبيب معارض مقيم في الولايات المتحدة وتجمعني به صداقة على “الفيسبوك”، وسألته عن إمكانية تأمين مثل هذه الكاميرات، كما وجهت نفس السؤال لشقيقي “محمد علي إدلبي” المقيم في لبنان، ولاحقاً تولى “عمر سليمان” عن طريق أحد معارفه تهريب عدد كبير من هذه الكاميرات من لبنان إلى حمص، بعد أن أرسل لنا الدكتور “أيهم” أكثر من 15 قلماً تحتوي كاميرات سرية، كما تمكن شقيقي “محمد علي” من تأمين أكثر من 20 قبعة ونظارة تحتوي جميعها كاميرات سرية.

الكاميرات لم تصل في الوقت المطلوب، كنا نريدها معنا قبل انطلاق مظاهرة 15 آذار واعتصام وزارة الداخلية في 16 آذار في دمشق، لكنها وصلت يوم الأحد 20 آذار، آنذاك انطلقنا أنا و”عمر سليمان” والناشط المعتقل حاليا (عبد الكريم ص) وبدوي المغربل “المعروف بأبو جعفر المغربل” انطلقنا كل منا باتجاه في سوريا لتوزيع الكاميرات السرية على الناشطين، وكانت وجهتي أنا إلى مدينة “سلمية” التابعة لمحافظة حماة، حيث التقيت هناك في منزل الصديق والناشط (ياسين س) عدداً من الناشطين الذين كانوا يعدون العدة لإطلاق مظاهرات في مدينة “سلمية” التي كانت نارها تحت الرماد على وقع مظاهرات 18 آذار وما يجري في درعا، وكان يجب أن أنطلق في اليوم التالي، أي في يوم 21 آذار إلى مدينة “القصير” في ريف حمص الغربي لتسليم الكاميرات السرية لناشطين هناك، لكن كان عناصر فرع المخابرات الجوية في حمص أسرع، حيث اعتقلوني صباح يوم عيد الأم من منزلي وأمام عيني والدتي، وصادروا جهاز كمبيوتر محمول لم يعثروا فيه على أي شيء يروي فضولهم.

وكما كان لأجهزة الأمن نشاطها في مجال التقصي والاستطلاع لمعرفة توجه الشارع السوري وآرائه فيما يحدث في بلدان الربيع العربي، كان لنا في الأيام الأخيرة التي سبقت انطلاق الثورة نشاط مماثل، حيث كثف الناشطون والناشطات حملات استطلاع رأي الشباب السوري بسرية وحذر لدراسة تفاعلهم مع الثورات العربية، ومعرفة إمكانية انخراطهم في حراك احتجاجي في الشارع ضد النظام، كما كثفنا أنشطة التحريض الصامت، وهي أنشطة حوارية تهدف إلى ترسيخ قناعات لدى الجمهور تعزز يقينهم بأن النظام الاستبدادي والقمعي هو سبب تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية في البلاد، وجاءت نتائج استطلاع الرأي متضاربة تبعث على الحيرة، لكنها في الحد الأدنى مشجعة من جهة شعور معظم الشباب بضرورة التغيير، والأمل بأن تدفع الثورات العربية نظام الأسد لإحداث إصلاحات جذرية لا سيما في مجال الحريات العامة وتكافؤ الفرص بين السوريين.

كان الأسبوع الذي سبق انطلاق الثورة حافلاً بالنشاط والعمل والزيارات واللقاءات والاجتماعات، والمفاجآت أيضاً، حيث نفذ عدد من الناشطين في دمشق وحمص وبانياس نشاطات خاطفة كانت تهدف إلى إيصال رسائل للمجتمع السوري تقول أن ثورة ما تلوح في الأفق، وكان الاتفاق بين شباب الثورة أن تكون هذه الأنشطة متزامنة في منتصف ليل يوم 13 آذار. في دمشق، أشعل ناشطون سوريون مواقد نارية على أسطح عدد من المنازل في حي “ركن الدين”، ونشر هؤلاء الناشطون بعد أقل من ساعة من منتصف الليل فيديو للنيران المشتعلة تحت عنوان: “الشام تعلن ولاءها للثورة”، كان الفيديو ملهماً يهدر فيه صوت فيروز: شام يا ذا السيف لم يغب، ورغم كونه قصيراً وتصويره في غاية السوء، لكنه أبكى قلوبنا قبل أعيننا عندما وصل إلينا في غرف المحادثة الخاصة بمجموعات الناشطين.

