أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » مأزق الثورة السورية (عسكرتها وأسلمتها) بقلم الباحث أسامة محمود آغي

مأزق الثورة السورية (عسكرتها وأسلمتها) بقلم الباحث أسامة محمود آغي

شكّل تفجّر الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011 فرصةً ذهبيةً لكثير من القوى الداخلية لتحقيق أهدافها، هذه الأهداف كانت بعيدةً عن الهدف الذي خرجت من أجله الجماهير المحتجّة الذي يمكن تلخيصه برغبتها في الخلاص من نظام الاستبداد وتصميمها على ذلك، هذا النظام كان سبب “انعدام الحياة السياسية، وتأليه الحكّام، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفقر المدقع، وانعدام الكرامة، وتفشي الظلم، وانعدام المساواة، وتغوّل الأجهزة الأمنية وسحقها للمواطن”(1).

ولعلّ حجم القمع الدموي الكبير الذي واجه به النظام السوري الفئات الشعبية المنتفضة، وترويجه أن ما يجري في البلاد هو مواجهة لقوى إرهابية ذات اتجاه إسلامي راديكالي، دفع بعدد من المنخرطين في الاحتجاجات إلى خيار حمل السلاح الفردي دفاعاً عن المتظاهرين، وقد ترافق ذلك مع إطلاق تسميات دينية لتظاهرات أيام الجُمع.

تذهب هذه الدراسة إلى كشف كيفية تسلل الإسلاميين إلى الصف الشعبي المحتج، وحرف مسار الاحتجاجات السلمية نحو العسكرة والأسلمة.

الجماعات الإسلامية والإطار الأيديولوجي

لا يمكن البحث في نتائج ما وصلت إليه المعارضة السورية بعمومها في صراعها مع النظام السوري من دون لحظ الزجّ بالفكر السياسي الديني منذ بداية الاحتجاجات، مع تأكيد أن أغلب القوى المحتجة هي ذات أصول ريفية تعرّضت بقسوة للتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي من النظام الحاكم. ويمكن القول “إن السمة الأبرز للحراك الثوري ونشاطه المتنوع الريادي واللاحق هو الريفية، إذ كان أبناء الريف المحرّك الأول للتظاهرات، وصارت سواعدهم المسند الأول لبندقية الثورة”(2). واستطاعت الجماعات الإسلامية كحركة الإخوان المسلمين أن تتسلل إلى عمق محور الحراك الشعبي المحتجّ. ويظهر ذلك في بعض مناطق الريف الأوسط والشمالي، ولكنها كانت ضعيفة التأثير في مدن الجنوب السوري والوسط. وعملت منذ البداية على إلباسه طابعاً دينياً ذا توجه وصبغة طائفيين. هذه المقدرة الإسلاموية كان يختفي خلفها غياب حقيقي للقوى الوطنية الديمقراطية التي تريد الذهاب بالبلاد من مربع الاستبداد والقهر الاجتماعي إلى واحة دولة الحرية والكرامة والديمقراطية.

إنّ استخدام الجماعات الإسلامية للشعارات الدينية مثل تسمية أيام الجُمع التي “حمل عدد منها دلالات دينية صريحة، بما لذلك من تأثير في توجيه الرأي العام ومساراته” مثل جمعة أحفاد خالد في 22/7/2011، وجمعة الله معنا في 5/8/2011، وجمعة الله أكبر في 4/11/2011. إضافةً إلى عددٍ آخر من الجمع بالمنحى ذاته.

هذه التسميات وما كان يُرفع من الشعارات الدينية التي أبرزها الإسلاميون ساعدت النظام السوري على إظهار الحراك الثوري دعوةً إلى إقامة دولةٍ إسلامية. لذلك نجد أن ما قدّمه إعلام نظام الأسد في محاولاته لتسويغ “الحلّ الأمني” وروايته الرسمية منذ خروج أول التظاهرات السلمية المطالبة بالتغيير عن أنّ ما يجري هو لخدمة قيام “إمارات سلفية” و”فتنة طائفية”(4).

وقد تلاقى السلوك الإعلامي للجماعات الإسلامية المنخرطة في الاحتجاجات مع الضخّ الإعلامي الدعوي الذي كان يقوم به الشيخ عدنان العرعور الذي كان ينتمي في الثمانينات إلى حركة الإخوان المسلمين وبعد أن هرب إلى السعودية انقلب على الإخوان المسلمين ليصير من أتباع السلفية. وكذلك تلاقى مع ما طرحه الشيخ يوسف القرضاوي المحسوب هو الآخر غلى حركة الإخوان المسلمين الذي تستضيفه دولة قطر لهذا السبب، إذ يشغل منصب رئيس هيئة علماء المسلمين، قال في خطبة الجمعة (25 آذار/ مارس 2011) أي بعد عشرة ايامٍ على انفجار الاحتجاجات “أن الأسد أسير طائفته، وأن الشعب السوري يعامله على أنه سُنيّ”(5).

هذه التصريحات ذات النبرة الدينية ساعدت الخطاب الأيديولوجي الديني للجماعات الإسلامية على أن يطفو على السطح، وأوجدت إمكانية انحراف حركة الاحتجاجات ذات الطابع الوطني عن مسارها الطبيعي المطالب بدولة تؤمّن لأبنائها الكرامة والحرية بوصفهم مواطنين، إلى مسارٍ يشبه صراعاً بين طائفتين هما الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري، والطائفة السُنيّة التي ينتمي إليها أغلب المحتجين.

إنّ بروز الجماعات الإسلامية وتحديداً “حركة الإخوان المسلمين” بوصفهم قوّة مهيمنة على الحراك الشعبي بعد مدة من تفجّره أساسه غياب حقيقي للقوى الوطنية الديمقراطية التي تمزّقت أوصالها في عهد نظام الأسد الأب. ذلك النظام عمل على سحق القوى الوطنية والديمقراطية المعارضة لنظامه الدكتاتوري كلها عبر السجون والمطاردة السياسية والتصفيات الجسدية. ونتيجةً لغياب القوى المنفتحة على التطور الفكري والاجتماعي فإنّ “الردّة الدينية اكتسبت أرضيةً لا بأس بها، فاستطاعت أن تتغلغل في نسيج المجتمع السوري، فالرقابة الممارسة على الأفراد، سهّلت للدين المتشدد التسللّ إليهم، ليكون ملجأهم الأخير”(6).

هذه الردّة تكتسب قوتها الأيديولوجية من الثقافة والوعي السائدين في المجتمع. وهما أساساً يرتكزان على الإيمان بحتميّة القضاء والقدر. هذا النمط من التفكير هو ما استغلته الجماعات الإسلامية لإشاعة خطابها الأيديولوجي المتناقض مع الديمقراطية ومجتمع الحريات.

ووفقاً لهذه الحالة التي وفرتها الجماعات الإسلامية للنظام السوري ليقول إنّ ما يجري هو من فعل عصابات مسلحة وإرهابيين سلفيين، وأن هذا الحراك هو حراك تقوم به جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وأن المستهدف الأساسي هو “الدولة العلمانية” والأقليات الدينية والقومية والطائفية في البلاد.

هذا الخطاب السلطوي وجد متسعاً رؤيوياً حقيقياً له في خطاب الإسلاميين، وبذلك انفضّت كثير من القوى الداخلية والدولية المؤيدة للاحتجاجات الشعبية عن دعم الحراك بسبب الاستقطاب الطائفي الذي مارسه الإسلاميون والنظام في آن واحد.

ذراعا المعارضة السياسي والعسكري الضعيفتان

لم تجد حركة الاحتجاجات الشعبية السورية منذ انطلاقتها فرصةً لتشكيل قيادة سياسية واحدة للحراك في مستوى البلاد، وقد بذلك فوّتت هذه الفرصة التي تعدّ ركيزة عملها السياسي الأساسية، إذ إن وجود قيادة سياسية واحدة للحراك الشعبي، يفترض بالضرورة وجود برنامج عملٍ سياسي واضح الأهداف في المستويين التكتيكي والاستراتيجي. وبما أن قيادات الحراك الشعبي لا تمتلك خبرات عمل سياسي سابقاً، فإن ذلك منع فعلياً تشكيل هذه القيادة الواحدة على الأرض، ما سهّل التقدم لقوى المعارضة التقليدية المختلفة نحو موقع قيادة الحراك الشعبي، وتشكيل “المجلس الوطني”، وفي مقدمة هذه القوى حركة الإخوان المسلمين التي كان أعضاؤها أغلبهم خارج البلاد منذ صراعهم مع النظام في الثمانينات. إضافة إلى شخصيات معارضة، وبعض القوى الليبرالية السياسية كحزب الشعب الديمقراطي، وبعض تمثيلات حركة الاحتجاج.

