أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » السويداء: أبعد من قضية الشيخ الغريب / حصر الموافقة على زيارة المشايخ الدروز بين لبنان وسوريا بالشيخ الدرزي نصر الدين الغريب

السويداء: أبعد من قضية الشيخ الغريب / حصر الموافقة على زيارة المشايخ الدروز بين لبنان وسوريا بالشيخ الدرزي نصر الدين الغريب

حصر الموافقة على زيارة المشايخ الدروز بين لبنان وسوريا، بالشيخ الدرزي نصر الدين الغريب، وما أثاره ذلك من اشتباك درزي لبناني داخلي، لم يكن إلا جزءاً من مشكلة أكبر ما زالت تتفاعل في السويداء.

القرار أظهر حجم الاختلاف والتناقض بين مؤسستي “مشيخة العقل” بزعامة الشيخ يوسف جربوع في مدينة السويداء، ومؤسسة “الرئاسة الروحية” بزعامة الشيخ حكمت الهجري في بلدة قنوات، وسط صراع خفي بينهما للسيطرة على قرار الطائفة الدرزية في السويداء. وبات واضحاً بشكل واضح تلاعب النظام بالطرفين، لتكريس الانقسام ضمن الطائفة في السويداء.

التحالف بين الشيخ يوسف جربوع، أحد مشايخ عقل الدروز الثلاثة في السويداء، والوزير اللبناني طلال أرسلان، المقرب من النظام السوري، وقف وراء اعتماد الشيخ الغريب، لمنح الموافقات على زيارات مشايخ الدروز بين لبنان وسوريا. وذلك، سعياً من جربوع وأرسلان لاحتكار زعامة الطائفة من خلال علاقاتهما مع النظام السوري والأمن العام اللبناني، والتضييق على خصومهما في سوريا ولبنان.

وعدا عن محاولة النظام السوري استخدام أرسلان، لتضييق الخناق على الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، فإن تلك الخطوة تأتي ذلك في إطار المنافسة على زعامة الطائفة الدرزية في سوريا بين الشيخ جربوع، وشيخ العقل الأول حكمت الهجري. ورغم الموقف الودي الظاهر بين الهجري وأرسلان، إلا أن أرسلان يُفضل جربوع، ويدعمه بشدة. ويتجلى ذلك في الزيارات المتكررة والمتبادلة بين الوفود الممثلة لهما، وظهور أرسلان في زياراته الأخيرة إلى سوريا إلى جانب جربوع، بينما كانت أخر زيارة له للهجري نهاية 2013، لإعلان التفافهما حول بشار الأسد. ولم تنقطع العلاقات بين أرسلان والهجري إلا أنها تقلصت مع الوقت.

اختيار الغريب لمنح بطاقة تسهيل المرور، لم يُرِض الشيخ الهجري، المُقرب من شيخ العقل في لبنان نعيم حسن. مصادر مقربة من الهجري، اعتبرت القرار استكمالاً لـ”مؤامرة بدأت قبل سنوات” بين جربوع وأرسلان، لمنح صلاحية الموافقة على الزيارات الدينية من سوريا إلى لبنان، عبر “بطاقة شيخ” مصدرها الوحيد مؤسسة “مشيخة العقل” التي يتحكم بها جربوع. وأدى ذلك، بحسب تلك المصادر لـ”تفكك في الطائفة وانحلال بعض المواريث الدينية” فيها حسب وصفهم، نتيجة اضطرار مئات الأشخاص لـ”التستر بزي الدين” للسفر إلى لبنان.

وكانت تبرعات من دروز لبنان إلى أسر ضحايا ريف السويداء الشرقي في هجوم “داعش” الإرهابي الأخير، قد وصلت عبر الشيخ نعيم حسن إلى الشيخ الهجري، للإشراف على توزيعها. وأثار ذلك استياء الشيخ جربوع الذي يُدير مال الوقف الأكبر للطائفة في “دار الطائفة”. وطالب الشيخ جربوع، الشيخ الهجري، بشكل غير مباشر، بإصدار توضيح عن زيارة رجال دين مكلفين من الشيخ نعيم حسن، إلى السويداء، وبحوزتهم تبرعات (كشف الشيخ جربوع قيمتها). واعتُبِرَ ذلك محاولة لإحراج الشيخ الهجري أمام أهالي السويداء. فعلياً، أضعاف تلك التبرعات كانت قد وصلت إلى “دار الطائفة” في السويداء، باشراف الشيخ جربوع، على مدى السنوات الماضية.

مصادر “المدن” تُشير إلى أن تخصيص المبلغ الأخير للشيخ الهجري، ربما كان من الأسباب الرئيسية التي دفعت الشيخ جربوع، للموافقة على حصر بطاقة تسهيل المرور بالشيخ نصر الدين الغريب.

الخلاف على التفرد بقرار الطائفة، بين جربوع والهجري، كان قد ظهر قبل فترة قصيرة، علناً، بعد معركة بيانات بين الشيخ الهجري، والشيخ جربوع. “مشيخة العقل” في مدينة السويداء، اعتبرت في بيان لها أنها “المرجعية الدينية التاريخية ذات الشخصية الاعتبارية المقرة بالقانون السوري، والتي تقوم بتعيين رجال الدين المكلفين بسياسة المجالس الدينية، وتعيين اللجان الوقفية في كل المناطق التي تتبع لوقف الطائفة”، وذلك بعد امتناع رجال دين محسوبين على الشيخ الهجري، عن حضور اجتماع دعت له “مشيخة العقل”، في “إطار تنظيم العمل والخطاب الديني” وفق مصادر “المدن”. وردت “الرئاسة الروحية” بهجوم غير مباشر، عبر بيان، أكدت فيه “ان المستندين الى قرارات غير نافذة ويعتبرونها قانونية فهم يخالفونها ابتداء ويخالفون الشرع اصلاً، هذه القرارات ولدت منعدمة مهملة لا يعتد بها لان في مضمونها قضاء على روح الطائفة وأصول توحيدنا فالغايات مدركة والتوجهات واضحة”.

وطلبت “الرئاسة الروحية” من رجال الدين الابتعاد عن “المصالح الدنيوية الرخيصة والمسميات المبتدعة في عهد الانتداب الفرنسي”، في إشارة إلى مسمى “شيخ العقل” الذي تعتبر أنه ابتُدع في عهد الانتداب الفرنسي. بينما ترفض “مشيخة العقل” مسمى “الرئاسة الروحية” وتعتبره احتكاراً للمؤسسة الدينية.

ويصبُّ النظام الزيت على نار الخلاف في السويداء، بين الطرفين المواليين له، من خلال التعامل معهما كمؤسستين منفصلتين، رغم أنهما تمثلان الهيئة الدينية العليا للطائفة. كما منح النظام كل مؤسسة منهما امتيازات على حساب الأخرى، فضلاً عن إحاطتهما بدائرتين أمنيتين تسيطران على الكثير من القرارات والبيانات الصادرة عنهما.

تزكية الخلاف من النظام انعكست على أرض الواقع في السويداء ورسخت الانقسام بين مشايخ الطائفة حول المرجعية الروحية، وأدت لنشوء تحالفات متنافرة بين بعض العائلات. ونجح النظام من خلال زيادة المنافسة بين المشيخيتين، في الحصول على تنازلات ومواقف لصالحه من كل طرف على حدا، بل جعلهما يتسابقان في تقديم التنازلات، كإصدار بيانات تدعو للالتحاق بالخدمة العسكرية، وإعلان الولاء للنظام و”تمسك الطائفة بالأسد”، فضلاً على تفويض النظام بـ”دماء الزعران” وموافقتهما على الانتشار العسكري ونشر الحواجز.

وتشهد السويداء أوضاعاً متوترة، مع نشر قوات النظام المزيد من التعزيزات على الحواجز وفي فروع الأجهزة الأمنية، تحضيراً لما يعتقد أنه استكمال سيطرة النظام على السويداء. وكانت محافظة السويداء قد شهدت خلال سنوات الحرب حالة من الحياد بين النظام والمعارضة، تمت ترجمتها بامتناع عشرات آلاف المطلوبين للخدمتين الاحتياطية والالزامية عن الالتحاق بقوات النظام. وتسيطر فصائل محلية على الأوضاع في السويداء، بعدما انسحب النظام منها وسلمها لمليشيات موالية له. ويحاول النظام العودة إلى السويداء، وسوق شبابها للخدمة العسكرية، واعتقال المطلوبين لأجهزته الأمنية، عبر افتعال أزمات جديدة مع عصابات خطف وسرقة، تحركها فروع الأجهزة الأمنية.