أخبار عاجلة
الرئيسية » شهداء ضحوا لاجلنا » الطبيب الشهيد جاك كورية : قصة طبيب أحب اطفال بلده أكثر من الحياة

الطبيب الشهيد جاك كورية : قصة طبيب أحب اطفال بلده أكثر من الحياة

الطبيب الشهيد جاك كورية …. حلب … قناص وخمس رصاصات ..

جاك كورية.. قصة طبيب شهيد أحب اطفال بلده أكثر من الحياة
5 رصاصات كانت كفيلة لتحويل الطبيب جاك كبرئيل كورية “المفعم بالحياة” إلى جثة هامدة لتختلط دماءه بدماء زوجين في حي بستان القصر جنوب حلب أثناء محاولته انقاذ 3 أطفال محاصرين بالرصاص بعد أن استقر عدد منها في رأس الأب والأم الجالسين في مقدمة السيارة.
قصة جاك، الناشط الانساني وعضو إحدى الجمعيات الأهلية حديثة العهد، ليست سوى صفحة من مجموعة روايات المآسي الإنسانية التي تشهدها سورية منذ 19 شهراً، لم تنته مجموعتها بعد، تتغير فيها الأسماء والشخصيات والأماكن والأزمنة لتشترك جميعها بالعنوان العريض موت ثم موت يليه موت فموت.

حب الطبيب الشاب العازب للأطفال دفعه للتفرغ للعمل الانساني وخاصة الأطفال النازحين بدءاً من مدرسة مقابلة لمستوصف “ساحة التنانير” في حي “الجديدة” الشعبي بحلب القديمة، والذي عيّن فيه بعد حصوله على شهادة الطب عام 1995.

ويروي “علي ش.”، وهو شاب من أهالي ساحة التنانير، لسيريانيوز تفاصيل عن حياة جاك فيقول “منذ 5 سنوات والدكتور جاك يعتبر معيل عائلات الحي صحياً، الجميع في المنطقة كان يتردد على المستوصف لشدة ثقتهم به وبإرشاداته ” .

نعش الدكتور جاك
ويضيف محاولاً إخفاء دموعه “مع بداية أحداث مدينة حلب، توافدت إلى الحي دفعة كبيرة من العائلات النازحة من مناطق صلاح الدين وسيف الدولة والعامرية والأنصاري وغيرها، لتستقر بعضها في منازل سكان ساحة التنانير والحارات المجاورة في حين لجأ العدد الأكبر منهم إلى مدرسة “محمد عامر” الابتدائية في الحي”.

“أخذ جاك على عاتقه”، يتابع علي، “الاهتمام بشؤون النازحين المستقرين في المدرسة، وخاصة الأطفال منهم، رعاية تجاوزت الأمور الصحية لتشمل أيضاً احتياجاتهم الغذائية والحياتية”.

استمر الحال على هذا الوضع، إلى أن دخل مسلحو المعارضة حي الجديدة ، وبات من الصعب على جاك ان يصل الى مكان وظيفته في ظل الوضع المتوتر.

ولكنه بقي يتردد على الحي، رغم انتقاله إلى مركز طبي حكومي آخر، حيث كان “أبو حسين” السمان، يقوم بتسجيل أسماء العائلات المحتاجة لمساعدة الطبيب ليقوم بمعاينتهم في منازلهم، وطبعاً كان لنازحي المدرسة الحصة الأكبر من الاهتمام والرعاية.

تعرف جاك، خلال إحدى زياراته للمدرسة، على جمعية “شباب سورية لخدمة الأهالي” المؤسسة حديثاً، كغيرها من الجمعيات التي ولدت من وحي الأزمة، مبدياً رغبته في التطوع وزيارة مدارس أخرى تأوي نازحين في المدينة.

جاك في اول التسعينيات مع أصدقائه في معسكر التدريب الجامعي
وتروي “مروة أ” الشابة الممرضة ممارسةً، والنازحة إلى منزل أهلها في حي الجديدة، لسيريانيوز قائلة “توسع عمل جاك الخيري ليشمل المدارس الأربعة، التي كانت ترعاها الجمعية طبياً ومعيشيا”.

واستمر جاك في مزاولة عمله التطوعي، وبدأ يتنقل من مدرسة لأخرى حيث يمضي مع أطفالها ساعات طويلة، يتقاسم العائلات النازحة رغيف االخبز الذي كانت الجمعية تؤمنه مع كوب الشاي المحبب بالنسبة له، ويعاين جيران الأمس القريب من عائلات حي المستوصف، لكن في غرفة إحدى فنادق منطقة “باب الفرج” بحلب، حيث اتخذت الجمعية مقرها بجوار الغرف التي أوت العائلات النازحة، بمساعدة منظم المواعيد “أبو حسين”.

يقول عبود، شقيقه الأكبر، “كان أخي يمضي في المستوصف وقتاً أطول مما كان يمضيه برفقة أخوته، لم يكن من هواة الزيارات والسهر، فحياته كانت عبارة عن العمل التطوعي ومؤآنسة والدتي الكبيرة في العمر، والذي كان جاك أحب الأبناء إلى قلبها”.

وفي الـ 16 من أيلول، وبينما كان يستقبل المرضى في غرفة الفندق، علم جاك بوجود عائلات محاصرة وأطفال مصاببين وسط اشتباكات عنيفة في منطقة بستان القصر جنوب مدينة حلب، فتوجه إلى هناك مع عدد من أعضاء الجمعية، الذين اعتادوا على إخلاء المدنيين من المناطق الساخنة بالاضافة إلى أعمال الاغاثة الانسانية.

عند وصول الفريق إلى حديقة الطلائع في المنطقة المذكورة، كان في استقباله أحد أعضاء الجمعية، الشاب علي اسماعيل، الذي أخبر الطبيب عن وجود سيارة واقفة في منتصف الطريق وفي داخلها 3 أطفال تغطيهم جثة امرأة حجابها ملطخ بالدماء بجوار جثة رجل كان يقود السيارة العالقة وسط اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري ومسلحي المعارضة المسيطرين على المنطقة.

علي الذي كان مع جاك في آخر لحظاته

ويروي علي قائلاً “لازمنا الأرض منبطحين أسفل سور الحديقة، منتظرين مساعي وقف اطلاق النار ليتسنى لنا اخلاء الاطفال من السيارة وسحب جثث من داخل سيارات أخرى في الشارع ، وكان جاك يتواصل عبر جهاز لاسلكي مع رئيس الجمعية الساعي للتوصل الى وقف اطلاق نار مؤقت “.

ويتابع علي قائلاً “فجأة لمحت الطبيب في منتصف الشارع والدماء تنزف منه وهو يحاول جاهداً الوقوف على رجليه تحت وابل الرصاص”.

نادى علي لجاك راجياً منه العودة والانتظار لحين وقف النار، لكن الطبيب لم يأبه لندائه، مطمئناً إياه بأنه على ما يرام وأن رصاصتين استقرتا في خاصرته في مكان ليس بالخطر، وأن بإمكانه تلقي العلاج بعد اخلاء الطفلتين اللتان مازالتا على قيد الحياة في حين توقفت الطفلة الثالثة عن الحركة.

ويستطرد علي في روايته “قفزت من على سور الحديقة لأعيد جاك المصاب ، لكنني أصبت انا ايضا برصاصتين في رجلي وطرحت أرضاً ، ورأيت الطبيب أمامي وهو يحتضر بعد أن تلقى المزيد من الرصاصات، ووقع على الأرض جثة هامدة بدون حركة وجسده يسبح في دمه”.

طال انتظار وقف اطلاق النار، الذي لم يتحقق، وبقيت جثة جاك المدماة أمام ناظري علي، الذي بقي لساعتين متواصلتين يتظاهر بالموت والدماء تسيل من رجليه، بعد أن تابع قناص باستهدافه برصاصة كل ربع ساعة تقريباً حتى بلغت عدد الطلقات التي استقرت في ساقي علي 5 رصاصات ، 3 في اليسرى واثنتين في اليمنى.

اذاً استشهد جاك، وعلي ينتظر الموت بعد كل طلقة يشعر بها وهي تهشم عظام قدمه دون أن يبدي أي ردة فعل قد تلفت انتباه القناص بأنه ما زال حياً، لم يكن مستعداً للموت بعد، فعلى بعد أمتار قليلة يوجد طفلان يحدقان به بعد أن فقدا الأمل في النجاة بوفاة الشاب الوحيد الذي حاول الوصول إليهما ليصبح كوالديهما ينزف دماً دون حراك.

عند حوالي السابعة مساء، توقفت طلقات القناص وانقطعت أصوات الرصاص ليبدأ علي رحلة النجاة ، زاحفاً نحو باب الحديقة، محاولاً الوصول إلى ساحة “حديقة الطلائع”.

نجا علي، الذي أغمي عليه من شدة النزيف، ونجا الطفلان المحاصران في السيارة، اللذان تيتما في “لحظة قدر”، لتتحقق أمنية جاك الشهيد، الذي أبكى كل من شهد على حياته أو قرأ سيرتها القصيرة الغنية.

سركيس قصارجيان- سيريانيوز