أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » أكره المطارات من كل قلبي : مصطفى عبد السلام

أكره المطارات من كل قلبي : مصطفى عبد السلام

باتت المطارات عندي تعني شيئاً واحداً هو الحزن والأسى وفراق الأحباب، فما إن تدخل صالة مطار حتى تجد أن دموع الفراق تفوح من المكان، دموع ترتسم على وجوه أمهات وزوجات وأبناء كتب عليهم الزمن الفراق وألا يجتمعوا في مكان واحد لفترة طويلة، وأحياناً دموع على خدود الأب رغم تماسكه أمام أسرته وإظهاره قوته أمام كل من حوله، وبالطبع تكون الأم هي صاحبة النصيب الأكبر من البكاء وهي تودع أولادها أو زوجها أو أحفادها أو أقرباءها، وأكثر من رأيتهن يبكين في المطارات العربية السوريات والمصريات والعراقيات واليمنيات وذلك بسبب الاضطرابات والقلاقل والحروب التي شهدتها بلادهن خلال السنوات الماضية وفرقت الأسرة الواحدة إلى دول شتى.

حتى لحظات الاستقبال في المطارات التي من المفروض أن تكون مناسبة سعيدة وأن تشهد حالة من الفرحة والسعادة نجد أيضاً أن الجميع يبكي عندما يتقابلون في الصالات المكيفة، ربما بكاء من شدة الفرح واللقاء بعد طول غياب، وربما تكون الدموع محبوسة من قبل ووجدت اللحظة المناسبة للانسياب وبغزارة، وربما اختارت هذا الوقت لتجري على الخد لأن الشخص المسافر كان قد فقد الأمل في أن يلتقي بذويه في وقت ما، بسبب الحروب وبعد المسافات وصعوبة إجراءات السفر وتعقيدات الحصول على التأشيرة في الدول التي يقيمون فيها بعد أن فروا من بلادهم.

ولذا، بت أكره المطارات من كل قلبي، بل وأحياناً أصرخ بأعلى صوتي معلناً كرهي لهذا المكان الذي يشبه ساحات المقابر والحروب، وعندما أذهب إلى أحد المطارات فغالباً ما أخرج إما حزيناً أو متعرضاً لموقف حرج يظل ملاصقاً لذاكرتي سنوات طويلة.
من الأمور المرعبة أن تتعرض الطائرة لمطب هوائي مفاجئمن دون تنبيه مسبق من المضيفة أو لا يكون الركاب مستعدين له

المشهد الأول
قبل أيام، كنت أودع أسرتي في المطار، وعقب إنهاء إجراءات السفر لدى مكتب شركة الطيران وبينما نحن متجهين نحو موظفي الجوازات، تذكر ابني الأصغر واقعة جرت في رحلة السفر الماضية ولم يبلغني بها طوال هذه الفترة، حيث قال لي إن أخي الأكبر أغمي عليه ونحن في طريقنا للطائرة بعد أن ختمنا جوازات السفر، وأننا أصبنا جميعا بالذعر من الموقف خاصة وأن أخي لم يشكو قبلها من تعب أو ألم، وكتمنا الأمر عنك حتى لا تحزن خاصة أنك كنت قد ودعتنا وغادرت المطار، كما نبهت علينا أمي بعدم إبلاغك حتى لا تنزعج، آلمني الموقف بشدة ورحت أحتضن ابني الأكبر كثيرا وأنا أودعه.

المشهد الثاني
رغم مرور سنوات طويلة على الموقف الذي تعرضت له ما زلت أتذكر منظر ضابط الشرطة وهو ينادي علي اسمي في صالة انتظار الطائرة في مطار جدة بالسعودية، بل يذكر اسمي الرباعي كاملا ويطلب مني التوجه لمكتب بالأمن، هنا توقف قلبي، وتوقفت عن تناول ساندويتش كان بيدي.

بسرعة، توجهت لمكتب الأمن، وقلت للضابط “أنا من تنادي عليه”، فسألني بسرعة: أين جواز سفرك؟ هنا أدركت أنني في أزمة، وأنه قد يتم منعي من السفر رغم أنني لم أفعل جرماً أعاقب عليه، بل كنت رجلاً صالحاً حيث كنت قادماً للمملكة لأداء العمرة.

وبسرعة أيضاً وضعت يدي في جيبي بحثاً عن جواز السفر فلم أجد، وفي ثوان كانت يدي تعبث في الأوراق التي بداخل محفظة صغيرة كنت أحملها، فلم أجد الجواز، والغريب في الأمر أن الضابط كان يراقب تحركاتي بدقة ولا ينطق بكلمة، وبينما أنا أواصل البحث حولي وبسرعة عن جواز السفر، إذا به يرفع ذراعه ملوحا في الهواء بجواز أخضر في يده قائلاً “خذ جوازك يا سيد وحافظ عليه حتى لا تتعرض لمشاكل”، وقبل أن أنطق بكلمة أو حتى اسأل عن تفاصيل ما حدث، قال “جوازك يا سيد وجده أحد الأشخاص على الأرض في دورة المياه”.

المشهد الثالث
تعرضت لمواقف غريبة كثيرة في المطارات، لكن أغرب موقف تعرضت له هو أنني كنت مسافراً من أحد المطارات العربية إلى مدينة بيروت لحضور مؤتمر اقتصادي، وبعد نحو ساعة من الطيران وبينما أهم بمغادرة الطائرة، إذا بصوت المضيفة تعلن عن وصولنا إلى مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية عمان، يا للهول، ما علاقة عمّان ببيروت، يبدو أنني استقللت الطائرة الخطأ، لكن ما حدث بعد ذلك أنني اكتشفت أنني ركبت الحافلة الخطأ التي تقل المسافرين إلى الطائرة المتجهة إلى عمّان بدلاً من ركوب الحافلة التي تقلهم إلى الطائرة المتجهة نحو بيروت، وكانت الحافلتان تقفان متجاورتين أمام صالة المغادرة في نفس التوقيت.

المشهد الرابع
“اليوم كان باين من أوله”، والمقصود هو يوم سفري من لندن إلى القاهرة، صباحا وقبل إقلاع الطائرة بثلاث ساعات ركبت سيارة أجرة من الفندق إلى مطار هيثرو، شوارع العاصمة البريطانية مزدحمة جدا والمرور عالي الكثافة، إذن هناك مشكلة في الوصول للمطار في الموعد المحدد.
انتابني التوتر الشديد، كل عدة دقائق أبلغ سائق التاكسي أنني سأتأخر على الطائرة إذا سرنا بهذا البطء. السائق كان ينظر لي باستغرب عبر المرآه الموجودة أمامه وكأن لسان حاله يقول: “وماذا أفعل، هل أقفز فوق السيارات حتى ألبي طلبك، أم أسير فوق الرصيف كما تفعلون في البلاد العربية، وصلت قبل إقلاع الطائرة بأقل من ساعة، ورغم مساحة المطار الضخمة إلا أن إجراءات السفر كانت سلسة باستثناء عدة تفتيشات، أنهيت الإجراءات بسرعة، وبينما أنا في طريقي إلى الطائرة اتصلت بصديق صحافي حتى يتحدث مع مكتب الطيران ويبلغهم بأنني سأتأخر دقائق، وبالفعل لحقت الطائرة وكنت آخر راكب.

المشهد الخامس
أخيراً، غادرت الطائرة مطار هيثرو بلندن، أخذت نفسا عميقا، تركنا العاصمة البريطانية متجهين نحو باريس، فجأة وبعد نحو 20 دقيقة يعلن قائد الطائرة أن الطائرة ستعود إلى لندن مرة أخرى، والسبب وجود خلل فني بسيط، وعندما استفسرنا من المضيفة، قالت إن هناك مشكلة بسيطة في أحد عدادات الطائرة، وأن القائد كان من الممكن أن يواصل السير لولا الحفاظ على سلامتكم، فجأة انتشر القلق بين جميع المسافرين، لا أحد يعرف السبب الحقيقي للعودة المفاجئة، خاصة أن قصة الخلل الفني باتت غير مقنعة، لأننا شممنا رائحة دخان من دون أن نرى أثرا له، ما مصدر هذا الدخان، لا أحد يعلم.

هبطنا مرة أخرى في مطار هيثرو، وبينما نحن نغادر الطائرة اكتشفنا أن الله نجانا من موت محقق، فقد شب حريق في جناح الطائرة بعد دقائق من إقلاعها؛ ولولا عناية الله لانفجرت الطائرة في الجو، وكنا جميعا في عداد الموتى.

لم تتوقف معاناتنا عند هذا الحد، فقد تركتنا شركة الطيران في أحد فنادق مطار هيثرو ولمدة يومين من دون السؤال عنا أو إبلاغنا بموعد عودتنا إلى مصر، بحجة أن الخلل الفني لم يتم علاجه بعد وأن علاج آثار الحريق تحتاج وقتاً؛ ولولا معرفة الصحف ووكالات الأنباء بما حدث للمسافرين لبقينا هناك أياماً من دون أن يسأل عنا أحد.

المشهد السادس
من الأمور المرعبة أن تتعرض الطائرة إلى مطب هوائي مفاجئ من دون تنبيه مسبق من المضيفة أو ألا يكون الركاب مستعدين له، في إحدى المرات وبينما كنا نقترب من مطار شرم الشيخ الدولي إذا بمطب هوائي جعل الطائرة تنخفض عدة كيلومترات وترتفع مثلها خلال ثوان قليلة، ساعتها ارتطمت رؤوس بعض المسافرين بسقف الطائرة ثم ارتدوا بعنف إلى الكرسي الذي يجلسون عليه وذلك في أقل من ثانية، ثار الهرج والمرج بين المسافرين الذين توزعت ردود فعلهم ما بين صراخ شديد وغيبوبة وارتطام بأرض الطائرة، أما أنا فقد شعرت وقتها أن هناك من ضربني بكتلة حديدية على قمة رأسي.

المشهد السابع
أحياناً يشكو بعضهم من طول المسافة إذا ما سافر مثلاً ثلاث ساعات متواصلة، وعندما يسافر بعضنا إلى الولايات المتحدة أو أميركا اللاتينية يشكو من التعب والإرهاق الشديدين، لكن ماذا سيكون عليه الوضع لو سافرت 26 ساعة متواصلة، حدث لي وبلا ترتيب مسبق، منذ 10 سنوات أن كنت مسافراً من القاهرة إلى مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا للمشاركة في منتدى دافوس أفريقيا الدولي، خرجت من بيتي الواقع غرب العاصمة المصرية عقب صلاة الظهر مباشرة وقبل موعد الطائرة بثلاث ساعات، ولأن هذا هو بداية زحام المرور فقد مكثت في الطريق أكثر من ثلاث ساعات بسبب الزحام على الطريق الدائري، ولمن لا يعرف هذا الطريق فإنه طريق سريع يلف القاهرة ويفضله المسافر للوصول إلى المطار أو مدن الصعيد أو الوجه البحري.

النتيجة وصلت غلى مطار القاهرة متأخراً عن موعد الطائرة، فاتتني الطائرة المتجهة مباشرة من القاهرة إلى مدينة جوهانسبرغ، ماذا أفعل والمؤتمر سيبدأ مساء الغد ويسبقه تسجيل لأن قادة أفارقة كثراً سيشاركون فيه، كان الحل السريع هو أن استقل طائرات عدة لأصل إلى جنوب أفريقيا في الموعد المحدد، وبالفعل طرت من القاهرة إلى مطار الدوحة، ومن العاصمة القطرية إلى مطار نيروبي في كينيا، وفي كينيا مكثت ساعات، ثم طرت بعدها إلى جوهانسبرغ، ثم استقللت طائرة رابعة لأصل إلى كيب تاون بعد 26 ساعة

مصطفى عبد السلام
مدوّن

كاتب وصحافي مصري، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة “العربي الجديد”.

أميل للبسطاء، وأدعم الحق والمظلومين. ولأنني مدرك أن الاقتصاد هو حياة الناس، أعمل منذ سنوات على “أنسنة” الاقتصاد وتفريغه من حالة الجفاف التقليدية. أعتبر أن مهنة الصحافة أعظم مهنة على الأرض…