أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » ما بين الفارسية والعبرية والسريانية: التعددية اللغوية في المجتمع الإسلامي المبكر / هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟

ما بين الفارسية والعبرية والسريانية: التعددية اللغوية في المجتمع الإسلامي المبكر / هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟

حظي المجتمع الإسلامي المبكر في المدينة المنورة بتعددية لغوية، أسهمت بشكل فعال في استحضار العديد من المؤثرات الثقافية والدينية والتاريخية.

اللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية، على وجه التحديد، كان لها حضورها المميز في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، وفي الاستفادة منها، في إرهاص لظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق، والتي ستتبلور في المرحلة التي تعقب حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى.

كان لللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية حضور في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، والاستفادة منها مما دعم ظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق.

لهجة يمنية، كلمات حبشية ولسان أمازيغي… هل اتقن الرسول اللغات الأجنبية؟

تتفق معظم آراء العلماء من أهل السنة والجماعة، على القول بأن الرسول كان أمياً، لا يعرف القراءة والكتابة، وأنه لم يكن يجيد أي لغة أخرى غير اللغة العربية بلهجتها القرشية، ولكن ومع ذلك فأن هناك مجموعة من الإشارات التي قد تدل على معرفة الرسول واتقانه لبعض الكلمات الأجنبية أو لبعض اللهجات غير الشائعة في المجتمع المكي.

أولى تلك الإشارات، تتمثل في التفسيرات المتواترة للآية 103 من سورة النحل: “وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ”، حيث تحمل الآية عدد من الدلالات التي تقف في صف معرفة الرسول ببعض اللغات الأجنبية، إذ تتفق التفاسير الإسلامية ومنها على سبيل المثال كل من “تفسير الطبري” و”تفسير القرطبي”، على أن الآية قد نزلت لنفي شبهة اقتباس الرسول آيات القرآن من بعض الموالي والعبيد الأجانب الذين كانوا موجودين في مكة.

ولما كانت الآية قد اهتمت بنفي تلك الشبهة، واظهار التعارض بين اللسان الأعجمي الذي كان هؤلاء ينطقون به من جهة، واللغة العربية الفصيحة التي كُتب بها القرآن من جهة أخرى، فإن ذلك يعني أن الرسول كان يستطيع فهم لغات هؤلاء الأعاجم، خصوصاً وأن التفاسير تكاد تجمع على أنه كان يستمع منهم، وأنه كان يعلمهم القرآن، ومن المنطقي أن الرسول لو كان يجهل تلك اللغات، لما اتهمه المشركون أصلاً بالاقتباس من أصحابها.

في إشارة ثانية، ورد في صحيح البخاري، أن الرسول قد نطق أحياناً ببعض الكلمات الحبشية، مثلما نادى طفلة من أبناء أحد المهاجرين العائدين من الحبشة “يا أم خالد هذا سنا ويا أم خالد هذا سنا”، وسنا تعني الحسن، وكان يقصد بها حلة أعطاها لتلك الطفلة، حسبما يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري”.

أما فيما يخص اتقان اللهجات العربية غير الشائعة في مكة، فقد ذكر كل من أحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في المعجم الكبير، أن عدداً من المسلمين الأشعريين الذين قدموا إلى المدينة من اليمن، كانوا صائمين في سفرهم، فقال لهم الرسول “ليس من ام بر ام صيام في ام سفر”.

ورغم أن العديد من العلماء قد رفضوا قبول هذا الحديث بالمنطوق المذكور، إلا أن بعضهم، ومنهم ابن حجر العسقلاني قد احتمل وقوعه بهذا اللفظ، فقال في كتابه “تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير”، “هذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بها بهذا الأشعري كذلك لأنها لغته ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به…”.

ومن الحوادث المشابهة التي نالت نصيباً من الشهرة، على الرغم من وضوح ضعفها وزيفها، ما أورده المؤلف المجهول صاحب كتاب “مفاخر البربر”، والذي ذكر في كتابه أن سبعة رجال من قبيلة ركراكة البربرية قد سافروا إلى الرسول، وتحدث هو معهم باللغة الأمازيغية.

هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟

تشير العديد من الروايات التاريخية المشهورة إلى أن عمر بن الخطاب كان من ضمن الصحابة القلائل الذين أجادوا التحدث والقراءة ببعض اللغات الأجنبية، وذلك بسبب ما تواتر عن اطلاعه المباشر على بعض الكتابات الدينية اليهودية والمسيحية.

على سبيل المثال، يذكر الخطيب البغدادي في كتابه “الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”: “جاء عمر بصحيفة فقال: يا رسول الله بعث إلي بهذه الصحيفة رجل من بني قريظة فيها جوامع من التوراة أقرأها عليك فجعل عمر يقرأ وجعل وجه رسول الله يتغير…”.

وإذا ما تماشينا مع ما ورد في “الموسوعة البريطانية” من أنه لا توجد أي دلائل مؤكدة على وجود ترجمة للكتاب المقدس باللغة العربية قبل الإسلام، فإنّ الاحتمال الأقوى هو أن عمر قد قرأ التوراة باللغة العبرية، وهي اللغة التي كان يهود المدينة يقرأون بها كتبهم المقدسة في ذلك الوقت.

في حديث أخر أقل شهرة، يذكره الألباني في كتابه “إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل”، تحل حفصة بنت عمر محل أبيها، حيث يذكر الراوي أنها قد “جاءت إلى النبي بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه، والنبي يتلون وجهه…”.

الملاحظ في الروايتين أنهما قد وردا في سياق الإشارة إلى غضب الرسول من الاطلاع على الكتب السماوية السابقة على الإسلام، حيث تغير وجهه في المرتين، دلالة على رفضه القاطع لذلك الفعل، سواء صدر عن صاحبه عمر، أم عن زوجه حفصة.

ولكن إذا ما حاولنا تفسير قدرة عمر على فهم الكتابات التوراتية، بكونه قد تعلم اللغات العبرية والسريانية من خلال أسفاره التجارية إلى الشام في شبابه، فكيف يمكن أن نفسر قدرة ابنته على ذلك؟

من الأرجح، أن تلك الروايات قد وضعت في سياق المنافسة المذهبية المحتدمة بين الشيعة والسنة، وأنها حاولت أن تحط من قدر ومكانة شخصيتي عمر وحفصة، المكروهتان بشكل كبير في الثقافة الشيعية، عن طريق ربطهما بشكل أو بأخر من الكتابات اليهودية، ومما قد يؤيد ذلك الرأي أن معظم المصادر السنية تضعف تلك الروايات وأشباهها، وتنظر لها بالكثير من الشك والارتياب.
سلمان وصهيب وزيد بن ثابت: المترجمون الأوائل في المدينة

بحسب ما تذكر المصادر التاريخية، هناك مجموعة من الصحابة الذين اهلتهم خلفيتهم العرقية والدينية لاتقان مجموعة من اللغات غير العربية.

على رأس هؤلاء، يأت سلمان الفارسي، الذي يذكر كل من ابن جرير الطبري في تاريخه وابن سعد في الطبقات الكبرى، أن أصوله تعود إلى أصفهان، وهي ناحية من نواحي إيران، وأنه قد تربى هناك حيث قضى فترة طفولته وصباه وشطراً من شبابه.

كان سلمان يتقن الفارسية بوصفها لغته الأم، ولكنه بعد أن ترك بلاد فارس، وسافر في رحلة طويلة بحثاً عن الدين الحق في سوريا والعراق، أضاف لمعارفه لغات جديدة، حيث أتقن كلاً من اللغة السريانية واللغة العبرية، وقرأ بهما مجموعة من الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين، ولعل ذلك يفسر ما وصفه به أبو نعيم الأصبهاني في كتابه “حلية الأولياء وطبقات الأصفياء”، من كونه -يقصد سلمان-قد قرأ الكتابين.

مثّلت المعرفة اللغوية الواسعة عند سلمان جسراً ثقافياً ممتداً إلى مجتمع المسلمين الناشئ في يثرب، التي تحول اسمها بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، كما أن تلك المعرفة اللغوية قد أتت بثمارها فيما بعد أثناء مرحلة الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس، عندما تولى سلمان التفاوض بين المسلمين والفرس، مما قرب من وجهات النظر في بعض الأحيان وحمى المغلوبين من سطوة الفاتحين في أحيان أخرى.

من هؤلاء الصحابة أيضاً، صهيب بن سنان، الذي اشتهر ذكره في المصادر الإسلامية بصهيب الرومي، حيث يذكر ابن الأثير في كتابه “أُسد الغابة في معرفة الصحابة”، أن صهيباً كان من أصول عربية، ولكنه تعرض في صغره للسبي على يد الروم البيزنطيين، فمكث في ديارهم لبضع سنين، مما أسفر عن تعلمه للغة اليونانية واتقانه لها، لدرجة أنها قد غلبت على لسانه، وتسببت في صعوبة نطقه بالعربية الفصيحة. 

ورغم أنه من المرجح أن المجتمع الإسلامي المبكر قد استفاد بشكل إيجابي من اتقان صهيب لليونانية، إلا أننا لا نكاد نعثر في المصادر التاريخية على أي إشارة لوجه من أوجه تلك الاستفادة.

في السياق ذاته، هناك بعض من اليهود الذين تحولوا لاعتناق الإسلام، ومنهم كل من عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، ولعب هؤلاء دوراً مهماً في تعريف المجتمع الإسلامي بالمؤثرات اللغوية والتاريخية والعقائدية العبرانية، وهو الأمر الذي سيتمخض فيما بعد عن ظهور وشيوع الروايات اليهودية، والمعروفة بالإسرائيليات بشكل كبير في كتب التفسير القرآني.

أما أهم الصحابة الذين أُشتهر عنهم إجادة اللغات الأجنبية، فهو زيد بن ثابت الأنصاري، وقد ورد في سنن الترمذي، عن زيد أنه قال: “أمرني رسول الله أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود قال إني والله ما آمن يهود على كتابي قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم”.

تذكر بعض المصادر الأخرى، مثل مسند أحمد بن حنبل والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، أن الرسول قد طلب من زيد أن يتعلم اللغة السريانية، وأن زيد قد استجاب لطلبه فتعلمها في 15 يوماً أو 17 يوماً.

أما بعض المصادر، ومنها “التنبيه والإشراف” للمسعودي، فقد بالغت في اللغات الأجنبية التي أتقنها زيد، حتى عدت من ضمنها كل من الفارسية والرومية والقبطية والحبشية، هذا بالطبع بجوار العبرية والسريانية.

ولكن، ومع كل تلك الروايات، يبدو من الغريب أن المصادر التاريخية لم تحتفظ لنا بأي رسالة مكتوبة بلغة غير العربية، قام الرسول بتبادلها مع أي جهة أجنبية، حيث يظهر من أخبار المكاتبات التي جرت بين الرسول وملوك عصره، أنها جميعاً قد كُتبت باللغة العربية، وأن الملوك الذين تسلموها قد قاموا بترجمتها عن طريق وسيط، ومن هنا يظهر التساؤل حول دور زيد بن ثابت وعن السبب الذي دعاه لإتقان كل تلك اللغات.

في أحد الآراء الواردة رداً على هذا التساؤل، يذهب المحقق اللبناني جعفر مرتضى العاملي، في كتابه “الصحيح من سيرة النبي الأعظم”، إلى أن أخبار معرفة زيد باللغات الأجنبية، قد شاعت في المصادر التاريخية لكون زيد هو الذي أشرف على جمع القرآن بحسب الرواية السنية من جهة، ولأنه كان من المقربين من الحزب الأموي الحاكم من جهة أخرى، مما استدعى اختلاق الروايات التي تدفع به إلى بؤرة الاهتمام والتركيز، والتي تؤكد على مناقبه وفضائله، وتعظّم دوره ومواهبه.
كيف لعبت الهجرة إلى الحبشة دوراً في الثراء اللغوي بالمدينة؟

كانت الهجرة إلى الحبشة من بين الأسباب التي ساهمت في التأسيس لوجود حالة من حالات التنوع اللغوي والثقافي في المجتمع الإسلامي المبكر.

بحسب ما يذكر ابن اسحاق في “السيرة النبوية”، هجرة المسلمين إلى مملكة أكسوم في الحبشة، وقعت في العام الخامس من البعثة النبوية، وبحسب ما يذكر كل من ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” وابن كثير في “البداية والنهاية”، أخر المسلمين الذين رجعوا من الحبشة، وصلوا للمدينة المنورة في العام السابع من الهجرة، وتحديداً بعد خيبر، وهو ما يعني أن الكثير من المسلمين المهاجرين للحبشة قد أقاموا بها ما يقرب من خمسة عشر عاماً كاملة.

تلك الفترة الطويلة سمحت بنقل العديد من المؤثرات اللغوية الحبشية إلى المدينة، خصوصاً أن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة كانوا مندمجين بشكل كامل مع الأحباش، قادة وعوام بحسب ما تشير معظم المصادر التاريخية.

من المرجح أن بعض المسلمين الذين قضوا فترة طويلة في مهجرهم الأفريقي، ومنهم جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس، قد أجادوا اللغة الحبشية إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال تذكر بعض المصادر، ومنها كتاب الزهد، للحسين بن سعيد الأهوازي، أنّ جعفراً كان يدخل على النجاشي، في غير مجلس الملك، وكان كثيراً ما يدور بينهما حديث ودي منفرد، حول أحوال الرسول والمسلمين في المدينة، ولم تذكر الرواية وجود أي مترجم في تلك الجلسات، مما قد يُرجح معه أن جعفراً قد تعلم لغة النجاشي وتخاطب بها معه.

نقلت أيضاً أسماء بنت عميس الكثير من المفردات والتراكيب اللغوية الحبشية معها إلى المدينة، حتى سماها بعض الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب بالحبشية كما ورد في “دلائل النبوة” للبيهقي.
من المنظور الشيعي الإمامي: الرسول والأئمة يتقنون جميع اللغات

الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط.

جميع الصور التي عرضنا لها في المحاور السابقة، هي في حقيقتها صور تاريخية لأوجه التفاعل اللغوي الأجنبي وتأثيراته في المجتمع الإسلامي المبكر، وهنا تجدر الإشارة كذلك إلى وجود نوع من التصور المخيلاتي، الذي ينبع من بعض الرؤى المذهبية الاعتقادية.

من أهم تلك التصورات المخيلاتية، الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر، كانوا محيطين بجميع اللغات واللهجات السائدة، وأنهم كانوا يمتلكون القدرة الكاملة على التحدث مع كل من الرومي والحبشي والفارسي والقبطي والهندي، بطلاقة ودون أي مشكلة.

بحسب ما يذكر الشيخ المفيد في كتابه “الاختصاص” أن هذا القول يتفرع بالأساس من الاعتقاد بأن الرسول والأئمة قد حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط.

بحسب ذلك الاعتقاد، ذكرت الكثير من المصادر الشيعية الإمامية المتأخرة، ومنها بحار الأنوار للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي، العديد من الروايات التي ظهر فيها كل من الرسول وعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين، وهم يتحدثون اللغات الأجنبية بكل طلاقة وتمكن.

المصدر: رصيف 22