لم يتأخر الحسم.. كما انطلقت الدقائق الأولى من فجر يوم 15 آذار دون انتظار الإذن من أحد.. سننطلق إلى دمشق ولو كنا بعدد أصابع اليد الواحدة.

وفي حمص وفي مكان خطر للغاية، كتب شابان من أعضاء حزب العمل الشيوعي عبارة “عاشت سوريا حرة” على الجدار الخارجي للمبنى الإداري لجامعة البعث على طريق الشام، فيما اجتمع ناشطون آخرون تلك الليلة في منزل الناشط والفنان التشكيلي “سهف عبد الرحمن” في حي “الزهراء” وأطلقوا عند منتصف الليل تماماً العشرات من “البلالين” مكتوب عليها كلمة واحدة فقط “حرية”، ليستفيق الحي صباحاً على تطاير هذه البالونات وتوزعها في الشوارع والأزقة، وبدا وجود هذه البالونات في حي تقطنه غالبية من بيئة المؤيدين لنظام الأسد بمثابة تحدٍ كبير لقوات الأمن التي كانت مستنفرة منذ أكثر من شهر وتتوزع دورياتها في الشوارع والساحات بكثافة ملفتة.

أما المفاجأة الكبرى فكانت في “بانياس”، حيث خط الناشط المعتقل حالياً “أنس الشغري” على جسر بانياس عبارة “إجاك الدور يا دكتور” في إشارة إلى أن رياح الثورات العربية ستضرب نظام بشار الأسد. العبارة كُتبت بخط واضح وبحروف كبيرة كان يمكن مشاهدتها من مئات الأمتار، وبقيت العبارة لأكثر من 8 ساعات حتى صبيحة يوم 14 آذار، لتحضر بعدها قوات أمن النظام وتقطع طريق بانياس بالاتجاهين عند الجسر، وأحضرت ورشة عمال من مؤسسة الإسكان العسكرية لمسح العبارة وإعادة طلاء مكانها.

ساعات فقط كانت تفصلنا عن موعد انطلاق مظاهرات الثورة، حيث جهز الناشطون أنفسهم لمظاهرتين، في دمشق وحلب، كانت الساعة حوالي العاشرة من ليل 14 آذار حين أبلغني الصديقان “عمر سليمان” و”محمد حاج بكري” كل على حدة أن مجموعة كبيرة من ناشطي حلب تم اعتقالهم في خرق أمني تسبب بانكشاف أمرهم، وما هي إلا ساعة فقط حتى اعتقلت قوات الأمن 6 ناشطين دفعة واحدة في حمص كان على رأسهم مسؤول مجموعتهم الناشط “محمد علوش.”

وفي غمرة حزننا وشعورنا بالقهر والألم لاعتقال أصدقائنا، كان علينا أن نحتاط من اعتقال معظم مجموعات ناشطينا بعد الخرقين الأمنيين في حلب وحمص، كما كان علينا أن نحسم قرار النزول إلى الشارع من عدمه بعد هذه الهزة المفجعة، خاصة أن الأنباء التي وصلتنا من حلب كانت تؤكد أن معظم الناشطين الذين كانوا يستعدون للتظاهر في ساحة “سعد الله الجابري” يوم الثلاثاء 15 آذار بالتزامن مع مظاهرة دمشق، أصبحوا قيد الاعتقال، وأن مظاهرة حلب صارت مستحيلة. ولم يتأخر الحسم.. كما انطلقت الدقائق الأولى من فجر يوم 15 آذار دون انتظار الإذن من أحد.. سننطلق إلى دمشق ولو كنا بعدد أصابع اليد الواحدة.