إنّ تشكيل “المجلس الوطني” لم يكن غير تشكيل رداءٍ سياسي لجسد حراكٍ شعبي لا صلة حقيقية بينهما. فمن الطبيعي أن تتكون بنية “المجلس الوطني” من تمثيلات سياسية لقوى الحراك على الأرض. ولكنّ ذلك لم يحدث بسبب عدم وجود استراتيجية واحدة لدى المحتجين. وهذا ما جعل فاعلية “المجلس الوطني” -ثم فاعلية الجسد السياسي الوارث له “ائتلاف قوى الثوة والمعارضة”- ذراعاً سياسيةً ضعيفةً، لا تستطيع رسم مسارٍ لحركة الاحتجاجات وقيادتها، بما يخدم استراتيجية الخلاص من نظام الاستبداد. هذا الخلل في العلاقة بين الإطار السياسي (المجلس الوطني ثم الائتلاف) وجسد حركة قوى الاحتجاج في الميدان، ساهم في فتح المجال لقوى إقليمية ودولية للتحكم في هذا الإطار السياسي وتوجيهه، وعمل على إغلاق دائرة الفعل السياسي لمصلحة الأنانية الأيديولوجية الإسلاموية التي تمثلها حركة الإخوان المسلمين، ما زاد من ضعف الذراع السياسية الغريبة أصلاً عن جسد الحراك الشعبي.

هذا الوضع دفع كثيراً من قوى الميدان الإسلاموية إلى البحث عن سندٍ ماديٍ خارجي، من دون بذل جهد في فهم العلاقة الجدلية بين مسار الاحتجاجات واتجاهها، وهذا السند الخارجي الذي يمدّهم بالمال والسلاح.

هذه الممارسة الميدانية المرتكزة على غياب استراتيجية مواجهةٍ فاعلةٍ مع النظام الاستبدادي، إضافة إلى طبيعة بنية القوى التي تخوض الصراع، وهي ذات رؤية مشوشةٍ فكرياً، لم يكن هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية ضمن أهدافها، دفع بالأمور إلى تحويل الفعل السلمي للتظاهر إلى مواجهةٍ عسكرية مباشرة مع النظام. وبهذا يمكن القول “إن الثورة السورية تحوّلت من ثورة مدنيةٍ إلى حربٍ أهليةٍ، ومن ثم إلى ساحة صراعٍ دولي بالوكالة، وأنّ هذه التحولات لم تكن منفصلةً عن بعضها، كما لم يحدث بصورة مفاجئة أو جذرية، بل كان لها سياقها البنيوي الذي ساهم في حدوث هذه التحولات منذ بداية الأحداث”(7).

وإذا أردنا فهم عمق اتجاه أسلمة حركة الاحتجاجات الشعبية في سوريا، فإن ذلك سيقودنا إلى فهمٍ جدليٍ بين تكوين السلطة الاستبدادية للنظام السوري وتكوين بنية المعارضة الميدانية. وهذا يمكن تلمسه بوضوحٍ لأنّ “السلطة قامت بمجازر طائفية بهدف دفع الثورة إلى أخذ منحى ردّة الفعل الطائفية. ولا شكّ في أنّ ذلك ساهم في “أسلمة بعض الفئات السُنيّة وميلها إلى التعصب”(8).

إذاً إنّ دفع النظام السوري الأمور إلى عتبة المواجهة الطائفية بخطابه الإعلامي، واستخدامه القوّة المفرطة بحقّ الحاضنة الشعبية لحركة الاحتجاجات أوجد له ردّة فعل تكمّله. وبدل أن تبقى العلاقة الصراعية بين نظام مستبدٍ وشعبٍ يريد الحرية، نجح النظام بتصوير الأمر حرباً أهلية بين طائفتين.

