أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبّنا..توفيق الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي

هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبّنا..توفيق الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي

الأطفال أنداد لنا لذا أكتب لهم، هذه المقولة للكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم، يرددها كتّاب قصص الأطفال العرب إلى اليوم، تعود بقوة الآن وبعد نحو 32 عاماً من وفاة الحكيم، بعد أن كشفت دار الشروق المصرية، عن كتابٍ صوتي جديد من إصدارها يحمل عنوان “حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات”، تم تسجيله منذ سنوات طويلة، بصوت الأديب والروائي المصري الراحل.

والكتاب متوفر حالياً على تطبيق “اقرأ لي” للكتب الصوتية، على الهواتف الذكية، وتقول الشروق إنه سيتوفر قريباً على عدة منصات عربية أخرى خاصة بالكتب الصوتية بهدف أن يصل إلى أكبر عدد من الأطفال المتحدثين باللغة العربية في العالم.

وصدر من كتاب “حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات” ثلاث طبعات مذ أصدرته الشروق لأول مرة في العام 2005، ويتكون من 32 صفحة، ويضم ثلاث حكايات للأطفال: “العصفور والإنسان”، و”المؤمن والشيطان”، و”الله وسؤال الحيران”، مع رسوم مبهجة بريشة الفنان حلمي التوني.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي عبّر مستخدمون مصريون عن تعجبهم من أن الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي قبل انتشار هذا النوع من الكتب بسنوات طويلة.

وقال مستخدم: “الحكيم كان سابق زمانه فعلاً”، وأضاف آخر: “توفيق الحكيم كان رائداً وله طموح عجيب”، واعتبرت مستخدمة أن تسجيل الحكيم للكتاب بصوته يعبر عن عبقريته، مضيفة: “كنت أتمنى أن يسجل باقي كتبه بصوته لنستمتع بها”.

علاقة الحكيم بالأطفال

قال توفيق الحكيم للبراعم في مقدمة كتابه: “لماذا أكتب للأطفال؟ إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي، فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، وأخاطب بها اليوم الصغار، فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد”.

وشرح الحكيم لماذا سجل تلك الحكايات بصوته: “ولماذا أخاطبهم بصوتي؟ لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن القادم وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفاً في القرن الماضي، ولو كان التسجيل مألوفاً أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا الكاسيت الذي يُسمعنا أصواتهم وهم يُلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟ ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة”.

ويختتم الحكيم مقدمته قائلاً: “كل أملي أن تنجح هذه المقاصد، وأن يحتفظ أطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا تراباً، ويقول بعضهم لبعض هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبنا”.

وأهدى الحكيم حكاياته الثلاث للأطفال العرب، ولحفيدته، “العزيزة الحبوبة العصفورة الذكية الأمورة مع حبي وقبلاتي الموفورة”.

في قصة العصفور والإنسان، يروي الحكيم طمع الإنسان وكيف أن هذا الطمع يفسد حياته ويجعله تعيساً وشقياً‏، وفي حكاية المؤمن والشيطان‏ يقول الحكيم للأطفال إن الإنسان يصبح قوياً حين يتبع تعاليم ربه ودينه، بينما يصير هشاً ضعيفاً عندما يستمع إلى حديث الشيطان.

وتضمنت الحكاية الثالثة، الله وسؤال الحيران، حواراً بين طفل صغير ووالده عن الله، يبدأ بجملة للطفل وهو يخاطب أباه: أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيراً‏، فيبدأ الأب حواراً شيقاً عن الله مع طفله‏.‏
من هو توفيق الحكيم؟

ولد توفيق الحكيم في محافظة الإسكندريّة المصرية في العام 1898، وكان والده يعمل في سلك القضاء المصري، وبعد تنقله بين عدة مُدن عاش في مدينة القاهرة، وتوفي بها في العام 1987.

وفي العام 1925 سافر الحكيم إلى مدينة باريس في فرنسا حتى يُكمل دراساته العُليا في القانون، لكن هناك لم يهتم بدراسته، بل جذبه الأدب والفن.

تميز الحكيم بمساره الأدبي والمسرحي، وحصل على شهرة كبيرة في عالم الكتابة بعد نشره مسرحية أهل الكهف في العام 1933، لتميزها في الخلط بين الواقعية والرمزية.

ألّف الحكيم العديد من القصائد الشعرية منها ما هاجم بها الاحتلال البريطاني. ويُعد الأديب الأول الذي ساهم في إضافة أنواع جديدة من الروايات إلى الأدب العربي، مثل الرواية المعتمدة على الحوار، ورواية الرسائل، والرواية المعتمدة على اليوميات، كما ألّفَ القصص المتنوعة، سواء الفكاهية، أو الاجتماعية، أو الفلسفية. له مؤلفات متنوعة منها الدراسات، والروايات، والقصص. ومن أشهر رواياته، عودة الرّوح، ويوميات نائب في الأرياف، وحمار الحكيم.