4

كما لو أنني ذاهب إلى حتفي، أمضيت الليل في تنسيق ملفات معلومات مهمة وسرية موجودة على جهاز الكومبيوتر الخاص بي، معظم هذه الملفات يتضمن تفاصيل عن أنشطة معارضة للنظام خلال السنوات السابقة، وإلى جانب المسائل العامة تركت لعائلتي ما يتوفر لدي من أوراق وثبوتيات رسمية.

كان لدي يقين كامل أن يوم 15 آذار سيكون آخر يوم لدي خارج قضبان المعتقل، ولأنني هذه المرة أمضي إليه مختاراً وبكامل إرادتي ودون إكراه، وبالتوقيت الذي أختاره أنا لا أجهزة الأمن، فقد تمكنت من القيام بكل ما خطر في بالي من تحضيرات لغياب طويل عن الحياة.

في كل المرات التي اعتقلتني بها قوات الأمن قبل الثورة كانت أجهزة الأمن تداهم منزلي أو مكان عملي وتعتقلني فجأة، وفي الطريق إلى المعتقل كنت أقول في نفسي: لو أني فعلت كذا، وليتني رتبت الأمر الفلاني، وليتني قمت بالاحتياطات اللازمة قبل اعتقالي، ولكن.. هذه المرة رتبت كل شيء، ووضعت تصورات عن كل الاحتمالات.

لحظات ثقيلة كانت تمر علينا، أحسست معها أن المظاهرة لن تحصل، لكن اتصالين مهمين تلقيتهما زادا إصراري على المغامرة.

بدأت خيوط شمس صباح 15 آذار تتسلل إلى زهرات الياسمين المطلة على نافذة غرفتي من حديقة منزلي، وبدأت معها ضربات قلبي تزداد اضطراباً، وفجراً عند الخامسة، عانقت ولدي نوار على باب بيتنا الخارجي عناقاً طويلاً، ودعوت الله أن لا يكون هذا العناق آخر لقاء لي به، ومضيت إلى الشارع حيث كان بانتظاري الناشط المعتقل حاليا “عبد الكريم ص”، كان مبتسماً ويرتجف، رغم أن الجو ليس بارداً إلى هذه الدرجة، وأمام باب محطة الحافلات على طريق حماة، كان الناشط بدوي المغربل “أبو جعفر” ينتظرنا، كان كل واحد منا يتحرك بمفرده، رغبة بمزيد من الحرص الأمني، ومضت بنا الحافلة على دمشق.. حيث ينتظرنا المجهول الفاتن.

طريق حمص – دمشق الدولي بدا طويلاً جداً، كان ينتهي عادة بساعتين، لكنه هذه المرة احتاج مئة وعشرين دقيقة، كل دقيقة منها عصفت بي كأنها دهرٌ من الرياح، والمخاوف والقلق والانتظار، والأمل.

في الطريق من محطة الحافلات في حرستا باتجاه وسط العاصمة، توزعت سيارات دوريات الأمن بشكل مكثف على المفارق وفي الساحات العامة، وبدت أعدادها أكبر مما توقعنا في منطقة الوسط التجاري ولا سيما في محيط ساحة المرجة، حيث التقيت في الساعة 12 ظهراً بالناشط الشاعر عمر سليمان الذي انتظرني منذ الصباح في حديقة السوق العتيق.

كنا مرتبكين أصلاً، وازداد ارتباكنا بعد اعتذار مجموعة الناشطين الكرد “الطلابية” التي نسقنا معها للتظاهر ظهراً أمام تمثال صلاح الدين الأيوبي قرب باب سوق الحميدية الشهير، قرارهم الجديد كان نقل مظاهرتهم إلى ساحة الأمويين مساء في حال خرجت مظاهرات الظهر، ويبدو أن نصيحة “أو ربما قرارات” وصلت لهؤلاء الناشطين من سياسيين معارضين كرد تدعوهم للتريث وعدم المغامرة في المشاركة باحتجاجات في الشارع ما لم تدخل المعارضة السورية بكل ثقلها في المظاهرات.

إحباط كبير عشناه ونحن نفكر بعددنا القليل الذي كان بالفعل بعدد أصابع اليد الواحدة، كنا نتفحص وجوه القادمين من كل اتجاه لعل فيها وجهاً لحر آخر من الأحرار الذين أبلغونا بمشاركتهم.. وقرر المشاركة فعلاً.. لكن وباستثناء شخصين آخرين انضما إلينا، لم نصل إلى عدد أصابع يدين اثنتين، فيما كنت أشاهد وأحصي العدد الكبير والمخيف لسيارات وحافلات قوات الأمن التي تتوزع في شارع قلعة دمشق، والعصرونية، وشارع مدحت باشا، ويتواصل قدوم حافلات أمن جديدة يترجل منها العناصر أمام جامع درويش باشا في القنوات.

كنت وسطهم، أسير بلا قدمين، أشعر بخدر لذيذ يسري في كامل أنحاء جسدي، وحده صوتي كان عالياً وشاهقاً وبكامل يقظته ووعيه وأنا أهتف للحرية وسوريا.. فقط.

لحظات ثقيلة كانت تمر علينا، أحسست معها أن المظاهرة لن تحصل، لكن اتصالين مهمين تلقيتهما زادا إصراري على المغامرة.

في الواحدة ظهراً اتصلت الشاعرة والناشطة السورية الكردية آخين ولات المقيمة في السويد، لتسألني: الثورة انطلقت؟ بكيت بحرقة وأنا أرد عليها: لا أحد هنا إلا أنا و5 مجانين آخرين مثلي وعناصر المخابرات.

أغلقت الهاتف وابتعدت عن الشباب متجهاً إلى شارع النوفرة خلف الجامع الأموي. فقد أردت أن أبقى وحيداً لكن آخين عاودت الاتصال، لتقول: “ما دام هناك خمسة أحرار ستنطلق الثورة، إياك واليأس”.

ولم تمر إلا دقائق حتى جاء الاتصال الثاني من الشاعر السوري الكردي أيضاً مروان خورشيد المقيم في السعودية، قلت له: لا يكفي عددنا إلا للهرب، لا للتظاهر.

ضحك مروان طويلاً.. ثم قال لي بجدية: لو كنت في دمشق الآن لخرجت متظاهراً، وحدي، ولكنت استمتعت بمشاكسة عناصر الأمن، وحدي، وبالهرب وحدي، وبالحرية وحدي.

عدت إلى الساحة الغربية أمام باب الجامع الأموي، مدفوعاً بشحنة إصرار، كان الناشط عمر سليمان يحمل كيس حلوى ملونة “راحة بسكر”، ويوزع بعض القطع على عناصر أمن سريين، كان يتعمد ذلك لينبهنا إلى هؤلاء المخبرين، و”أبو جعفر المغربل” يذرع الساحة جيئة وذهاباً بتوتر وقلق، ويحاول الإيحاء أنه يشغل نفسه بطيور الحمام المنتشرة بكثرة في الساحة، و”عبد الكريم ص” يتشاغل بمطالعة عناوين الكتب على بسطات الكتب في أول مدخل الساحة القريب من شارع الحميدية، أما الشابان الآخران فلم أكن أراهما حولي، لكن عبد الكريم أشار لي أنهما قريبان منه.

الساعة تشير إلى الواحدة والأربعين دقيقة ظهراً.. كانت عيون الشباب تتبادل السؤال الأهم: هل ننطلق؟ وتجيب بحسم وإصرار: الآن.

مع هتافهم لبشار صرنا نرفع صوتنا في الهتاف للحرية وسوريا بأكثر ما أوتينا من صوت قوي، لكن أعدادهم الكبيرة كانت تزداد وصوتهم يغدو أعلى شيئاً فشيئاً

“الله.. سوريا.. حرية وبس”.. صرخ الجميع في وقت واحد، ومضوا من أمام الباب الغربي للجامع الأموي باتجاه بداية سوق الحميدية، كنت وسطهم، أسير بلا قدمين، أشعر بخدر لذيذ يسري في كامل أنحاء جسدي، وحده صوتي كان عالياً وشاهقاً وبكامل يقظته ووعيه وأنا أهتف للحرية وسوريا.. فقط.

لحظات مرت دون أن أفكر بعناصر الأمن من حولنا، كانت نشوة الهتاف للحرية في الهواء الطلق على مرأى الناس أعمق أثراً مما تخيلت.. دموع غزيرة تمتزج بحبات العرق على وجهي، الجو دافئ وأتصبب عرقاً بغزارة مفاجئة، لكنني أشعر بالبرد وترتجف أطرافي فلا أستطيع ضبطها.

وصلنا حتى أول مدخل سوق “المسكيّة” أدركت وقتها أننا مطوقون بعشرات من عناصر الأمن، بدأوا بالهتاف لبشار الأسد، ومحاصرتنا أكثر فأكثر ودفعنا بعيداً عن شارع الحميدية وإجبارنا على الدخول في سوق المسكية.

مع هتافهم لبشار صرنا نرفع صوتنا في الهتاف للحرية وسوريا بأكثر ما أوتينا من صوت قوي، لكن أعدادهم الكبيرة كانت تزداد وصوتهم يغدو أعلى شيئاً فشيئاً، ومع وصولنا إلى منتصف سوق المسكيّة انهالوا علينا بالضرب، وفيما كنا نتلقى اللكمات والركلات والضرب بعصي بلاستيكية، بدأت تتعالى أصوات قريبة، كانت تهتف للحرية أيضاً..

كنا نسمعها كما لو أنها من صنع الخيال أو الأمل، لكنها كانت حقيقية تماماً، دفعت عناصر الأمن للتراكض نحوها وبقي حولنا عدد من عناصر الشرطة، ما أتاح لي فرصة معرفة ما حصل للشباب الذين كنت معهم، كان عمر سليمان قريبا جدا مني، وأبو جعفر المغربل يتفلت من شرطي ويدخل أحد محلات بيع اللوازم المكتبية، وعبد الكريم يهرب بعيداً برفقة الشابين الذين كانا معه، أفلتني عنصر الشرطة الذي كان يمسكني، وانطلق راكضاً باتجاه صوت المتظاهرين، فانطلقنا أنا وعمر سليمان وراءه، كان صوت المتظاهرين واضحاً، يهتفون بمثل هتافنا: الله سوريا حرية وبس، وهتاف آخر: وينك يا سوري وينك.

5

فاجأت مظاهرات يوم الـ15 من مارس/آذار في عام 2011 أجهزة أمن نظام الأسد، كما فاجأتنا إرادة المتظاهرين، فالمظاهرة التي انطلقنا بها من أمام الباب الغربي للجامع الأموي الكبير لم تكن الوحيدة يومها، حيث جابت مظاهرة أكبر عدداً من حيث المشاركين شوارع الحميدية وأزقتها الفرعية وصولاً إلى ساحة الحريقة، شارك بها عشرات الناشطين من مجموعات تنسيق لم نكن على تواصل معها رغم أنني أعرف عدداً من ناشطيها بشكل شخصي.

كان الناشط الدمشقي عمر شميس – ابن المعارض والناشط الإسلامي المعروف عبد الله شميس – يقوم بتصوير المظاهرة بكل جرأة، (اعتقل عمر لاحقاً أثناء تصويره مظاهرة بمنطقة الشعلان في دمشق نهاية العام 2011)، وكانت فرصة هذه المظاهرة أكبر من فرصتنا للمسير مسافة وزمناً أطول قبل أن تهاجمها قوات الأمن على دفعتين. في الهجوم الأول لقوات الأمن جرى تفريق معظم الناشطين واعتقال الناشطة مروة الغميان، وشخصاً آخر عرفت لاحقاً أنه الناشط سامي دريد من أبناء حي القدم الدمشقي، وعلى الفور اقتادتهما قوات الأمن وسط صراخ شجاع من مروة كانت تحرص من خلاله على لفت انتباه كل من كان متواجداً في الشارع.

كان الناشط “صبر درويش” يبدو منتصراً ومنتشياً بالحرية، قبل أن يقتادوه لاحقاً إلى أحد فروع الأمن، ليدفع باهظاً ثمن جرأته على الهتاف أملاً بحرية وكرامة بلاده وشعبه

تابعنا أنا وعمر سليمان ملاحقة فلول المتظاهرين الذين أعادوا تجميع عدد منهم ودخول ساحة الحريقة من الجهة الجنوبية، حيث يقع قسم شرطة الحريقة، وعلى الفور عاود عناصر الأمن هجومهم على المتظاهرين وتفريقهم وتمكنوا من اعتقال الناشط الصحفي صبر درويش ابن مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماة، ونجل المعارض والمعتقل السابق المعروف علي صبر درويش، رحمه الله.

اقتاد عناصر الأمن الناشط صبر درويش إلى أحد محلات بيع الألبسة في ساحة الحريقة، ووضعوا حراسة على باب المحل، حاولتُ الاقتراب ودخول المحل، فمنعني عناصر الشرطة، ولمحتُ “صبر” داخل المحل يجلس على كرسي بهدوء مدهش وابتسامة مستفزة لعناصر الأمن، كان يبدو منتصراً ومنتشياً بالحرية، قبل أن يقتادوه لاحقاً إلى أحد فروع الأمن، ليدفع باهظاً ثمن جرأته على الهتاف أملاً بحرية وكرامة بلاده وشعبه.

انتشر عناصر الأمن بكثافة في كل مكان، وشنوا عمليات تفتيش في أجهزة الجوالات المحمولة لكل من كان متواجداً في الساحة بعد إغلاق مداخلها الثلاثة.. كانوا يبحثون برعب ظاهر عن أي صورة أو مقطع فيديو جرى تصويره للمظاهرة، وما هي إلا دقائق حتى بدت الساحة خاوية من الناس، وبدأ بعض التجار بإغلاق محلاتهم، وغادرتُ الساحة برفقة عمر سليمان.

كان علينا أن نطمئن على أصدقائنا الذين فقدنا التواصل معهم بسبب توقف أجهزة المحمول لديهم أو مصادرتها، فمضينا إلى مقهى الكمال في شارع 29 مايو/أيار وسط دمشق، حيث كان يفترض أن نتجمع هناك، ولم يكن هناك إلا الشاعر والناشط محمد ديبو.

في الطريق إلى المقهى؛ تعمدنا المرور من ساحة المرجة لاستطلاع الوضع، كانت قوات الأمن تنتشر بكثافة، وصادفنا هناك المعارضين القياديين في حزب العمل الشيوعي عبد العزيز الخير المعتقل حالياً، وبسام سفر، كانت سعادتهما ومفاجأتهما كبيرتين عندما أخبرناهما أن مظاهرة 15 مارس/آذار الموعودة حصلت!

سوء تنظيم لا نحسد عليه، وفوضى في التنسيق والتواصل بين نشطائنا، وخيبة أمل من نشطاء توقعنا الوفاء بوعودهم ومشاركتهم في انطلاق مظاهرات ثورتنا، وصدمة كبرى جراء عدم تواجد ولا حتى قيادي واحد من المعارضين المعروفين في المظاهرات، رغم أن قلة منهم كانوا يتصلون ويسألون عن تفاصيل تحركاتنا الميدانية، بعضهم للاطمئنان علينا حقاً، وآخرون لتسجيل موقف “منافق” بأنهم يدعمون حراكنا. ولكن في المقابل: أسقطنا حاجز الخوف، وهتفنا في الشارع للحرية، وسمع الناس وخفقت قلوبهم لما كانوا يظنون أنهم لن يسمعوه في سوريا أبداً.

هكذا قيّمنا الخطوة الأولى من الألف ميل في ثورتنا، وكان علينا أن ننتظر ردّات الفعل عليها من قبل أطراف كثيرة، في مقدمتها وأخطرها نظام الأسد، ثم تجمعات المعارضة، والشخصيات الوطنية المستقلة، والمنظمات والمجتمع الدولي، ووسائل الإعلام، وقبل كل هذه الجهات والأطراف. كنا ننتظر انتشار خبر المظاهرة في الأوساط الشعبية، لنعرف أثرها على الشعب الذي من أجل كرامته خاطر صبايا وشباب 15 مارس/آذار بمستقبلهم وحياتهم.

بقي عمر سليمان في دمشق ليشارك في اليوم التالي (16 مارس/آذار) في اعتصام أمام وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي، بينما غادرتُ إلى حِمص مساءً وبقيت طيلة الطريق أسترجع تفاصيل ما حصل في ذلك اليوم العاصف، وأنا أعيش حالة مركبة ومعقدة من المشاعر، تتناوب عليَّ دون استئذان أحاسيس مدهشة، ابتسم نشوة وسعادة وأبكي وتخنقني الغصة.. في آن، وأقول في نفسي متسائلاً: لعلها أعراض الحُرِّية!

تعامُل النظام الهمجي مع الاعتصام أظهر بوضوح أنه غير قادر على استيعاب وتقبّل أي حراك احتجاجي ذي طابع شعبي، وأن القادم من تعامله العنيف مع أنشطة الثورة أعظم وأمرّ، خاصة أن يوم 18 مارس/آذار “جمعة الكرامة” قادم

وصلتُ إلى حِمص لأجد أبو جعفر المغربل و”عبد الكريم ص” ينتظراني بقلق، وأخبراني أن أخبار المظاهرة بدأت تنتشر بين الناس وتلقى صدىً إيجابيا، وأن السيدة سهير الأتاسي تحدثت عن المظاهرة عبر قناة الجزيرة التي غطت الخبر بتقرير مدته حوالي 4 دقائق تكرر عرضه على شاشة الجزيرة أكثر من مرة، عندئذٍ شعرتُ بالاطمئنان أن خبر انطلاق الثورة نال حقه على الشاشة الإخبارية الأكثر متابعة في السوريين.

نامت عيون الناس وبقيت أتابع كل ما ورد عن انطلاقة الثورة السورية في الصحافة ووسائل الإعلام العربية والعالمية، حتى لو كان خبراً ببضع كلمات، جمعتُ في ملف خاص كل ما تناوله الإعلام عن شرارة الثورة السورية في 15 مارس/آذار 2011 وبقيت لمدة شهر تقريباً أضيف كل معلومة أو إشارة إعلامية ولو عابرة إلى هذا الملف، الذي فقدتهُ لاحقاً أثناء ملاحقة أجهزة الأمن لي اعتباراً من منتصف أبريل/نيسان 2011.

مع اقتراب موعد اعتصام يوم الأربعاء 16 مارس/آذار ازداد القلق والخوف من تعامل عنيف سيلجأ إليه النظام في مواجهة الناشطين وأفراد عائلات معتقلي الرأي الذين ينوون الاعتصام عند الظهر أمام وزارة الداخلية في ساحة المرجة، للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي والضمير، وكان عدد منهم قد أعلن قبل أيام إضراباً مفتوحاً عن الطعام. البعض كان يعتقد بأن الاعتصام يحظى بحصانة معنوية باعتبار أن عدداً من المثقفين والمفكرين الكبار سيحضرونه، مثل المفكر الدكتور الطيب تيزيني، إلا أن التعامل الأمني مع الاعتصام كان يعبر عن حقيقة نظام الأسد، الذي لم يحترم يوماً أي رمز وطني مهما علت قيمته.

دقائق فقط مضت على اعتصامٍ صامت لأكثر من مائتي ناشط وشخص من عائلات المعتقلين أمام وزارة الداخلية في ساحة المرجة بدمشق، لينقضَّ بعدها عناصر الأمن بشكل همجي على المعتصمين السلميين ويبدأ الضرب والتنكيل أمام مرأى الناس المتواجدين في الساحة بالشباب والصبايا وحتى الأطفال الذين حضروا مع ذويهم، وتمكن قطيع عناصر أجهزة الأمن من الانتصار على المعتصمين السلميين واعتقال أكثر من ثلاثين منهم، بينهم الدكتور الطيب تيزيني ومازن درويش وسهير الأتاسي وكمال شيخو والمحامية سيرين خوري وناهد بدوية وميمونة معمار، وعامر داوود وطفليه، وآخرين وثَّقت أسماءهم جهات حقوقية كثيرة.

تعامُل النظام الهمجي مع الاعتصام أظهر بوضوح أنه غير قادر على استيعاب وتقبّل أي حراك احتجاجي ذي طابع شعبي، وأن القادم من تعامله العنيف مع أنشطة الثورة أعظم وأمرّ، خاصة أن يوم 18 مارس/آذار “جمعة الكرامة” قادم.



تنويه : ماينشر على صفحة وثائق وبيانات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع