أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » سوري في لبنان: الطريق من درعا إلى بيروت / قتيبة الحاج علي

سوري في لبنان: الطريق من درعا إلى بيروت / قتيبة الحاج علي

ستة أشهر، ربما أكثر قليلًا. في الواقع توقفت عن عدّ الأيام التي مضت على سقوط درعا بيد ميليشيات النظام منذ زمن. هي “سقطت” بمعنى الكلمة. لم أجد مصطلحاً آخر لتوصيف الكابوس الذي عشناه منتصف العام الماضي، حين تلاشى كل شيء من تاريخ الثورة وحاضرها في درعا، ودُمرت كل الأحلام التي كنا نأمل بتحقيقها في المستقبل. فجأة، أصبحنا أمام خيارين، كان أحلاهما أشد مرارة من الآخر، إما أن تصعد إلى الحافلات المتوجهة إلى شمال سوريا، وتصبح رقمًا جديدًا في قوائم المهجرّين، أو أن تبقى تحت سلطة النظام الذي حاربته لسنوات.

مجاورة الموت
كنت أقلب شريط الذكريات بشكل عشوائي. كيف سأضحي بكل شيء، وكيف سأرمي مدينتي ومنزلي وأهلي خلف ظهري، وأغادر. أغادر، هكذا ببساطة، وأنا مدرّك تمامًا أنني لن أعود إلى هذه الأرض، التي تشبثتُ بترابتها حتى آخر رمق، أبدًا. أم هو الخيار الآخر، أن أقف أمام النظام طالبًا منه “العفو”. يريدون أن أقف أمام المجرم، الذي قتل خالي وابنيّ عمي والعشرات من أهلي وأصدقائي، وأن أطلب منه “التسوية”، من أجل أن أعود خاضعاً لسلطانه.

مُنحنا بضع ساعات من أجل التفكير والاختيار. كانت الأفكار تزدحم في رأسي بلا معنى. أنا أقرب إلى أفواج المغادرين إلى المجهول في إدلب، منه إلى المخاطرين بالبقاء في المجهول نفسه في درعا. لا أملك أدنى ثقة بالنظام. ولم تكن فكرة الاعتقال تغادر مخيلتي، وأنا الذي عايشته مرتين من قبل. كدت أن أحسم أمري، بل إنني بدأت التجهيز فعلًا للمغادرة، حتى قاطعني أبي، الذي اقترب من السبعين من عمره، حاسمًا قراره: “سأبقى وأمك لنُدفن هنا”. من عبثية الموقف، كان الموت، الذي اعتدناه مرافقنا اليومي منذ سنوات، الفكرة الوحيدة التي لم تأتِ على رأسي بين كل تلك الأفكار.

شعرت حينها أن أبي، الذي عهدته يتقن اختيار عباراته جيدًا، يطلب مني البقاء. لا لشيء إلا من أجل أن أدفنه عندما يموت. كنت آخر من تبقى من إخوتي، الذين هاجروا إلى خارج سوريا منذ سنوات عديدة. الآن، أدركت أن درعا ليست وحدها من سقطت، نحن سقطنا. وباتت أقصى أحلامنا أن نجد من أهلنا من يدفننا بعد الموت.

خطيئة الإعلامي
إذًا هو خيار البقاء، المغامرة بكل شيء، من أجل أن نَدفن ونُدفن في أرضنا فقط. ودّعت من اختار الخروج، وبدأت أجهز نفسي لحياة جديدة، يجب أن أعتاد فيها رؤية جند الأسد وصوره وأعلامه في كل مكان، وفي كل تفاصيل الحياة اليومية.

كانت حياة تشبه كلّ شيء إلا الحياة. كل ما يحيط بك يتغير بسرعة، حتى أولئك الذين ظننت للحظة أنهم جزء من الثورة، هم يبحثون عن مكان “آمن” في جيش النظام، الذي حاربوه لسنوات. كانت الفكرة الوحيدة التي سيطرت عليّ في تلك الفترة، أنني أريد الاستمرار في العمل الذي آمنت به. لكن من دون أن أعرض نفسي قبل أي أحد للخطر. فأن تكون إعلاميًا داخل مناطق النظام، وبين ظهراني عناصره، فأنت “تقامر” بنفسك وأهلك أجمعين.

للحظة، يكاد العمل الإعلامي أن يسرقك من نفسك. الحصول على معلومة تدفعك نحو الأخرى. الشغف في ضرب النظام بالتسريبات من داخله، كان يستهويني لفترة، حتى غاب عنّي المكان والزمان، خطأ واحد كان كافيًا لإفساد كل شيء. ارتكبت هذا الخطأ، وبدأتْ من بعدها الملاحقة الأمنية.

لم يفصل بيني وبين الاعتقال الثالث إلا بضع دقائق، عندما غادرت المنزل ليداهمونه بعدها، بحثًا عني وعن هاتفي وحاسوبي الشخصي. كنت قد توجهت إلى درعا البلد متخفيًا، هناك حيث لا تستطيع يد النظام أن تطالك.

بورصة التهريب
بدأت البحث عن طريق للنجاة. كانت عمليات التهريب إلى شمال سوريا تتم على نحو شبه يومي. ضباط النظام مستعدون لنقل “أبو بكر البغدادي” نفسه من مكان إلى آخر، مقابل الحصول على المال. كنت أراقب الخارجين إلى إدلب واطمئن إلى وصولهم. الطريق بين السالك حينًا والمقطوع أحيانًا، مخيف ومتعب جدًا، أنت عرضة لأن تكون “بازارًا” على أحد الحواجز، إن طمع بك أحدهم ودفع للمهرب أكثر مما دفعت أنت.

تزايدت عمليات الاعتقال بحق “الهاربين”، بدأ الطريق إلى إدلب يتحول إلى كابوس، أصبح مجتمع “المُهَرِّبُين” أقرب للبورصة وسوق التنافس و”المكاسرة”.. في الأسعار والأرواح. وكنت مستعداً لدفع ثمن هذه الرحلة بكل مخاطرها. فالبقاء في درعا سيعرض عائلتي قبل أن يعرضني شخصيًا للخطر. إلى أن رمى أحدهم على أذني بكلمة “لبنان”. الطرق إلى هناك ميسرة، بل إن “سوق التهريب إلى لبنان” لا يشهد ذات التنافس الذي يشهده “سوق إدلب”. فكل الطرق تجتمع عند “حزب الله” الذي يُشرف عليها جميعها.

في البداية لم ترق لي الفكرة على الإطلاق، أنا لم “أهرب” من ملاحقة النظام في درعا لأذهب إلى أحضان وكيله في لبنان. خطاب المسؤولين اللبنانيين “رافض للاجئين”. الحصول على إقامة قانونية وفرصة للعمل في لبنان تكاد تكون مستحيلة، حتى السفر إلى خارج لبنان لن يكون بهذه السهولة.

لائحة الأسعار
دفعتني قلّة الحيلة، وربما فضولي كإعلامي، إلى الاستفسار عن تلك الطرق التي يتحدثون عنها. قام أحد الأصدقاء، ممن أثق بهم، بإيصالي بشخص ليتولى اطلاعي على لائحة الأسعار والامتيازات، كنت أشبه بمن يبحث عن تذكرة للطيران، ويفاضل بين الأسعار والتواريخ والخدمات، التي سيحصل عليها على متن الطائرة.

الأسعار من القلمون الغربي تختلف عن وادي خالد، وتختلف عن الديماس وعن غيرها. يمكنك استخدام السيارة في كامل المسافة أو في بعض منها، أو عليك المشي لساعات. لكل طريق سعره و”رفاهيته” التي تختلف عن الآخر، تهريب الطفل بنصف مبلغ تهريب البالغ، شعرت للحظة أنه سيمنحني “كوبون” للتخفيضات، قبل أن تنتهي هذه المكالمة، التي لم ترق لي أبدًا، بالسؤال: “هل تريد أن نقلّك من درعا أم دمشق؟ إذا أردت أن نقلّك من درعا عليك دفع مبلغ إضافي”، سألته ساخرًا: “وهل تقدمون خدماتكم في درعا أيضًا؟”، ليجيب بثقة: “من جميع أنحاء سوريا”.

انهيت الاتصال، وعدت مباشرة إلى صديقي، الذي أوصلني بهذا الشخص. كنت أود التأكد أنني لست أمام مجنون أو عميل بالغ الغباء، يكشف أسراره بهذه البساطة. لكن صديقي أكّد ليّ بأن ما سمعته كان حقيقيًا، ولست أول الخارجين، وبالتأكيد لن أكون الأخير.

بداية الرحلة
قررت عدم التفكير بالأمر، ليس رفضه، بل الموافقة من دون أي تفكير، لأنني كنت متأكدًا أن التفكير بالتفاصيل، سيُدخلني في دوامة من الشك، ستدفعني إلى الرفض حتمًا. كانت الطرق إلى إدلب تُغلق الواحد تلو الآخر. البقاء في درعا لفترة أطول سيغري النظام بالتعرض لأهلي أكثر. أبلغت المهرب بالموافقة، واشترطت عليه أن تبدأ عملية التهريب من درعا، طلب مبلغًا ضخمًا. كان تقريبًا كل ما أملك من مدخرات. وافقت من دون تردد. إن تعرضت للاعتقال ربما كنت سأدفع أضعافه لأرى الشمس من جديد.

أجريت بعض الاتصالات بعدد من الأصدقاء، الذين أعرفهم في لبنان. لم أكن أفصح عن نيتي الذهاب إلى هناك، كنت أبرر أسئلتي الكثيرة بـ”حشريتي المعتادة”. وصلت إلى نتيجة أن بيروت هي المكان الأفضل للإقامة مؤقتًا، لأسباب عديدة، اكتشفت لاحقًا أنها أكثر تعقيدًا مما ظننت.

أودعت المبلغ لدى أحد الوسطاء الذين تم تحديدهم. أتت السيارة إلى نقطة قريبة من درعا البلد، في الوقت المتفق عليه. بدأت رحلتي من درعا إلى بيروت.(يتبع..)

al modon



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع