أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » كتاب برهان غليون بعنوان “عطب الذات .. مذكرات برهان غليون عن ضياع الثورة السورية

كتاب برهان غليون بعنوان “عطب الذات .. مذكرات برهان غليون عن ضياع الثورة السورية

 

يناول الضابط السوريّ في مطار دمشق البروفيسور الواصل للتو من فرنسا ورقة كُتب عليها “يراجع 253”. لا يفهم أستاذ علم الاجتماع السياسي المراد من هذه الورقة، فيسأل “شو هاد؟” يصيح الضابط غاضبا “اعطها لأي سائق تاكسي وسيوصلك”.

يمضي الأستاذ إلى موقف سيارات الأجرة، ويناول سائقا الورقة، ودون أي جواب تنطلق سيارة الأجرة في شوارع دمشق، قاصدة فرغ المخابرات رقم 253، يتوقف السائق ويشير إلى المبنى، يُخرج الأستاذ النقود لينقد السائق حقّه، فيرفض السائق أن يأخذ شيئا ويتمتم “روح، الله يفرّج عنك”. كان السائق يعرف أنه يوصل الأستاذ إلى حتفه، ولم يرد أن يطعم أولاده لقمة فيها رائحة الموت.

كنت أصغي بانتباه وحماس كبيرين للدكتور برهان غليون وهو يحكي لي إحدى قصصه مع مضايقات الأمن السوري كلما زار سوريا قبل الثورة. وكانت فاتحة الحديث الذي قادنا إلى هذه القصة الشائقة طلبي منه أن يحدثني عن تجربته في رئاسة المجلس الوطني في أول سنوات الثورة السورية، فاجأني الأستاذ بقوله إنه انتهى من كتابة شهادته عن تلك الفترة، وأنه جاء لإسطنبول بحثا عن ناشر.

سيصدر بعد أيام كتاب برهان غليون بعنوان “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011-2012″، في 528 صفحة، عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر. ويعرض فيه غليون بدايات الثورة السورية، وكيف تكون المجلس الوطني، والظروف التي أحاطت بقيامه وتفاصيل رئاسته، كأول رئيس للمجلس، ثم استقالته بعد ذلك، والأسباب التي أدت إلى الاستقالة.

يدخلنا برهان بكتابه هذا إلى المطبخ الثوري، ليرينا كيف كانت تصدر القرارات، ويكشف بصراحة بالغة ما كان يجري من مكائد وعداوات داخل الصف الثوري.

مذكرات

بنى برهان كتابه على قسمين رئيسين: القسم الأول يشبه المذكرات، حيث يسرد فيها مسيرته السياسية والأكاديمية، مرورا بتجربة ربيع دمشق (وهي فترة نشطت فيها المعارضة السورية عقب وفاة حافظ الأسد وتولي بشار السلطة)، التي يرى غليون أن ثورة مارس/آذار 2011 كانت امتدادا له، وانتهاء بقيام الثورة والسعي لإسقاط نظام الأسد وتجربة المجلس الوطني.

أما القسم الثاني فيخلع فيه غليون ربطة عنق السياسي، ويمسك بقلم الأستاذ، ليحلل ويشرح ما حصل للثورة السورية وتفاعل اللاعبين الخارجيين معها.

وسأسير بك في عرضي للكتاب سير المتعجّل الذي يريد أن يطلعك على لبّه دون أن يصرفك عن مطالعته.

بدا لي أن الأستاذ كان يكتب كتابه وهو يجزّ على أسنانه من الغيظ؛ فالمرارة والشعور بالخيبة هما الجو السائد في الجزء الأول من الكتاب.

وأنت متى قرأت الكتاب واطلعت على قصص الخلافات في المجلس الوطني الذي حمل الثوار لافتات تأييده في بدايته وحمّلوه آمالهم، لن يفوتك الشعور بالمرارة الحازّة؛ فقد صوّر برهان بشفافية عالية وصراحة مدهشة -ستكون لها عواقب عراكيّة عند صدور الكتاب- زعامات الثورة بمجموعة من قصار النظر، الذين يتقاتلون على كعكة الزعامة، ولمّا يخرجها الخبّاز.

لقد كان “عطب الذات” آفة الثورة السورية؛ التعطّش للمناصب، والنرجسية المفرطة، واللهث خلف المكاسب الذاتيّة والفئويّة، وغياب الإستراتيجية الجامعة والمشروع الوطني، وتقديم مصالح الأحزاب والجماعات على مصالح الثورة والشعب؛ ذلك هو عطب الذات الذي يحكي عنه برهان، مسميا الأشياء بأسمائها، ومشهّرا بكل من تمثّلت فيه تلكم الأعطاب، بالاسم والكنية.

وإن شئت تعبير الصحافة قلت: لقد فتح برهان النار على الجميع. لم ينشغل برهان بسردية التآمر الدولي على الثورة السورية، ولا قوة حلفاء النظام، وإنما كان يشير إلى الثوار أنفسهم. وإن شئت قلت إلى قاداتهم. إلى الإخوان المسلمين، وإلى جماعة إعلان دمشق، وإلى هيئة التنسيق، وإلى الضباط المنشقين، وإلى الفصائل المقاتلة، ولا أنسى العرعور الذي خصص له قسما مليئا. لقد استدار برهان في كتابه هذا ليواجه الثوّار، ويقول هزيمتنا منكم لا من عدونا.

منتقدون

بدأ المؤلف كتابه وأصوات منتقديه تطنّ في أذنه، فأخذ يقدم نفسه لقارئه بكشف نضاله في سنوات ربيع دمشق؛ فهو ليس مجرد “أستاذ سوربوني يحمل جوازا فرنسيا يقيه من الأذى”، لقد كان برهان مثقفا ملتزما تجاه وطنه وأهله بكل ما في هذا الوصف من مسؤولية.

لقد كان الأستاذ مناضلا بلسانه وقلمه، وأورد نفسه المخاطر، وفعل ما فعله المناضلون من رفاقه في ربيع دمشق ممن أودعوا السجون. فإن قلت لي كان معه جواز يحميه. قلت: إنما الشجاعة والنضال في التعرّض للمخاطر لا الوقوع فيها. فمتى تجاوزت كشف نضاله المسرود في الفصول الأولى فإنك لاقٍ قصة الثورة ومساعي برهان لتأسيس جبهة ناظمة تضم قوى الثورة وتمثلها.

انعقد المجلس الوطني تحت رئاسة برهان، ولكن انعقاده لم يعن أبدا وحدة بين أعضائه. فالإسلاميون -ممثلين في الإخوان- كانت عيوبهم تحول دون العمل المنتج معهم؛ فهم: عاجزون عن تجاوز محنتهم، وتغيب لديهم النظرة الوطنية، وينعدم إيمانهم بالعمل الجبهوي، كما أن ولاءهم لتركيا كان مزعجا، فقد أصروا على حضور ممثل تركي في أول جلسة انعقد فيها المجلس.

ولم يكن العلمانيون أحسن حالا -كما يقول غليون- فقد كانوا مصابين “بفوبيا” من الإسلاميين، كما كانوا متقاعسين ومتهرّبين من المسؤولية، ومنغمسين في الأقاويل الشخصية والمماحكات النظرية. “لم تكن النخبة العلمانية السورية أكثر ديموقراطية ولا أفضل تنظيما ولا أوسع مشاركة في الأعمال الميدانية ولا أوسع حضورا دوليا من منافسيها الإسلاميين، بالعكس، لقد كانت أكثر انغلاقا والأشد إقصائية وخصاما والأقوى غرورا، والأجبن سياسيا، والأبعد عن مخاطبة الجمهور، والتفاعل معه، والتفكير في مشاكله، ومشاركته همومه، والأقل حضورا دوليا”.

العسكريون

هذه كانت حال القوى السياسية كما يصفها غليون، أما القوى المسلحة فلم يفلح برهان في تطويعها وضمها تحت المجلس أبدا. ويرجع هذا لسببين رئيسيين: أولهما نظرة الازدراء لدى العسكريين تجاه السياسيين، فلم يكن لأي قائد عسكري أن يخضع لقيادة مدنيّة لغايات ديموقراطية بحتة، كيف وهم يرون أنفسهم أحق بالقيادة، كما تكشف تفاصيل الخلاف بين برهان غليون ورياض الأسعد.

وثانيهما، أن الجهات الداعمة لم تكن مضطرة إلى تقديم التمويل للمجلس الوطني ليعيد تقسيمه على الفصائل حسب ما يرى. فقد تمكن الداعمون من إيجاد قنوات مباشرة لدعم الفصائل المسلحة التي صارت تدين لهم بالولاء، وتضمن لهم نفوذا في الداخل السوري؛ وبهذا بقي المجلس الثوري بلا أنياب، وسط ثورة مسلحة.

في القسم الثاني أخذ برهان يقوّم ويحلل العوامل الخارجية والتفاعل الدولي مع الثورة السورية. ويتخذ من المسألة الشائكة التي قسمت صف الثوار الذي لم يكن متراصا أصلا، وهي دعوة التدخل الأجنبي، مدخلا للقسم الثاني.

وجد برهان نفسه محاصرا بين آلة القتل والدمار لدى النظام مصحوبة ببعض أصوات المعارضة التي تدعو للتدخل الخارجي، ومأزق الثقة والسيادة لدى مجلس وطني يطالب بتدخل قوات أجنبية لم تنمح ذكرى نماذجها القريبة الكارثية، لا سيما في العراق، زد على ذلك دعاية النظام القائمة على تشويه المعارضة ووصفها بالعمالة والتبعية للغرب.

وجد برهان مخرجه من هذا كلّه بالدعوة إلى “حماية المدنيين”، ووجد فيها حلا وسطا بين خيارين معقّدين، وآثر اعتماد هذا الشعار، فقد قدّر أنه لا وجود لأي علامات على استعداد غربي للتدخل، كما لم يسمح له حسه السياسي بأن يقدّم هديّة إلى النظام بتصديق حملته التشويهية للمعارضة، فآثر التوسّط بين هذين والرضا بشعار “حماية المدنيين”.

لقد بدا لي أن نظرة برهان للمواقف الخارجية نظرة واعية، ومحيطة بالتفاصيل، فهو حين يحكي عن موقف الأميركيين يصفه بدقة فيقول: لم تر الإدارة الأميركية في الثورة السورية سوى حرب شيعية سنيّة، وتنافس خليجيّ فارسيّ على النفوذ في المنطقة، ورأت أنه من المستحيل أن تنتج عنها ديموقراطية عربية، ومن ثمّ لم تكن للأميركيين أي مصلحة في التدخل.

أما الأوروبيون فقد كانوا يعانون من أمرين: أولهما غياب الطموح السياسي، والتركيز على الشؤون الإنسانية والاقتصادية. وثانيا ضعف الثقة بالنفس وانتظار مبادرات البيت الأبيض. أما الروس، فيرى البروفيسور أن تدخل روسيا في سوريا لم يكن لإستراتيجيات وتحقيق مصالح كانت تستطيع أن تضمنها لها المعارضة، وإنما كان لتسجيل موقف أمام الغرب والثأر لكبرياء موسكو التي طالما همّشها الغرب؛ وعليه فقد كان الروس يتصرفون على أساس انفعاليّ للحفاظ على كبريائهم، فلم يكن لينجح معهم الحديث العقلاني واستعراض مصالحهم التي يمكن أن توفرها لهم المعارضة.

وعي

ومع كل هذا الوضوح في تشخيص المواقف الغربية ودوافعها، كان يقرع ذهني سؤال: لماذا لم ينجح رئيس المجلس في تقديم أداء أفضل على المستوى الدولي للقضية مع وجود هذا الوعي السياسي؟ وكان يخيّل لي أن الجواب من أن وعي الأكاديمي مفارق لوعي السياسيّ؛ في أن الأخير قادر على الفعل وإن لم يتضح له الموقف كل الوضوح، والأول قد يكون أقوى في الفهم ولكن تقصّر به الموهبة في الفعل.

حين سئل ستيفن هوكينغ عن عدم كتابته سيرة حياته، أجاب بجواب طريف: “لا أريد أن أكتب سيرة حياتي حتى لا أصبح ملكيّة عامة”. لقد كتب البروفيسور المحترم طرفا من سيرته، وأصبحت ملكية عامة، وأنا أقدّم بهذا لمسألة قد حيّرتني في الكتاب؛ فالأستاذ على جرأته ونزاهته المعروفة قد خلت شهادته من أي مراجعة لرئيس المجلس الوطني السوري سابقا، فلا تجد في عرض الكتاب السمين، لفظة أخطأت أو ندمت أو تقديم تراجعات عن قرارات تبيّن له خطؤه فيها، مع صراحته وصرامته في ذكر أخطاء الآخرين، وهذا محيّر، ويقرب أن يكون أيضا عطبا في الذات.

 

عبد القدوس الهاشمي