إنّ عدم وجود رؤية استراتيجية لدى قوى الاحتجاج الميدانية سهّل لقوى إقليمية التدخل في هذا الصراع من باب عدّه صراعاً طائفياً، لأن النظام الحاكم هو نظام أقلوي طائفي متحالف مع عدوٍ إقليمي طائفي هو إيران. ونتيجة غياب قيادة سياسية واحدة لدى المعاضة، ظهرت قوى عسكرية لديها ارتباطات بأجندات إقليمية وبعضها لديه ارتباطات دولية. هذه القوى لم يكن لديها القدرة على الاتحاد ضمن جيش وطني واحد معارض. والسبب أن جهات التمويل والتسليح ليست جهة واحدة، بل جهات بمصالح مختلفة. وبذلك بدت الصورة واضحة أكثر، من أنّ حركة الاحتجاجات لم تمتلك أداةً عسكرية واحدة، تتبع لمركز قيادةٍ سياسية واحد.

هذه التطورات تكشف غياب أيديولوجيا واحدة لحركة الاحتجاجات، والدليل على ذلك أنّ قوى الميدان اختلفت في التعبير عن أهدافها بين دولة حريةٍ وكرامةٍ، ودولة ذات طابع إسلامي، أو دولة خلافة إسلامية متشددة. وهذا الأمر يبيّن العمق الفكري لدى قادة الميدان الذين لم يميزوا بين كونهم مسلمين وكونهم من دعاة بناء دولة إسلامية يحتاج بناؤها إلى شروط موضوعية وذاتية غير متوافرة في الوضع السوري.

ونتيجة غياب العمق الفكري، فإن الفصائل العسكرية المسلحة كانت تخوض معارك ضد بعضها، وأساس هذه المعارك ليس قضية مواجهة الاستبداد وتوحيد الرؤية حوله، بل لمنافع مادية مباشرة. هذا الخلل بين القوى السياسية التي تصدرت المشهد السياسي وغياب الرؤية الفكرية الحاسمة تجاه طبيعة الصراع مع الاستبداد لدى قوى الميدان هو من سهّل فعلياً تسلّل الإسلاميين الأكثر تشدداً أيديولوجياً (كجبهة النصرة وداعش). فالحاضنة الشعبية التي لم تكن محروسةً بفئة دعاة الديمقراطية والحريات بصورة مدروسة، بقيت ذات مرجعية اجتماعية وفكرية تقليدية تنتمي إلى الإسلام الطبيعي. أي إن الحاضنة الشعبية هي حاضنة إسلامية معتدلة لا علاقة لها بالتشدد الديني. وحين غابت عنها القوى الوطنية الديمقراطية التي ترفع شعار الحريات وبناء الدولة الديمقراطية، وجدت نفسها أسيرة راديكالية إسلاموية لا علاقة لها بها.

لم تميّز قوى المعارضة السياسية التي شكّلت المجلس الوطني والائتلاف درجة خطورة تسلل القوى الجهادية، وهذا ظهر جلياً في خطبٍ متعددة لبعض رموز المعارضة، ما أعطى دوراً لقوى الإسلام السياسي بعيداً عن إلغاء الاستبداد، والاقتراب من مفهوم الاستيلاء على السلطة السياسية. و”باتت جبهة النصرة توجد بالفعل مع الكتائب الإسلامية الأخرى وتشاركها في تصفية كل ملمحٍ وطني بين الفصائل، وتصفية الثورة ذاتها بذريعة التكفير، وإقامة المحاكم الشرعية”(9).

إنّ بقاء الذراع العسكرية والسياسية للمعارضة السورية في حالة ضعف، نتيجة عدم القدرة على بناء المكوّن الوطني، من دون تحكمٍ إقليمي أو دولي فيه. هذا المكّون هو من يرسم سياسة الخلاص من الاستبداد، ويضع أولويات عمله واستراتيجياته من صلب الأجندة الوطنية، بحيث تجري عملية الاستفادة من الدعم الخارجي بما يخدم حركة الخلاص من الاستبداد، وليس من أجل خدمة أهداف إقليمية تضرّ بأهداف حركة الاحتجاجات الشعبية. ولذلك تبدو إعادة النظر في بنية القوى الفاعلة والمسيطرة على العمل المعارض ضرورةً تاريخيةً، لتصحيح اتجاه حركة الاحتجاجات والانتفاضة، بما يخد قيام دولة مدنية ديمقراطية.

دور الإسلام السياسي في مأزق الانتفاضة السورية

يظهر مأزق الانتفاضة السورية بصورةٍ جليةٍ مع تسلل الإسلاميين، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين إلى صفوف المتظاهرين. ولعلّ إحجام الإخوان عن الظهور العلني كانت تسببه عوامل عدة، أهمها أن النظام السوري ما يزال يتمسّك بالقانون قم 49 لعام 1980 الذي ينصّ على تجريم وإعدام كل من تثبت صلته بهذه الجماعة. وحين حاول الإسلاميون المنحدرون من حركة الإخوان إظهار شعاراتهم الإسلامية اندفع المتظاهرون إلى الهتاف بشعارهم المعروف “لا سلفية ولا إخوان.. ثورتنا ثورة إنسان”. عبر هذا الموقف استطاع الإخوان المسلمون التغلب عليهم بأسلوب التقية السياسية، حيث تلطّوا خلف شعارات المتظاهرين في انتظار الفرصة الملائمة لفرض وجودهم، والدفع بالانتفاضة لخدمة أهدافهم السياسية.

كان همُّ الإسلاميين عموماً إبعاد القوى الوطنية الديمقراطية عن واجهة الاحتجاجات، بشعار يقول: إن العلمانية كفر. وهذا ما دفع النخب العلمانية إلى التراجع إلى الخلف، وبذلك سمح التراجع لحركة الإخوان المسلمين بالطفو على سطح الفعل السياسي والإعلامي والإغاثي والعسكري لاحقاً.

لقد مارس الإخوان المسلمون “تقيةً عروبية وعلمانية زائفة، وكانوا متحمسين جداً للانتقام ودخول النزال الطائفي مع النظام، فاقتحموا ميادين الثورة معضودين بسيولة هائلة من داعمين كثر، فأغرقوا العمل المدني والإعلامي والعسكري في أشهر قليلة بأنواع شتى من الدعم”(10).

هذه الرؤية والممارسة الإخوانية عملت على تفتيت فعل الحراك الثوري الذي يريد الخلاص من الاستبداد، إذ استبدلت تدريجياً بهدف الانتفاضة الذي يريد إزالة الاستبداد، ونيل الحريات، وبناء الديمقراطية هدفاً آخر هو إقامة دولة إسلامية وفق المنظور الإخواني.

وقد أدّى حراك الإخوان المسلمين في الساحة الداخلية للاحتجاجات الشعبية إلى “مغادرة عشرات الشخصيات، أو تغييبها مقابل ظهور أصوات تقترب من لغةٍ جديدة تميل إلى العسكرة والتقرّب من المجتمع الدولي طمعاً في الحظر الجوي أو المنطقة العازلة”(11).

وقد أدى الدور الإقليمي والمال السياسي الكبير دوراً في سيطرة الإخوان المسلمين على المجلس الوطني الذي صار هيكله الرئيس ذا بنية إخوانيةٍ واضحة. بهذه الطريقة جرى القبض على الذارع السياسية المشكّلة أساساً في خارج البلاد من معارضةٍ إخوانية، ومن بعض رموز المعارضة الوطنية. وبالأسلوب نفسه حدثت السيطرة على كثير من الأذرع العسكرية التي تعمل ضدّ النظام، وتصفية المختلف عنهم أيديولوجياً أو سياسياً مثل فصائل “الجيش السوري الحر”.

لذلك يمكن القول إن غموض الإخوان المسلمين ظهر بأن “لم يبدِ الإخوان رغبةً حقيقيةً في تقديم إسلام مدني، تجنباً لإشكالية توصيفه (بالليبرالي الإشكالي). وكانت فرصتهم التمهيدية للتسلط السياسي. كان تسلطهم تسلّطاً لا يقبل الشك فهم لم يمنحوا الدكتور برهان غليون السياسي السوري الوطني الأكاديمي فرصة إنتاج معارضة سياسية ترتقي إلى المأمول”(12).

إذاً يمكننا رسم مسارين مختلفين حدثا للانتفاضة السورية. المسار الأول هو مسار الاحتجاجات عبر أسلوب التظاهر السلمي. وهو مسار افتقد إلى وجود قيادة حقيقية فاعلة تقوده عبر برنامج واضح إلى تحقيق هدفه الأساس وهو إزالة الاستبداد. والمسار الثاني هو مسار استطاع احتلال مربعات المسار الأول نتيجة فقده استراتيجية واضحة. هذا الحلّ كان ذا طابع أيديولوجي اعتمد كرؤيةٍ في ممارسة الصراع السياسي، ضد النظام السوري من موقع ضيّق، هو موقع الطائفية السياسية.

إنّ الذهاب في هذه الطريق قاد الانتفاضة السورية إلى مأزقها الحقيقي، وانسداد الأفق أمامها. فلا يمكن إنجاز مهمات وطنية ديمقراطية بأدواتٍ ما قبل وطنية وهي “أذرع طائفية”.

إنّ العمل الثوري وفق منطوق أيديولوجي ديني هو إحلال بالضرورة للمفهوم الأيديولوجي بدلاً من المفهوم السياسي، الذي يشرح طبيعة الصراع الحقيقية، ويبيّن الأدوات الملائمة لهذا الصراع، لاستخدامها في حلّ مأزق انسداد التطور الاجتماعي. لذلك تبدو الثلاثية (السياسي _ الأيديولوجي _ الديني) في الحالة السورية في علاقة تشابك، وهذا يقودنا إلى القول “إنّ ما يفرض سلطة الأيديولوجيا أو الدين هو انحياز السياسي الذي يعتمد على استغلال ما في الاثنين من قوى دافعة للعمل السياسي، ومن ثم لا يظهر استقطاب السياسة إنما تظهر سلطة كل من الدين والأيديولوجي ليبقى للسياسة فعلها المقنّع أو الخفي أو غير المحايد في الواقع”(13).

إذاً يمكن فهم أن المأزق الحقيقي للممارسة السياسية للإخوان المسلمين في مسار الانتفاضة السورية هو توظيفهم للأيديولوجيا الدينية لغايات سياسية مختلفة.

النهايات غير السعيدة لعسكرة الانتفاضة السورية وأسلمتها

دخلت مرحلة عسكرة الانتفاضة السورية وأسلمتها محطتها الأخيرة بعد التدخل الروسي في الصراع السوري في خريف عام 2015. إذ خسرت الفصائل الإسلامية مواقعها في شرق حلب عام 2016، وفي الغوطة الشرقية عام 2018. هذه الخسائر تكشف حقائق أخرى لا يُراد لها أن تظهر على السطح السياسي السوري، فهي ليست محض خسائر عسكرية فحسب، بل هي هزيمة أيديولوجية للتيارات الإسلامية التي عملت على حرف الانتفاضة السورية السلمية عن مجراها الطبيعي، وتحويل هذه الانتفاضة إلى معركة اتخذت سمةً طائفية بغيضة، ما أضعف التأييد العالمي لها، وأبعد عنها أوسع قاعدة شعبية كانت تريد الديمقراطية والحرية.

إنّ ما جرى لاحقاً بعد سيطرة الإسلاميين على مجريات الصراع مع النظام السوري هو “اكتساب الصراع صبغة طائفية، إذ بدأت جماعات السُنة قتال جماعات مسلحة أخرى من العلويين، وهي الطائفة الشيعية التي ينتمي إليها بشار الأسد وعائلته، وكان يسيطر أفرادها على أغلب أجهزة الدولة”(14).

ولكن ما جرى لاحقاً وبعد سيطرة الإسلاميين على العمل السياسي والعسكري للمعارضة هو أن كثيراً من السوريين بدؤوا يُحسّون أن انتفاضتهم التي قاموا بها، وقدموا من أجلها تضحيات كبرى، قد اختُطفت من جماعات إسلامية، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين.

واكتشف السوريون أنه لا يوجد بلد يعاني كما عانوا في انتفاضتهم، إذ بلغت خسائر الشعب السوري أكثر من 400 ألف قتيل، كان يقف خلفها وحشية النظام السوري المدعوم من إيران وروسيا ومن قوى أجنبية طائفية. إضافة إلى أن الصراع أخذ طابعاً مسلحاً وأيديولوجيا طائفياً.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً يمكن القول “لم يستطع الإخوان المسلمون أن يتزعموا الصفوف المعارضة إلا بفعل عامل خارجي تركي _ قطري، وبدعم من إدارة أوباما في مدّة 2011 – 2013 . وعندما سُحب الغطاء الأمريكي ظهرت السلفية الجهادية بوصفها أقوى من الأصولية الإخوانية على الأرض في 2013 – 2017″(15).

إن هذا الاتجاه الرؤيوي لدى التيارات الإسلامية عموماً ولدى حركة الإخوان المسلمين خصوصاً قاد الانتفاضة السورية إلى مأزقٍ سياسي حقيقي. وهذا الأمر يُعطي دلالات متعددة، ربما يكون أول هذه الدلالات هو اكتشاف أن الخلاص من الاستبداد لا يجري بأدواتٍ ما قبل وطنية كاستخدام الأيديولوجيا الدينية بصورتها الطائفية. مثل هذا الاتجاه والممارسة أضعف -وما يزال يُضعف- وحدة العمل السياسي الوطني المعارض لكل شكلٍ من أشكال الاستبداد. ويشكّل بالضرورة إحساساً بالقلق لدى الأقليات الدينية والطائفية والإثنية التي لا تقبل الانخراط بغير دور وطني حقيقي، يُبعد الاستبداد على أرضية مواطنةٍ حقيقية ودولة ديمقراطية.

لهذا لا يوجد أي أفق سياسي مقبل للحركات الإسلامية سواءً كانت سلفية أم أصوليةً أمو جهادية. لأنها باختصار حركات معادية لوسطها الاجتماعي والإقليمي والدولي. وهذا يجعلنا نظن أن النهايات غير السعيدة لحركات الإسلام السياسي هي في طريقها إلى الجلاء والوضوح، ما يعني هزيمة كبرى لهذا الاتجاه الذي نما على تربة الاستبداد والقهر الاجتماعي للشعب السوري الذي يريد بلوغ ضفاف دولة المواطنة الحقيقية.

المراجع

asharqalarabi.org.uk مركز الشرق العربي – الثورة السورية – الأسباب والتطورات د.غازي التوبة 24/6/2012
alsouria.net الأبعاد المجتمعية للثورة السورية جورج صبرة 1/1/2015
suwar-magazine.org/details/764 قراءة في الحركة الإسلامية في الحرب السورية – طارق عزيزة
المصدر السابق
suwar-magazine.org/details/764 قراءة في الحركة الإسلامية في الحرب السورية – طارق عزيزة
eu/ar/?p=1071 أسلمة الانتفاضة وخسارة سوريا 27/4/2012
almodon.com/arabworld مآلات الثورة السورية بعد سبع سنوات من اندلاعها 7/4/2018
aljazeera.net/knowledgegate/opinions ما طبيعة الحرب في سوريا- سلامة كيلة 23/12/2014
co.uk أي مستقبل للتيارات الإسلامية في سوريا – رانيا مصطفى 1/3/2017
net/ar/content دور الإخوان المسلمين في إفشال الثورة السورية- مصعب الحمادي
ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=10327 الدور الخفي للإخوان المسلمين في سوريا للسيطرة على مفاصل الثورة. محمد مهند مراد أيهم 28 أكتوبر 2012
ultrasawt.com /قول/أحمد هلال – سورية برسم الإخوان المسلمين
alwatanvoice.com السياسي – الأيديولوجي – الديني، علاقة اشتباك بين التوفيق والتوقيف أمل فؤاد عبيد 6/3/2007
bbc.cim/arabic/middleeast-43836770 سبعة أسئلة تساعدك على فهم الصراع في سوريا 12 أبريل 2018
alhayat.com/article/4578761 الإسلاميون السوريون – محمد سيد رصاص 5 مايو 2018 .

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع