أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » “حرب خاصة”: ميلودراما توثّق واقعاً / سيرة حياة ماري كولفن

“حرب خاصة”: ميلودراما توثّق واقعاً / سيرة حياة ماري كولفن

لولا غلبة الميلودراما البكائيّة، في الفصل السوري كلّه تقريبًا، لنجا “حرب خاصّة” (2018)، للأميركي ماتيو هاينمان، من ورطة التفريغ الدرامي والجمالي للنصّ الأصلي، المنبثق من “قصّة حقيقية”، يستند إليها هاينمان لإنجاز عمل سينمائي، يميل إلى تقنية الوثائقيّ أكثر منها إلى فنّ التخييل الروائي. هذا متأتٍ من اشتغال وثائقي مديد للمخرج، المولود في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1983، والموصوف من “مهرجان ساندانس السينمائي” بأنه “أحد أكثر المخرجين الوثائقيين، العاملين حاليًا، موهبةً وإثارة”، بينما تعتبره آن تومبسن (الموقع الإكلتروني “أنديواير”، المتخصّص بالسينما المستقلّة) “سينمائيًا موهوبًا ومحترمًا”، يمتلك “حساسية متعاطفة” (مع المواضيع التي يشتغل عليها).

لكن الميلودراما البكائية لن تهيمن على الفصل السوري فقط، من سيرة حياة ماري كولفن، الصحافية الأميركية المتخصّصة بالعالم العربي، التي تُقتَل في حي “بابا عمرو” في حمص، في 22 فبراير/ شباط 2012)، أثناء تغطيتها الحرب الأسديّة، المندلعة بعد وقتٍ قليل على بداية الحراك المدنيّ السلميّ العفوي في سورية (18 مارس/ آذار 2011). فـ”حرب خاصّة” يكاد يكون كلّه ميلودراما، وإنْ يزددْ حجمها في الفصل السوري، أثناء سرده حكاية امرأة تتحدّى المخاطر، وتواجه الموت، وتذهب بعيدًا في بحثها عن حقائق تشهدها مدن تعيش غليانًا أمنيًا ـ عسكريًا، كي تروي حكايات الناس المُقيمين في الخوف والقلق والتوتر، والذين يعيشون موتًا يوميًا جرّاء حروب وقمع وانقلابات.

يبدأ الفيلم بكلام تردّده ماري كولفن عن المهنة في ظلّ المخاطر، وعن القول في ظلّ المنع، بينما الكاميرا تلتقط خرابًا مدوّيًا في مدينة تتحوّل إلى أنقاض، هي حمص كما تنكشف في نهاية “حرب خاصّة”، التي (النهاية) تعيد كلام كولفن نفسه مع الصُور القاسية والمؤثّرة نفسها.

لكن السياق الحكائيّ برمّته سيبقى توثيقيًا مغلّفًا بشيء من السرد الدرامي، إذْ يتابع تغطيات ماري كولفن في سيريلانكا والعراق وأفغانستان وليبيا، قبل “تسلّلها” إلى حمص، وبثّها رسائل مُصوّرة لحساب “سي أن. أن.”، تفضح فيها أكاذيب النظام الأسديّ بخصوص ما يجري. فالنظام قائلٌ إن حربه موجّهة ضد إرهابيين مسلّحين، بينما الواقع يقول إن النظام نفسه يقتل مدنيين بوحشية غير موصوفة، وهذا تعكسه ماري كولفن في رسائلها، ما يؤدّي بها إلى الموت “اغتيالاً”، إذْ يتمكّن أهلها من التقدّم بدعوى قضائية ضد بشّار الأسد، بتهمة القتل عمدًا، فالوقائع تشير إلى أن رصدًا دقيقًا أفضى إلى تمكّن طائرات النظام من قصف المنزل المتحوّل إلى مقرّ صحافي، بنيّة اغتيال كولفن بسبب رسائلها الفاضحة للنظام.

فيلمٌ توثيقيّ مشغول بأدوات الروائي، لكنه يبقى شهادة سينمائية عن معنى مهنة الصحافة بشقّها الحربيّ (ماري كولفن مراسلة حرب)، وعن دور المهنة في الكشف والفضح بعيدًا عن الشعارات وارتباطًا بوقائع، وعن امرأة غير خائفة من شيء، كأنها حاضرةٌ كي تشهد للحقّ وإنْ يكن الثمنُ حياتَها.

نديم جرجوره