أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون إيرانية » ظريف يهزّ العصا لخامنئي والغرب معاً : ضاق ذرعاً بالانتقادات التي توجّه إليه من الداخل

ظريف يهزّ العصا لخامنئي والغرب معاً : ضاق ذرعاً بالانتقادات التي توجّه إليه من الداخل

يبدو أن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بإعلانه من خلال “انستغرام”، رغبته في التخلّي عن مهامه والاعتذار من الشعب الإيراني في حال قصّر في واجبه، اختار أنّ يكون هو أوّل من يعلن خبر استقالته بنفسه، وبالتحديد من خلال منصة التواصل الاجتماعي الوحيدة المتاحة وغير المحجوبة في إيران، مفضّلاً عدم اللجوء إلى أي وسيلة إعلامية إيرانية، إصلاحية كانت أم تابعة للنظام.

ظريف الذي كان بإمكانه تسريب نبأ استقالته عبر نائبه أو مصادر مقربه منه، أو حتى الإشارة إلى إمكانية حصولها تلميحاً أو تلويحاً، يبدو أنه أراد للاستقالة أن تأخذ هذا الشكل الدراماتيكي المفاجىء لإحداث هزّة مدروسة داخل النظام الإيراني، كونه يدرك أنّ الخروج من أي منصب حسّاس في نظام شمولي مماثل لهذا النظام، هو أمر غير مستساغ ويمسّ بأكثر من ناحية صورة الديكتاتور الذي يترأس هرم السلطة، باعتبار هذا النوع من الاستقالات وبهذه الطريقة يحمل مضموناً اعتراضياً واضح الملامح، يطاول النخبة الإيرانية الحاكمة برمّتها.

لذا فإنّ إمكانية تخريب وقع خبر الاستقالة ومراميها وإفراغها من معناها، كان مرجّحاً في حال مرورها عبر أيّ جهاز إعلامي أو سياسي تابع للسلطة أو لصيقاً بها، فعادة ما تلجأ الديكتاتوريات إلى حبك سيناريوهات وتلفيق إشاعات تكون كفيلة برسم شكوك وطرح احتمالات وراء أسباب الاستقالة، ليس أقلها إمكانية الترويج بأن الاستقالة لم تأت طوعاً، بل أتت كنتيجة لفشل في أداء المهام أو لفساد أو اتهامات بالضعف والتخاذل والوهن مقابل ما تتعرض إليه الأمة من هجمة شرسة. وعليه، يمكن اعتبار الاستقالة، لناحية الشكل، محاولة استباقية من ظريف تهدف إلى إحداث أكبر أثر اعتراضي ممكن، مقابل أقل قدرٍ من الارتداد السلبي المحتمل الذي من الممكن أن يرتد عليه.

إلا أنّ الأخبار وبعض التعليقات الواردة من الداخل الإيراني، والتي يمكن وصفها بالإرباك والحذر، تشي بأنّ الاستقالة المفاجئة كان لها وقعٌ مدوٍّ في الأوساط الإيرانية كافة. ففي حين اكتفت معظم وسائل الإعلام الإيرانية بنشر خبر استقالة ظريف من دون الخوض في تحليل أسبابها أو محاولة رصد تداعيتها، ومن دون استضافة مسؤولين أو محللين لاستيضاح أو محاولة قراءة دوافع هذه الاستقالة، لجأت وسائل إعلام أخرى إلى السعي لفهم الظروف والعوامل المحيطة بالاستقالة، إلا أنها لم تفلح بتقديم أي إيضاحات أو أسباب مقنعة، بل جلّ ما نتج عنها كان مجموعة من التخمينات المتضاربة.

ففي حين قالت صحيفة “الجمهورية الاسلامية” إنّ ظريف صرّح لها بالقول إن “الصراع بين الأحزاب والفصائل في إيران له تأثير السم القاتل في السياسة الخارجية”، أشارت إلى أن تصريحاته، التي تأتي بعد يوم من إعلانه الاستقالة، “توحي بأنه ربما استقال بسبب ضغوط من عناصر محافظة، عارضت دوره في التفاوض على الاتفاق النووي مع القوى الكبرى العام 2015”. لكن موقع “انتخاب” الإخباري الإيراني، ذكر أن الزيارة التي أجراها الرئيس السوري بشار الأسد لطهران، أمس الاثنين، كانت السبب وراء تقدم ظريف باستقالته من منصبه، بعدما تم استبعاده عن هذا اللقاء، إذ أنه لم يظهر في أي من الصور التي جمعت المرشد الإيراني علي خامنئي أو الرئيس حسن روحاني بالاسد. وأضاف الموقع أن ظريف صرّح لمراسله بالقول: “بعد الصور التي التقطت خلال مباحثات اليوم، لم يعد لجواد ظريف اعتبار في العالم كوزير للخارجية”.

المرارة التي اعترت كلام ظريف عن استبعاده من حضور جلسات لقاءات الأسد تحمل في طياتها ما يُرشّح أن يكون السبب الحاسم الكامن وراء الاستقالة، إذ بدت وكأنها القشّة التي قصمت ظهر البعير. فيما يبدو أن ظريف ضاق ذرعاً بالانتقادات التي توجّه إليه من الداخل، مضافة إليها التصريحات المتفلّتة المسيئة الموجهة إلى الخارج، والتي تنهمر من كل حدب وصوب عن ألسنة مسؤولين عسكريين وسياسيين إيرانيين، كونها تمسّ بدوره كوزير للخارجية وتؤثّر في أدائه وتساهم في تخريب عمله ومهمته المتشعبة والحساسة المتمثلة بالدفاع عن إيران وتحقيق مصالحها، ما يمعن في تعقيد تواصله، الشائك في الاساس، مع الدول والمسؤولين في الخارج.

الخوض في أسباب استقالة ظريف، بمؤشراتها الأخيرة، سلّط الضوء على الأسلوب ومدى الاستخفاف الذي يتعاطى فيه المتشددون في إيران، وعلى رأسهم المرشد، مع الحكومة ومسؤوليها مهما علا شأنهم. إذ أن دلالات استبعاد وزير خارجية البلاد، التي تمرّ في واحدة من أدق أزمات وجودها، تظهر بأن مسؤولاً بمنصب ظريف ليس فقط محيّداً عن صنع القرارات ورسم الخطط والاستراتيجيات، التي تتعلق في صلب مهامه، بل إنها لا تجد ضيراً في حجب النقاشات والحوارات التي يقومون بها، ما يجعل أدوار حاملي المناصب الحكومية لا تعدو كونها مجرّد أدوار فولكلورية، ذات مهام شكلية تلقينية، لا فعالية لها ولا قيمة لشخصيتها ولمراكزها، إذ تنحصر القرارت في بداية المطاف ونهايته، في يد المرشد الأعلى، عملاً بمبدأ “الأمر لي”. أما في ما بدا مؤخراً أنه تخطّى حتى الشكل والصورة، فهذا كما يبدو قد فاق قدرة ظريف على تقبله وتحمّله.

هذا الأمر شكّل منطلقاً للعديد من وسائل الإعلام الأميركية في سياق تحليلها لمعاني ودلالات استقالة ظريف، من خلال اعتبارها أن الاستقالة تمثّل خطوة اعتراضية على المرشد وسياسته وأسلوب تعاطيه الفوقي مع الرئاسة وأعضاء الحكومة الإيرانية، بعدما بدا أنه طفح الكيل بالنسبة لظريف الذي لم يكن لديه سلطة اتخاذ القرارت بل كان رجلاً للجبهة، ينفّذ ما يُطلب منه حصراً، ولعلّ هذا ما شفع له البقاء في منصبه طوال هذه السنوات، بالرغم من أنه “كان معتدلاً وسط بحر من المتشددين”، وفقاً لوكالة “بلومبرغ”.

الإعلام الأميركي أجمع على أنّ استقالة ظريف، في ما لو تمّت، تعني انقطاع صلة الوصل مع نظام أسيء فهمه لسنوات، وبأن إيران تكون قد خسرت آخر مصدر صلاتها مع الغرب، إذ إن ظريف كان “ديبلوماسيا بارعاً، وعمل بشكل ايجابي لبلده المعزول، ومع ذلك وجد نفسه في النهاية مهزوماً ليس بسبب التضييق الايراني عليه فحسب، بل بسبب الغربيين الذين لم يتمكنوا من إيجاد طريق لحلول وسط معه”، تقول مجلة “فورين بوليسي”، مشيرة إلى أنّ الديبلوماسين الأميركيين الذي تعاملوا مع ظريف ويعرفونه عن كثب، يعتبرون أن رحيله من منصبه هو علامة مؤلمة، خصوصاً بعد عام تقريباً على انسحاب ترامب المفاجىء من الاتفاق النووي الايراني، ما يعني أن استقالة ظريف ستجعل العلاقات الاميركية الايرانية تسلك منعطفاً دراماتيكياً نحو الأسوأ.

تعاطي وسائل الإعلام الأميركية مع نبأ استقالة ظريف، حمل في طياته نقداً مبطناً للرئيس ترامب. إذ أن التركيز على استثنائية شخصية ظريف ومرونته في عمله الدبلوماسي، تلقي بعض اللوم على السياسة المتشددة التي اتبعها ترامب، والتي ساهمت بإضعاف ظريف في محيطه الإيراني، معتبرة أن هذه الاستقالة تعني حتمية خلق أزمات جديدة في الشرق الأوسط. كما ألمحت إلى أنّ الأسلوب الفظّ في تعاطي الرئيس ترامب مع قضايا الشرق الأوسط ساهم في إضعاف المعتدلين ونحرهم بدلاً من تعويم أدوارهم ومساعدتهم في تصدّر الواجهة السياسية. وهو ما دفع صحيفة “نيويورك تايمز” للقول إنّ “إيران من دون ظريف ستواجه طريقاً صخرياً أشدّ وعورة في السياسة الخارجية، وسيكون من الصعب للغاية على الجمهورية الاسلامية أن تجد خلفاً له يوازيه في مهارته المبهرة”. لكن “نيويورك تايمز” رجّحت أن تكون خطوة ظريف الأخيرة “عبارة عن رسالة سياسية للنظام، تهدف إلى كسر الطوق الداخلي عنه، والتوقف عن السعي إلى تقليص دوره وتحجيم مكانته”.

وفي حين أنّ الساعات المقبلة ستحسم كيفية تلقّف النظام لهذه الاستقالة، إلا أنه يمكن قراءة رفض روحاني لاستقالة ظريف على أن الساعات الأخيرة كانت مسرحاً لتواصل محموم معه بغية إقناعه بالتراجع عنها، ضمن تقديم ضمانات تحرص على تعزيز مكانته وكفّ أصوات منتقديه عنه. لكن الكلمة الأخيرة تبقى عند ظريف، الذي سيظهر موقفه النهائي من التمسّك باستقالته أو الرجوع عنها، حقيقة اقتناعه بإمكانية إحداث بعض التغيير في النظام أو يأسه من الرهان عليه.

كما أن عدم قبول روحاني باستقالة ظريف، يمكن قراءته بطريقة مغايرة، إذ إن تقديم هذه الاستقالة من الممكن أنها لا تعدو عن كونها مناورة تمّت بالتنسيق مع روحاني بهدف إيصال رسالة للدبلوماسية الغربية التي سيكون عليها التعامل مع خلفٍ أكثر تشدداً منه، وفي الوقت نفسه هزّ العصا بوجه الطرف المتشدد الحاكم، الذي يمعن في إقصاء الإصلاحيين، لإجباره على أخذهم على محمل الجدّ ومشاركتهم في صنع السياسات والقرار.