أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » حسام : مقتطفات من المجموعة القصصية ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

حسام : مقتطفات من المجموعة القصصية ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

حسام

يحدّثنا حسام، فيقول:
“مضت أيام مرعبة، كنت فيها مرميا في زاوية غرفتي الصغيرة، كفأر خائف يلوذ في وكره، خوف هجوم مفاجيء. أصوات القصف في الخارج تقترب مني، أشعر أن الصاروخ يسقط في الغرفة المجاورة أو في المطبخ. ليس سهلا أن تحاصرك النيران في منزل يقع على خطوط التماس بين المتحاربين . قضيت وحيدا أياما سوداء، لا أستطيع الخروج ولا التحرك من مكاني، عشت على بقايا طعام بائت نفذ مع الوقت، رحت أبلل قطع الخبز اليابسة بالماء لأسدّ بها رمقي . تركت اهلي قبل فترة، بعد أن تصادمت معهم، وقررت ان اسكن وحدي واستقل عنهم.
أهلي، الذين لم ترق لهم أفكاري وطريقة حياتي، رفضي للأديان و
عدم التزامي بما يؤمنون كان مستفزاً لهم، هم عائلة محافظة جدا، اجتماعيا ودينياً. لذا، كان من الضروري أن استقل وأعيش فرديتي، بعد أن تشكّل وعيّ خارج التنميطات والأعراف الاجتماعية المألوفة.
كرهت الجوامع والكنائس، كنت ارى فيهم صورة السلطة القاسية والرقابة الدائمة على الناس، رفضت الاحزاب التي لا تتقبل النّقد، ابتعدت عن الأسرة التي تحدّ من الطموح، تمردت على كل شيء وسخرت من كل شيء، كل ما أردته أن أعيش بسلام وأمان بعيداً عن المراقبة والمحاسبة.
سبع سنوات قضيتها في الجامعة الحكومية، متنقلاً من فرع إلى آخر، كي لا التحق بالجيش.هذه المؤسسة التي لا تمثل لي حماية الوطن بقدر ما هي في خدمة أشخاص وقامعة لشعبها، فضلاً عن كل ما سبق ، أكره العنف والقتل والسجن والقسوة. اعيش لحظات الصفاء في سماع الموسيقى والعزف على آلات الإيقاع التي أبرع بها. الموسيقى عالمي، معها أحيا من دون شروط بعيدا عن الضوابط، عالم من الحرية، لا تستلزم أي جهد للحصول عليها، سوى العودة إلى الذات.
الهدنة القصيرة بين الجيش ومسلحي المعارضة، كانت فرصة لي كي اتفقد خلالها أهلي في الحي المجاور، وأطمئن عنهم. مشيت بين الأنقاض، رأيت جثث مدنيين ومقاتلين، مبان مهدمة، وجدران ثقبتها قذائف وصواريخ، كان مشهد الخراب كبيرا، أشعرني بالرعب، وكأن الهدنة أمر مقصود في الحروب، لُتذكر الضحايا أمثالنا بمأساتهم بشكل دائم.
وصلت المنزل، وجدت والدي واخوتي في وضعٍ سيئ للغاية، لا ماء، لا كهرباء، ولا غاز، ورغم ذلك رفضوا المغادرة بشدة”، قالوا: “نريد أن نموت في بيتنا”. حاجتهم الماسة لجرة غاز يستخدمونها لتسخين الماء، دفعتني للعودة إلى بيتي لأجلب لهم الجرة الموجودة هناك. خرجت مسرعا محاولاً استغلال الوقت قبل انهيار الهدنة. وعندما وصلت عرفت أنها المرة الأخيرة التي سأكون هنا، فوقْفُ إطلاق النار لن يتكرر، وعلي أن أغادر نهائيا كون بيتي اصبح عرضة لخطر القنص، نظرت إلى المكان الذي احتضنَ خصوصيتي وفرديتي نظرة أخيرة، كان عليّ أن أختار بين آلاتي الموسيقية و بين جرة الغاز! أيهما احمل؟ وبلا تردّد حملت جرة الغاز.
في الحروب تتغير الأولويات وتصبح علاقتنا مع أشيائنا الخاصة عبئاً يصعب تحمّله.
ما إن وضعت قدمي خارج المبنى، حتى انهارت الهدنة وعاد القصف أقوى مما سبق. لابدّ من المغامرة لانقاذ عائلتي، ركضت كالريح بين الزواريب الضيقة، محتمياً ببقايا الجدران المتساقطة، كان الخطر مضاعفاً، فإن حدث وأصيبت جرة الغاز ستنفجر بي. اخيرا وصلت، كان وجهي أبيض كوجوه الموتى، ألهث وأرتجف خوفاً، رميت نفسي في حضن أمي وبكيت بشدة.
تجربة الاعتقال لم تكن أسهل من تلك التي عشتها بين القذائف، حيث داهم الأمن العسكري التابع للنظام بيتنا واقتادوني إلى السجن. التهمة كانت، اقتناء “كاميرا” والتصوير بها، وكذلك التعاطف مع الثورة والإخلال بالأمن. ستة عشر يوماً وجسدي يتعرض لكل أنواع التعذيب، كنت أصرخ من الألم كمن يودع حياته، صفعوني و جلدوني وشتموا أهلي وعائلتي، إذلال متواصل لم يتوقف إلا حين تظاهرت بالخبل، وخاصة أن شكلي بالنسبة اليهم يوحي بذلك، شعر طويل حتى منتصف ظهري، ذقن متروكة على هواها. يضربونني فأكتم وجعي، أو اصدر اصواتا غريبة، يسألونني فلا أجيب، يأمرونني فلا أتحرك، بدوت لهم مخبولا لا يستحق الاهتمام، خاصة بعد أن أطلعوا على جهاز الكومبيوتر الخاص بي، فلم يجدوا شيئا يستحق الاهتمام، سوى موسيقى على انواعها وصور غريبة. فأطلقوا سراحي.
كانت تجربة قاسية دخلتُ بعدها في حالة صمت، أجلس وحيداً أوقاتا طويلة، كنت خلالها أبكي، ثم أحاول أن أرمم ما انكسر في داخلي.
المأساة لم تتوقف، تكررت بعد سيطرة الفصائل الإسلامية المسلحة على الحي الذي يقع فيه منزلنا، لم يعجبهم انزوائي ورفضي حمل السلاح معهم، وانني لا التزم الأحكام الشرعية التي ارادوا تطبيقها. تعاملوا معي ككافر وجب تأديبه، ولو لم يتدخل أهلي المتدينون باللعب على مشاعرهم، اضافة الى دفع الأموال كتبرعات لهم لكنت الان مذبوحا مرميا في حفرة مجهولة. الوقت الذي قضيته في سجونهم لم يكن اقل مرارة من تلك التي مررت بها في سجون النظام.
تجربة الاعتقال الثانية دفعتني إلى اتخاذ قرار مغادرة البلاد نهائياً. حصلت على أذن بالخروج بحجة المشاركة في ندوة عن الإعلام الإلكتروني في بيروت. المسافة بين مدينتي والعاصمة اللبنانية كانت طويلة جداً بسبب كثرة الحواجز، ستة عشر حاجزا لتنظيم داعش والنصرة والجيش الحر ومثلهم للنظام. عشرون ساعة قضيتهم مصلوباً على كرسي في سيارة أجرة، استرجع ذاكرتي وكل ما حصل معي، محاولاً التكهن بما ينتظرني في بيروت، التي لم يتح لي فرصة اختبار العيش فيها. لم استطع البقاء بسبب وضعي المادي السيئ والغلاء الشديد في بيروت دفعاني للعودة إلى سوريا، لكن هذه المرة إلى دمشق وليس الى مدينتي.
رجعت إلى سوريا وفي جيبي أربعمئة دولار فقط. استأجرت غرفة صغيرة. عشت فيها عشرة شهور، حاولت خلالها إعادة ترتيب حياتي،انتسبت مجددا الى الجامعة هربا من الالتحاق بالجيش ومواجهة الموت، بعدها أخرجت فيلمي الأول، مدته أربع دقائق، تناول الوضع السوري، ومن ثم عرض لاحقاً في بلدٍ أوروبي.
