أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

الأديبة اللبنانية جميلة حسين

جاد

انطلقت الزغاريد من منزل ماريا، وعلا صوت الموسيقى احتفاء بالحدث، الفرحة العامرة لفّت الحضور، الجميع في الحلبة، رقص وغناء ودموع فرح وتبادل التهاني .
باقات الزهور اخذت مكانها في الزوايا وامام العروسين، الحلوى والمشاريب غطوا اسطح الطاولات..
فيما كان جاد في حالة اضطراب وتناقض، يقول: “لا اصدق أين أنا، ولا في أي مكان..! اختلطت الاصوات في رأسي، صوت المغني مع صراخ المحقق، وصوت الطبلة مع زعيق المحقق يمسك الكرباج ويضرب به انحاء جسدي،
لم استطع الفصل بين الحالتين، كنت مشدوها اضحك وابتسم لحبيبتي، واتوه امام صورة التعذيب التي تلاحقني…
يا الله! كم يلزمني من الوقت كي أشفى، كي نشفى نحن السوريون!؟
حتى في اصدق اللحظات فرحا اتخيل لحظة الوجع والالم…
أنا جاد المطرود من حضن وطني وحضن أمي، ها أنا في حضن عائلة السيدة ماريا في لبنان، التي استقبلتني بحفاوة وحب، صرت فردا منها بعد أن وقعت في غرام ابنتها ريتّا، وهكذا جمعنا الحبّ وقررنا العيش معا مدى الحياة، سأرتاح بعد ايام عصيبة عشتها لسنوات خلت”.
ويتابع :
“غادرت بلدي نازحا كغيري، وهاربا من قمع واعتقال، ومن حرب لم يتوقّع احد شراستها وقسوتها الى هذا الحد.. غادرت الى بيروت ومنها الى الخليج حيث سبقتني شقيقتي . وهناك حصلتُ على اكثر من فرصة عمل، لكن الإمارة لم تمنحني اقامة وطلبت مني المغادرة، وهكذا تم ترحيلي، لكن الى أين.. لا أعرف!!!
ليال قضيتها في مطار دبي ضائعا أنتظر مصيري. تحوّلت إلى إنسان معلق يستجدي مكاناً يذهب إليه. جواز سفري المهتريء وصورتي غير الواضحة، جعلا طلب الانتقال إلى أي بلد يقابل بالرفض، حتى تركيا التي لا احتاج فيها االى تأشيرة دخول رفضت سفري إليها. افترشت أرض المطار الباردة مثل أي مشرّد لم يعد لديه بلد، واصبح بلا مأوى .
حاولت أن أنام على مقعد ضيق متكوراً على نفسي، لكن الأصوات العالية وضجيج المسافرين حالوا دون ذلك ، أنهكني التعب، رحت اتنقل من زاوية إلى أخرى لأقتل الوقت، تارة أتتبع
حركة الطائرات وطوراً أتأمل وجوه الناس. تحولت إلى سجين في مطار، فضاء
واسع ينظم انتقالات الناس من مكان إلى آخر، انا فيه موقوف.
لم يكن هناك خيار سوى لبنان، لأتخلص من الكابوس، البلد الوحيد الذي استقبلني. وبالفعل، هبطت في مطار بيروت وأنهيت إجراءات المرور وسارعت إلى الاتصال بماريا قريبة صديقي مازن، كي اطلب منها المساعدة في بلد لا أعرف فيه أحدا.
رد عليّ ابنها مارك، عرّفته بنفسي، حضر إلى المطار واصطحبني إلى منزلهم. هناك استقبلتني ماريا بترحاب ومودة جعلاني أشعر بالارتياح وأتخلص من الإحراج، فأنا صديق قريبها الذي عشت معه أجمل أيام الدراسة على مقاعد الجامعة.
بعد العشاء الذي لم أتناول منه إلا القليل بسبب ارتباكي وخجلي، طلبت أن يرشدوني إلى فندق، أمضي فيه بعض الوقت قبل أن أجد مسكنا آوي اليه، لكن صاحبة المنزل رفضت بشدة وعرضت عليّ البقاء لأيام ريثما أتعرف الى بيروت أكثر، وأتدبر امر جواز سفري المهترئ والذي بسببه سيرفض أي فندق استقبالي، وسيجعل تنقلي مصدر خطر.
قضيت أياماً في منزل ماريا، أدخن بشراهة وأفكر في مصيري في هذه المدينة التي طالما سمعت عنها وحلمت بالمجيء اليها، شعرت فيها بالألفة والأمان.
كان علي أن أجد مسكناً انتقل إليه كي لا أحمّل ماريا وعائلتها عبئاً إضافياً، خصوصاً وأن ابنتها ريتا عادت من أوروبا بعد انهاء دراستها هناك.
شعرت أن ماريا ستكون محرجة امام ابنتها، ففي المنزل ضيف لا تعرفه. لكن المفاجأة كانت الانسجام السريع الذي حصل بيني وبين ابنتها، فلدى تعرفي إليها وكما يقول المثل الشعبي” اعجاب من اول نظرة”، وجدنا
مشتركات واهتمامات كثيرة، كانت لطيفة، ودودة، كسرت حاجز الخجل بيننا، وهكذا تجالسنا كثيرا وسهرنا معا وساعدتني في ايجاد مسكن كناية عن غرفة مفروشة عشت فيها مؤقتا .
حرصت ايضا على تواصلي مع ماريا، التي أنقذتني من ضياعي وشرودي الدائم، اعطتني املا بالآتي وحبا عوضني في مكان ما عن حضن امي.
لهذا قررت أن أخطو خطوة الى الامام، واتقرب من ريتا التي زاد اعجابي بها، وحب لم اعد أستطيع إخفاءه. .
استغليت مناسبة عيد ميلادي، دعوتها الى مشاركتي الاحتفاء به. وافقت ، عندها وجدتها فرصة جيدة لاصارحها بمشاعري، أخبرتها كيف لفتت انتباهي منذ لحظة لقائها، ذكرّتها بتفاصيل اللقاء الاول بيننا، ماذا كانت تلبس، وكيف كانت تسريحة شعرها، أخبرتها أنني أحفظ حركاتها وتصرفاتها وردود فعلها. وانطلق لساني مثل نهر فاض عن مجراه، صارحتها بحبي لها قائلا: عندي خياران لا ثالث لهما، والأمر يتعلق بكِ، وبردّك قبولا او رفضا”، إن وافقت على الزواج مني سأبقى في لبنان ونؤسس معا عائلة، وان رفضتِ سأغادر الى اوروبا لاتابع دراستي العليا، بعد ان حصلت إقامة ومنحة دراسية. وفي قرارة نفسي كنت اناجي ربي ان توافق ، كنت بحاجة شديدة الى الحب والاستقرار، الحب بالنسبة لي اوكسجين الحياة، افضّله على الدراسة والغربة ، فلاشيء يستأهل العذاب والموت في هذه الحياة، يقول جاد، ويتابع: كنت اتدفق بالكلام وهي تصغي وملامح الرضى بادية على وجهها. وحين رأيت ابتسامتها ومظاهر قبولها ، شعرت أن العالم ابتسم لي من جديد، و كانت محطة مفصلية في حياتي، بداية جديدة، حزن أقل، وحب وحنان أكثر. انه الخامس من نيسان. تاريخ جعلني نهباً لمشاعر متضاربة، ففي هذا التاريخ تمّ عقد قراني على ريتا، وقبله بعام من التاريخ نفسه كانت تجربة اعتقالي. مفارقة فيها من الألم بقدر ما فيها من الغرابة. تاريخان غيرا مجرى حياتي ونقلاني من عالم إلى آخر.
فمن زنزانة ضيقة لا تدخلها الشمس، كنت أستيقظ فيها مدمى بعد جولة تعذيب قاسية تجعلني أغيب عن الوعي. معتقلون كثر ماتوا أمامي لم تحتمل أجسادهم شراسة الضرب، نقلت جثثهم إلى أماكن مجهولة.الى حضن دافيء يفيض بالحب..”.
ويتابع جاد:
“خلال الاعتقال اعترفت تحت التعذيب بأمور لم اسمع عنها من قبل، وطبعا لم اقترفها، اعترفت بما يريده جلادي، فالكلمات يومها مرهونة بعدد الجلدات والصفعات، اعترافات ملوثة بالدم، عُرضت على
شاشة التلفاز عن تفجيرات وأعمال إرهابية كاذبة كان غرضها إقناع العالم بعدم وجود ثورة ضد النظام.
وقّعت على كل اتهام طلبوه مني، المهم عندي ان يتوقف الضرب. خرجت بعد أن أعلنت توبتي أمام المحقق، وشتمت الثورة الكاذبة المسلحة التي تآمرت على بلدنا المقاوم، وبأنني تلقيت اموالا طائلة من جهات غريبة تتآمر على بلدي لتنفيذ اعمال ارهابية.. وعلى الرغم من ذلك لم يخرجوني الا بعد أن دفع أهلي مبالغ كبيرة لهم. خرجت بشخصية محطمة، نالت الكثير من الذل و الإهانات والتعذيب.
وصلت الى امي من دون ملابس، حافي القدمين، بذقن طويلة، ومن دون أوراق ثبوتية ومن دون مال يمكنني من الوصول إلى بيتي.أحدهم أشفق عليّ وأوصلني بسيارته، كانت الصدمة كبيرة على وجوه اهلي عندما رأوني بذلك البؤس . لكن، الاهم عندهم انني خرجت. بعدها خضعت لعلاج جسدي ونفسي لأشهر لأتمكن من مواصلة حياتي…”
ويضيف جاد متنهّدا:
“اتذكر كل ذلك بوجع، يقطعه صوت ابنتي التي رزقت بها في بيروت واسميتها فرح، عندما احضنها أنسى الدنيا وما فيها من تعب وحروب،
اليوم انا انسان جديد، يكره العنف والحرب والظلم ، افكر في مستقبل طفلتي التي اريد لها حياة آمنة وجوا حرا.. وأضم زوجتي بحب وامتنان لما انا فيه…”

جميلة حسين ـ Jamila Hussein
حائزة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها
– شاعرة وكاتبة وأستاذة جامعية ـ عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين