أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » عرض وتحليل لرواية طيور الشوك bei Colleen McCullough The Thorn Birds بقلم آرام كرابيت

عرض وتحليل لرواية طيور الشوك bei Colleen McCullough The Thorn Birds بقلم آرام كرابيت

آرام كرابيت

طيور الشوك

الروائية، كولين مكلو تأخذ بلبّنا، تجعلنا نسرح، نبحر في عوالمها، بشغف وحب، ورغبة في معرفة ذلك الجزء الغريب عنا، نيوزلاندا وأستراليا، نسبح في ظلال تلك الأرض الغريبة، غربة الإنسان في هذا الوجود. نتلمس التراب الأسود في مقاطعة ويلز الجنوبية الجديدة، الحر الشديد، الشمس الحارقة، الذباب الكثيف وقطعان الكناغر التي تسرح وتمرح. الكنيسة التي تملك السماء، وتقبض على الأرض، تستملك منطقة دروغيدا في علاقة مباشرة مع الكرسي البابوي، شيء من الذهول يخيم على حيوات الناس، أقدارهم، في بيئتهم الجديدة، وكأنهم مكلفين من الرب أن يدخلوا هذه المعمعة، يغطسوا في جورة الحياة، قسوتها. الركض الدائم وراء لقمة الخبز، دون أن يقف أحدهم مع نفسه ويسأل: ـ ماذا فعلت، من رجمت حتى أعاني هذا العذاب والألم. بسرعة هائلة، عبر المال تشكلت عائلات، بيوتات مالية تستملك قطاعات كبيرة من الأراضي المفتوحة على وسع السماء. المال، كل شيء يدور حوله، البنية النفسية للناس، العقلية، ذلك الصنم الذي ليس له انتماء، والركض السريع والمحموم وراءه. الصراع المحموم للناس من أجل الملكية، الانتماءات الشكلانية للذين جاؤوا إليهما هرباً أو تسفيراً أو تهجيراً، من قبل الحكومة البريطانية لمنفاهم الجديد، القاسي، ودفعهم بالقوة، إلى هذه البلاد البعيدة عن مركز الحضارة الرأسمالية. جاؤوا من إيرلندا الكاثوليكية الثائرة على المذهب البروتساتني، حوامل المصالح والصراعات.
القسم الأكبر سجناء، متهمين بجرائم، أو ثائر أو قاطع طريق. وأرادت الإمبراطورية لفظهم ورميهم في أتون عالم غامض في وجوده، على تلك السواحل الغريبة، الغامضة، نيوزيلادا وأستراليا. العلاقات العاطفية المريضة، المتكئة على قيم دينية، تجعل الإنسان مستلبًا، مرهونًا لقوانين الكنيسة والدين.
تستملكهم، وتأسر وجودهم. الرواية، تعري المجتمع النيوزلاندي، الأسترالي في الربع الأولى من القرن العشرين إلى ما بعد منتصفه، مروراً بالأزمة الاقتصادية الكبرى في العام 1929، والكساد الذي ضربهما، البطالة والمزيد من التشرد والجوع والضياع، تحكّم الزوج بادي، بزوجته، فيونا، الأولاد والبيت طيلة حياته. وعندما مات انتقلت سلطته إلى ابنه بوب.
نكتشف هشاشة المرأة، المهذبة، الخاضعة لقوانين الزواج، للرجل، عبر استلابها والحاقها به. الدين، المذهب الكاثوليكي فاعل بقوة في تسيير العلاقات، عدم قدرة الناس القفز عليه، حساسية المذهب، الكاثوليكي والبروتستاتني من بعضهما، انقسام المجتمع على ذاته، كل مذهب له كنيسته، رعاته، رجاله. وتسلّط الرواية الضوء على العادات والتقاليد السائدة، الحسب والنسب، المكانة الاجتماعية المرتبطة بالقوة، المال، النفوذ والسلطة.
في بداية القرن العشرين في تلك البلاد، الزواج، العلاقات خارج مؤسستها، العيب، كلام الناس، عدم تقبل امرأة أقامت علاقة مع رجل أو انجبت طفلاً. تتحول، في أو فيونا، إلى عار، يلاحقها طوال حياتها. تتخلى عنها أسرتها بالرغم من أنها تزوجت وأنجبت تسعة أطفال. وفي لحظة غضب، يحقر الزوج بادي، ابن زوجته، الابن غير الشرعي، فرانك من عشيقها، بالرغم من أنه عاش طفولته في أحضانه. وكان بمثابة أبوه، بيد أنه عيّره بأنه ابن زنى، مما دفع هذا الشاب إلى الهرب وترك البيت، ثم يتحول إلى مجرم. إنه منحوس، يهرب من عاره، وعار أمه. تسلط الرواية بقوة الضوء على علاقة الدين بالمال، عشق القوة والسلطة، التراتبية، وفق حسابات دقيقة، وفق منظور شكلاني تراعى فيها القوة.
عائلة بادي، الزوج، العامل العادي، جزاز الصوف. ينتقل من منطقة إلى أخرى بحثًا عن العمل. لا يعرف سوى إنجاب الأطفال والعمل، من النادر أن نراه يتحدث أو يتكلم. تابع أمين للكنيسة. زوجته. في أو فيونا، من عائلة نبيلة. في البدء، كان والدها، مجرماً محترفاً، هرب من السجن بعد أن قتل حراسه الستة. وشاءت الظروف أن يصل إلى سواحل نيوزلاندا، ويتحول بين ليلة وضحاها إلى مالك، يمتلك قطعات هائلة من الأرض البور، ويصبح رجلًا ثريًا، ارستقراطيًا، محترمًا، تحسده بقية العائلات.
تدخل ابنة العائلة النبيلة في علاقة عاطفية مع إنسان، تنجب منه جنينًا، بيد أنه يهرب من مسؤولية تبنيه. يستيقظ العار، العلاقة المربوطة بشروط المجتمع في داخل العائلة. تعمل هذه الأخيرة على التخلص من ابنتهم بأية طريقة. ترمى لأول رجل، (بادي)، من عائلة فقيرة، تتزوجه سترًا للعار. لا اسم له ولا مكانة، بيد أن، في، تبقى مخلصة لزوجها، أطفالها. ومن النادر نسمعها تتكلم أو تبدي رأيها في مسألة ما. خجلها من عارها ربط لسانها، أسكتها وأصبحت أسيرة له.
الشخصية المحورية في الرواية هي، (ميغي)، الفتاة، الوحيدة في الأسرة المكونة من ثمانية ذكور، يموت أحد الأطفال، قبل أن يكبر. تعشق ميغي الكاهن رالف، بيد أن هذا الأخير يعشق ذاته، المال، الخضوع التام، العبودية للكنيسة وقوانينها التي تحوله إلى مجرد تابع، خادم. كان يحبها، بيد أن شخصيته غريبة. هوسه بنفسه، ظنه أن جميع النساء يعشقنه لوسامته، جاذبيته الغريبة
يهرب من هذا الحب، يجري ركضًا من مكان لأخر، يصلي، يتعبد، بيد أن الحب، العشق، سلطان، يبقى عالقًا في أنفاسه، وروحه. ويركض معه، يلتصق بجلده ولا يتركه أينما ذهب. تصور الرواية، كأن الحب بين الرجل والمرأة، القدر لا فكاك منه. مهما حاول الإنسان الهرب منه، يخرج له، ويحرك ذاته ووجوده دون أن يكون للإنسان القدرة أن يوقفه، وكلا الرجل والمرأة مستلبين لا قوة لهما على رفضه.
ميغي تهرب، أيضًا من ذاتها. تلجأ إلى رجل أخر شبيه بالكاهن رالف في الشكل والمظهر، بيد أنهما مختلفان بالجوهر. وتتزوجه دون معرفة لطباعه، عقله. وتتحول إلى شيء، ظل لا صوت له وكلمة. مستلبة بالكامل، لسانها مربوط مثل أمها، من الخجل، من الفضيحة، من قرارها الخطأ بالزواج من رجل اختارته بالخطأ شخصيات الرواية مأسورة، مسجونة في قوالب الأقدار.
كل شيء في استراليا غريب، الأرض، مزارع الأغنام، تحركات القطعان الكبيرة للأغنام التي تقدر بعشرات الآلاف، تغييرات الطقس السديمي المرعب، تقلباته. الطقس المداري الحار، هبوب العواصف الرملية، العجاج التي يسد الأنفاس ويعمي العيون، قلة الأمطار في منطقة ويلز الجنوبية الجديدة، الجفاف الحاد.
ومع هبوب الرياح والصواعق، تشتعل النيران في تلك المدارات القريبة من مدار السرطان، الحرائق التي تجتاح عشرات الآلاف من الهكتارات المعدة للرعي، تحولها إلى أرض سوداء يعقبها أمطار كثيفة عدة أيام. ومن الغرائب، أن جدولًا، شبه جاف، يتحول في ليلة ماطرة، إلى نهر بارتفاع سبعة عشر متراً.
كل شيء متناقض في ويلز الجنوبية الجديدة في أستراليا. أعلى معدل للأمطار في السنة حوالي 400 مم وعلى مسافة بعيدة، مقاطعة كوينزلاند الشمالية، الأمطار غزيرة ومرعبة، ويصل معدلها إلى 7500 مم، في بيئة مملوءة بغابات هائلة مزروعة بقصب السكر. جميع البيوت في غيللانبون مصنوعة من الأخشاب، ما عدا فندق امبريال والكنيسة الكاثوليكية، ومدرستها والدير وبيت الكاهن. وفي الطريق إلى دروغيدا، طيور الأمو تجري بسرعة الريح. العمال الرحل، المشردون، الذين لا يحبون الاستقرار، منطقة غيللانبون، أشجار الصمغ العالية.
في هذه المدينة ورثت السيدة ميري كارسون، دروغيدا، مساحات هائلة من الأراضي، عالم قائم بحاله، مقطوعًا عن الحضارة، فيه اسطبلات، حانات الحدادة، مسالخ، آلات زراعية. في شهر آيار من كل سنة، يبدأ جز قطعان الأغنام في روغيدا، بوغيلا، ديبان ديبان، وبيل بيل. فالجز الجماعي لصوف الأغنام كان شائعاً، معهم طباخيهم، ويشترون غذاءهم من المحطة، تأمين كميات هائلة من الطعام، إعداد وتنظيف الأكواخ الخشبية المتداعية.
وتعتبر دروغيدا أكبر مراكز الجز في ويلز الجنوبية الجديدة، لجز ثلاثمئة ألف خروف.
القطارات هي الوسيلة الوحيدة لقطع مسافات كبيرة من الغرب إلى الشرق ومن الجنوب إلى الشمال، وتكون عادة مكتظة بالناس الواقفين. فعند زواج لوك من ميغي، يسافرون عبر القطار من ويلز الجنوبية الجديدة باتجاه كوينزلاند الشمالية وقوفاً على أقدامهم عدة أيام. ومرات كثيرة يتوقف القطار دون سبب. ويتوقف، كلما خطر على بال السائق أن يصنع لنفسه كوبًا من الشاي أو ليمرر قطيعًا من الأغنام يتجولون على السكة. أو يثرثر مع أحد الرعاة. والمحطات، أبنية قبيحة، مطلية باللون الأخضر، بمقاعد خشبية سوداء.
يشعر المرء أن الإنسان في هذه الرواية يضع قدره فوق رأسه كحمل ثقيل، كصخرة جاثمة، لا تتحرك. يمشي وهو صامت، لا يعن من ثقل ضربات الزمن، ولا يتأفف أو يتذمر.
وكأن الحياة ولدت هكذا، مقلوبة، متقلبة، قاسية. والإنسان فيها مربوط بثقافة، تحثه أن يبقى على قدميه واقفًا دون أن يفكر في المقاومة أو الصراخ. نستطيع التعرف على المقاطعات الاسترالية، المدن، الأدغال، الصحراء، البيد، والغابات التي تحيط بالمدن، أعمدة الهاتف، أشجار الجوز الطويلة، الصمغ. وعندما تسافر الزوجة ميغي مع لوك غلى مقاطعة كوينزلاند، نتعرف على مدينة أخرى اسمها دنغلو التي بنيت على شكل تجمعات مستقيمة، يعيش فيها الكثير من الصينيين، يرتدون بنطالات سوداء حريرية. وكل التجارة في أيديهم. البيئة شديدة القسوة، كأن المكان يرصد حيوات الناس، يركعهم، يربطهم بأوتاد الوجع.
إنّها حكاية الإنسان، غربته، البراري، الطبيعة القاسية، يعصي على البشر ترويضها ومحاولتهم التأقلم مع الوضع القائم. الرواية طويلة جدًا، تمتد على مساحة 1322 صفحة مقسمة على ثلاثة أجزاء، بيد أنّها شيقة وجميلة.