استطعت في تلك الفترة أن أجمع مبلغاً من المال،تحسبا لما سيأتي، وخوفاً من حصول أي طارئ يقلب حياتي، وهو ما حصل بالفعل، حيث تعرضت لمداهمة عنيفة من الأمن العسكري. دخلوا عليّ وأنا أشرب الكحول (العرق) في شهر رمضان، فهمت حينها ان القصد ترهيبي لإعطائهم رشوة مالية تنجيني من الاعتقال. فعلاً، أعطيت لكل عنصر منهم ألف ليرة سورية. فغادروا وتركوني أجفف رعبي.
عاد هاجس المغادرة يلوح لي، كيف يمكن أن أبقى في مكان مُعرّض فيه للاعتقال بشكل دائم، إما بسبب موقف سياسي، أو رفضاً لفرض الشريعة، وأحياناً للتسلية والحصول على الرشوة. وجدت نفسي محاصراً بعد فترة صفاء مؤقتة. عدت مجدداً إلى بيروت ولكن بقرار نهائي هذه المرة.
وصلت لبنان، وفي حوزتي، ثمانون ألف ليرة سورية، كنت أظن أن هذا المبلغ، سيكفيني لوقت لابأس به، لكن الصدمة كانت أنني بحاجة إلى مبلغ ألف ليرة سورية كل يوم للسرفيس فقط ذهاباً ومثلها للإياب. عدّ المبلغ بات هاجسي، راح يتناقص تدريجياً حتى نفذ، وأصبحت بحاجة الى المساعدة.
قصدت أصدقائي اللبنانيين، والتقيت بأحدهم وكان عازفا ومؤلفا موسيقيا، أخبرته عن وضعي، وما حصل معي، خلال تنقلاتي وهربي من الجيش والاعتقال، طلبت منه آلة كاخون (الة ايقاع) كي أعزف وأكسب قوتي اليومي منها. وهذا ماحصل، ساعدني وقدم لي “كاخوناً” قديماً قمت بإصلاحه.
بداية كنت أقصد بيوت الأصدقاء، وأعزف لهم بقصد التسلية وكي أتعرف الى الناس، أوسّع علاقتي بهم كي تساعدني في الحصول على عمل. ولم يطل الوقت كثيراً حتى عرض عليّ المشاركة في مهرجان موسيقي في قاعة كبيرة وسط بيروت، (البيال). تقاضيت منها مبلغ ١٥٠ دولاراً وكانت فرحتي لا توصف. عندها، نقلت سكني من منطقة الدورة شرق بيروت، إلى منطقة الحمرا غرب بيروت بحيث صرت أقتصد أجرة السرفيس، واتنقل في مشاويري سيراً على الأقدام، وأتناول منقوشة واحدة في النهار، مقابل الف ليرة لبنانية فقط من عند فرن الغلاييني وهو أرخص الأفران ثمنا في الاحياء البيروتية.
وهكذا كرّت سُبحة العمل، شاركت في مسرحية على خشبة مسرح المدينة بعنوان “مبسوط أنني ميت”، وأيضاً في حفلات موسيقية على خشبة مسرح “بابل”. خلال سنة شاركت في ١٢٠ حفلٍ موسيقي. صار باستطاعتي تأمين بدل إيجار الغرفة وحدي بعد ان كنت أتقاسمها مع شاب آخر.
اللبنانيون ساعدوني كثيراً خلال هذه الفترة، لم يتعاملوا معي بعنصرية، بل أشركوني في أعمال موسيقية عديدة، صرت أعزف مع فرقة “قمح” اللبنانية، حفلة كل أسبوع، وأتقاضى مبلغ مئة ألف ليرة لبنانية عن كل حفلة.
حب بيروت تسلل إلى داخلي، منحتني هذه المدينة فرح الحياة واماناً كنت افتقده، شعرت بالاستقرار واعتمدت على نفسي، اعمل بفرح واجمع مالاً كي احضر حبيبتي التي لا تزال في سوريا، وأحاول جاهداً إخراجها من هناك والارتباط بها خلافاً لرغبة أهلي الذين يرفضون زواجي بفتاة من غير طائفتي.
اشتاق الى كل شيء في سوريا، أمي، أبي، بيتي، مدينتي، وأحلم بعودة مختلفة، زائراً لا يخاف.

 

جميلة حسين ـ Jamila Hussein
حائزة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها
– شاعرة وكاتبة وأستاذة جامعية ـ عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين