أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

الأديبة اللبنانية جميلة حسين

نوره

لم تكن زيارة عادية إلى السجن ،حيث يقبع زوجي منذ سنة، بتهمة نشاط معارض للنظام. ذلك النشاط لم يكن سوى عمل ضمن إحدى اللجان الشعبية لمساعدة النازحين من منطقة إلى أخرى. زيارته لم تكن بالمعنى الحقيقي للكلمة، لم يكن مسموحا لي أن أراه أو أن أتحدّث معه وأطمئن اليه. كل ما كان متاحا لي تسليم عناصر الأمن كيسا من الطعام والثياب. علاقتي به منذ اعتقاله اختصرت بذلك الكيس، كل مشاعر الاشتياق والحنين كانت تمر عبره. تعرضت لإرهاق شديد خلال طهو الطبخات له واختيار ثيابه. حياة بكاملها كان تمر من خلال هذا العمل، استعيد ذكريات كان يرتدي فيها ذلك القميص أو يأكل تلك الطبخة.
اصطحبني أحد الحراس إلى باحة السجن، كي أسلّم الكيس الذي كنت أقبض عليه بقلبي وبيدين مرتجفتين متعرقتين، الخوف يكسو ملامحي. انتظرت طويلاً دون أن يأتي أحد لأخذ ما احمل، سيطر القلق عليّ، صرت أدور ضمن دائرة ضيقة كي لا استفز بقية الحراس الذين ينتشرون في الباحة.
بعد ساعة من الزمن، حسبتها دهرا، خرج أحد مسؤولي السجن، ورمى بوجهي كيساً صغيراً، وصرخ بي: “خذي، هذا كل ما تبقى من زوجك، ومن كنت تسألين عنه، مات”.
تجمدت في مكاني، تحركت بصعوبة نحو الكيس، فتحته كمن يفتح كفنا، كان فيه بطاقة زوجي الشخصية وساعة يده. مات زوجي تحت التعذيب. وفي لحظة تحولت إلى مجنونة، الطم وأصرخ وأشتم بأعلى صوتي، ما دفع الحراس إلى إخراجي بالقوة من السجن بعد تعنيف وشتم.
ذهبت لأوصل له كيساً محملاً بالحب والعواطف، فأعادوه لي كيساً آخر، فيه ساعة وتذكرة، كيس الحياة مقابل كيس الموت.
مصيبة رحيل زوجي، لم تكن بداية الحزن الذي اجتاح حياتي، بل كانت أقرب إلى انعدام أي بارقة أمل. قبل ذلك، فقدت والدي الذي قضى بشظايا برميل متفجر سقط على البلدة. الأقارب والجيران قاموا بتجميع جسده ودفنه في مقبرة قرب المنزل. لم أقوَ على مشاهدة والدي مشوهاً، انا ابنته المدللة، أتخيل أعضاءه المنتشرة في الشارع. صرت أزور قبره كل صباح وأنظف صورته التي وضعت قرب الشاهدة، رافضة أن يكون غير ذلك الشخص الموجود في الصورة، كامل الجسد جميلا.
الموت لم يكتف بأبي، بل أخذ كذلك أخي الذي انضم الى احدى الفصائل المسلحة( جيش الاسلام)، وحارب النظام كردة فعل على مقتل ابينا تحت التعذيب. وعاد اخي جثة هامدة. دفناه قرب والدي، وصار لنا قبران، نوزع زياراتنا اليومية بينهما. عند رحيل زوجي أضيف الكيس إلى عناصر المأساة، كيس أقرب إلى القبر.
بعد أنتهاء العزاء ومغادرة الأقارب والجيران، عشت عمق المأساة. غدوت وحيدة مع ثلاث بنات، سارة وردينة وشام، من دون زوج ولا أب ولا أخ. أوضاعنا المعيشية ساءت جداً، فلا عمل ولا إعانة ولا مدخول مالي. حوصرنا أشهراً من دون ماء وطعام، صرنا، نشتري حبوب الشعير، تطحنه أمي وتصنع منه خبزاً. ولأننا لم نكن نملك المال، قايضنا قطعاً من الذهب مقابل كمية من الشعير. وحصل مرة ان بادلنا أسوارة ذهبية بربطة خبز وكيلو غرام من السكر وعدد من حبات البطاطا.
مع اشتداد الحصار ونزوح معظم السكان، لم يعد من مجال للبقاء. قررنا الرحيل، عبر وسيط لم يرض بمساعدتنا الا بعد ان أخذ آخر ما نملك من ذهب.
وصلنا لبنان، وانضممنا الى احد مخيمات النازحين. هناك، أعطونا خيمة وفرشا وأغطية، لتبدأ المرحلة الثانية من العذاب، عشنا في ظروف شديدة البؤس، ما دفعنا إلى مغادرة المخيم، والذهاب إلى بلدة قريبة، اعطانا احد سكانها غرفة صغيرة، مقابل مساعدة زوجته في التنظيف والاولاد، وتكرم علينا بالعمل خارج منزله. عملنا في تنظيف البيوت، وأحياناً في الزراعة، وبقيت معنا بطاقات الإعاشة الشهرية التي تؤمن لنا بعض الحاجيات والمازوت.
مرّ الوقت، تراجعت صحة أمي، وأصيبت باكتئاب جراء التحولات المأساوية التي مررنا بها، وقررت التخفيف عن نفسها، فذهبت لزيارة أختي التي لم تتحمل العيش في المخيم فعادت إلى سوريا. وفجأة وبعد سفر أمي من لبنان الى ريف دمشق حيث أختي، صدرت تعديلات على قانون إقامة السوريين تمنعها من العودة.
في اليوم ذاته، قصدت مع ابنتي منزل عسكري في الأمن اللبناني، تعرفت اليه أثناء خدمتي في منزله ورجوته ان يساعدني في تمرير أمي عبر الحدود. واثناء عودتنا ليلا هاجمتنا سيارة مجهولة، خطف سائقها ابنتي البالغة من العمر ستة عشر عاما، وانتشل سائقها حقيبتي التي تحوي أوراقنا الثبوتية وأوراق الإعاشة. حاولت أن أقاوم بالصراخ وطلب الاستغاثة، لكنه رماني أرضاً وغادر مسرعا. كانت لحظة انهيار كامل، ابنتي سلخت عني، والدموع تخنقني.
توجهت إلى منزل العسكري واخبرته بما حصل، أشفق على حالتي المزرية. سمع مني تفاصيل ما حدث، ووعدني بالمساعدة، ثم طلب مني ملازمة بيتي ريثما يتوضح مصير ابنتي.
مرت ساعات ثقيلة، قضيتها في البكاء والدعاء. اتساءل: هل قتلوها؟ هل اغتصبوها؟ ماذا فعلوا بها؟، بت أسيرة هواجس تتنافس على تخويفي.
وفي ساعة متأخرة من الليل، قرع الباب، ودخلت ابنتي منهارة تماماً. لم أستطع معرفة ما حصل معها. كانت في حالة صدمة وذهول.
في اليوم التالي، لم تنطق الفتاة بأية كلمة، بقيت في سريرها جامدة، عيناها جاحظتان ومثبتتان نحو الجدار، كلمتها مراراً حاولت استفزازها لتقول شيئا، لكن من دون جدوى.
أصيبت ابنتي جراء صدمتها بمرض جلدي تسبب بسقوط شعرها، فاصبحت صلعاء من دون شعر. كشف عليها أكثر من طبيب في مراكز طبية تابعة للنازحين، وخلصوا إلى النتيجة ذاتها، لا علاج لها سوى المهدءات.
أصبحت وحيدة، دون زوج أو أم أو أب أو أخ، معلقة بأمل الحصول على فيزا لجوء الى دولة اوروبية عبر جمعية تعنى بالنازحين، علني هناك اجد علاجًا لمرض ابنتي

 

 

Jamila Hussein

هذا النص شهادة من قصص كثيرة رواها النازحون السوريون في لبنان ..وصدرت هذه المجموعة القصصية عن دار النهضة في معرض الكتاب 2019..
في احدى القصص..
تقول نورة: ان والدها قتل بشظايا برميل متفجر…اما الاخ الذي التحق فيما بعد بفصيل مسلح، ما لبث ان وقع اسيرا لدى النظام ثم قضى الاخ تحت التعذيب…
القصة تتركز على شخصية نورة ليس الاّ
محبتي