المصدر: رصيف22

 

 

توفيق الحكيم كاتبًا للأطفال

حكايات سجلها بصوته في السبعينات على شرائط كاسيت
القاهرة: داليا عاصم
كتب طه حسين يومًا واصفًا توفيق الحكيم بأنه «غائب حاضر» و«حاضر غائب»، وهي المقولة التي تجسدت أمامي حين وقع في يدي كتاب أنيق وفاخر الطباعة يحمل اسم «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات»، فلم أكن أعلم، كما هو حال الكثيرين، أن الحكيم قد كتب أدبًا للطفل! وقد يكون ذلك تقصيرًا من النقاد في تسليط الضوء على أعمال كبار الأدباء الخاصة التي تندرج تحت بند أدب الطفل، ناهينا عن التقصير في الاحتفاء بأديب كبير مثل توفيق الحكيم (1898 – 1987) الذي مرت ذكرى وفاته الـ29 دون أي احتفاء رسمي وفقط احتفال واحد شعبي ومقالة في مجلة «المصور» تستعيد ذكرى حوار عنه. هذه المجموعة القصصية أعادت دار «الشروق» المصرية إصدارها، فقد سجلها بصوته على شرائط كاسيت عام 1977، وخرجت في طبعة أنيقة برسوم للفنان حلمي التوني. وتسعى القصص الثلاث التي يضمها الكتاب لتنمية أفق الطفل الذي تراوده تساؤلات حول الكون والخير والشر والدين والله، وهو ما برع الحكيم في الإجابة عنها بأسلوبه البسيط والفلسفي العميق في الآن ذاته.
ويكشف توفيق الحكيم مكامن الصعوبة، وهو الكاتب المسرحي الكبير، في كتابة أدب الطفل حين بدأ يسجل تلك الحكايات للأطفال، فقال: «إن البساطة أصعب من التعمق، وإنه لمن السهل أن أكتب وأن أتكلم كلامًا عميقًا، ولكن من الصعب أن أنتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأنني جليس معه ولست معلمًا له، وهذه هي مشكلتي مع أدب الأطفال!‏.. إن الكاتب الذي يتوجه إلى الراشدين هو كاتب حر، فهو لا يضع جمهورًا معينًا نصب عينيه، بل هو لا يعرف من يستقبل كتابته، لكن كاتب الأطفال يظل أسيرًا، مقيدًا، يحسب لكل جملة بل لكل كلمة حسابها، إذ لا بد أن تكون كلماته متناسبة مع قدرات الطفل، مع حاجاته، مع قاموسه اللغوي، مع ثقافته، مع بيئته التي ينتمي إليها.. وهذا كله يجعل الباحث في أدب الأطفال يقول من دون مواربة: ‏ إن أدب الأطفال له أثره البالغ وله أهميته المتميزة في الحياة المعاصرة والمستقبلية!».
كتب الحكيم مقدمة للقصص كأنها موجهة لمن يقرأونه اليوم، مجيبًا عن تساؤل: «لماذا أكتب للأطفال؟»، قائلاً: «إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي.. فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، أخاطب بها اليوم الصغار.. فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد.. ولماذا أخاطبهم بصوتي؟».
يفسر ذلك: «لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن المقبل وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفًا في القرن الماضي.. ولو كان التسجيل مألوفًا أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا (الكاسيت) الذي يسمعنا أصواتهم وهم يلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟».
ثم يضيف وكأنه يزيد من حسرتنا على هذا الجيل من المبدعين: «ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة.. وكل أملي أن تنجح المقاصد، وأن يحتفظ الأطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا ترابًا، ويقول بعضهم لبعض: (هذا صوت رجل من عصر مضى حكى لنا وأحبنا)».
تستهل القصص «العصفور والإنسان»، وهي القصة التي حرص الحكيم فيها على إرشاد الأطفال لمدى قبح خصلة الطمع في الإنسان «شوكة الطمع» كما وصفها. يبدأ القصة بالحديث عن الخصال الحسنة للعصافير التي لا تعرف الكسل «تخرج من أعشاشها في لحظة واحدة كأنها سمعت جرسًا خفيًا من داخل نفسها يصحيها من النوم». ثم يُجري حوارًا على لسان عصفور يحدث أباه متسائلاً: «ألسنا نحن العصافير خير المخلوقات؟»، وفي القصة يحاول العصفور الأب إثبات طمع الإنسان لطفله، وبأسلوب شيق يطرح على لسان العصفور الأب مقولات حكيمة بعد أن أوقع نفسه عمدًا في يد إنسان، فتتسرب الحكمة إلى وعي الطفل عبر إنصاته للقصة: «أيها الإنسان الطماع.. طمعك أعماك.. فنسيت الحكمتين الأولى والثانية.. فكيف أخبرك بالثالثة؟! ألم أقل لك: لا تتحسر على ما فات، ولا تصدق ما لا يمكن أن يكون. إن لحمي وعظمي وريشي لا يصل في الوزن إلى عشرين مثقالاً.. فكيف تكون في بطني جوهرة وزنها أكثر من عشرين مثقالاً؟!. وكان منظر الرجل مضحكًا.. فقد استطاع عصفور أن يلعب بإنسان».
في القصة الثانية «المؤمن والشيطان» يجيب الحكيم الأطفال بأسلوبه الممتع عن الأسئلة التي تراود جميع الأطفال حول الإيمان بالله، ولماذا؟ ويدور الحوار في القصة بين رجل مؤمن يرفض أن يعبد الناس شجرة وهي من خلق الله، وإبليس الذي يظهر له محاولاً ثنيه عن قطع الشجرة: «فقال إبليس: وما شأنك أنت بالله؟!.. فقال الرجل المؤمن: إن الله هو خالقنا، وعلينا أن نعبده هو.. إبليس: اتركهم يعبدوا الشجرة فهم أحرار.. فقال المؤمن: إنهم غير أحرار.. هم يسمعون صوتك أنت يا شيطان»، وتجسد القصة صراع المؤمن مع الشيطان بشكل جسدي، ثم يروي الحكيم كيف استطاع المؤمن تارة هزيمة الشيطان، وكيف انساق المؤمن بعدها لإغواء الشيطان بحصوله على دينارين من الذهب كل صباح حتى لا يقطع الشجرة، ولما قطع عنه المال، تصارع معه مرة أخرى فهزمه الشيطان، قائلاً: «لما غضبت لربك وقاتلت لله غلبتني، ولما غضبت لنفسك وقاتلت لنقودك غلبتك.. لما صارعت لعقيدتك صرعتني، ولما صارعت لمنفعتك صرعتك».
من المثير حقًا في أسلوب الحكيم القصصي في هذه المجموعة براعته في توجيه خطابه للطفل وتحفيزه على التفكير وإعطائه إشكاليات كي يستبصر الحلول. لقد أجرى الحوار بين أبطال القصص بالطريقة التي يجري بها الأطفال حواراتهم مع آبائهم بتكرار تساؤلاتهم وبشكل متواتر وبأكثر من طريقة، لا سيما في قصة «الله وسؤال الحيران»، التي تدور حول طفل يسأل والده عن الله ويطلب منه أن يراه: «أنت يا أبي تتحدث كثيرًا عن الله‏..‏ إنني أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيرًا‏.‏ وعندها وقع الأب في حيرة‏..‏ كيف يمكن أن يلبي طلب ابنه هذا؟ فيذهب إلى عجوز مؤمن من الأولياء الصالحين، ويطلب منه أن يساعده في أن يرى الله، يقول العجوز: أيها الرجل.. إن الله لا يمكن أن نراه بعيوننا الضعيفة. ويسأل الرجل: لماذا؟.. فقال له المؤمن العجوز: انظر إلى الشمس.. وطلب منه أن يثبت عينيه على الشمس، وظل الرجل يصرخ: (نور الشمس يخطف بصري)، وبعد دقائق لم يعد الرجل قادرًا على النظر للشمس التي أحرقت عينيه، فيقول العجوز: إن نور الشمس الذي حرق عينيك هو شيء قليل ضئيل بالنسبة إلى نور الله الذي خلق هذه الشمس وملايين من الشموس والنجوم.. وإذا كانت عيناك احترقتا من نور هذه الشمس الصغيرة، فكيف إذا نظرت بها إلى نور الله خالق كل الشموس؟! بعدها يسأل الرجل حائرًا: أما من طريقة أخرى لرؤية الله، فيرد العجوز بحكمة: إذا فزت بمحبته.. فإنه يقترب منك.. ويمكنك أن تحس بقربه. لكن العجوز ينبهه إلى أن هناك شرطًا لكي يتم ذلك: العمل الطيب.. النافع للناس.. إن الله هو الخير، ليعود الرجل لابنه بالإجابة التي ينتظرها ويقول له: (عندما تفعل ما يحبه تحس بقربه)».
من المعروف أن الحكيم استقى حب الحكي من والدته المتحدرة من جذور تركية التي كانت تقص عليه قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الهلالي وكثيرًا من الأدب العربي والغربي، وقد أدرك قيمة حكايتها في تنمية خياله وأفقه، وهو ما دفعه لكتابة هذه القصص. قد تكون هناك حكايات أكثر كتبها ولا نعرف عنها شيئًا، لكنها رسالة من كاتب قدير لم يبخل على النشء ببعض من موهبته علها تسهم في تنمية الذائقة الجمالية للأطفال.