أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » مسلسل عن الحلاج يثير حفيظة السلقيين : تمجيد شخصية يعتبرونها “مرتدّة عن الإسلام”.

مسلسل عن الحلاج يثير حفيظة السلقيين : تمجيد شخصية يعتبرونها “مرتدّة عن الإسلام”.

قبل فترة، أعلنت “قناة أبوظبي” الإماراتية إنتاج مسلسل جديد عن الحلاج الذي يُعَدّ أحد أشهر أقطاب الصوفية المسلمين، ما أثار حفيظة السلفيين الذين انتقدوا تمجيد شخصية يعتبرونها “مرتدّة عن الإسلام”.

الحسين بن منصور الحلاج متصوّف وشاعر فارسي الأصل، وُلد في منتصف القرن الثالث الهجري، ونشأ في العراق، وقُتل سنة 309 هجرية بتهمة ادّعاء الأولوهية، وكانت طريقة قتله عنيفة إذ جُلد ثم صلب ثم قطعت يده وقدمه ورأسه قبل أن تُحرَق جثته.

وبحسب موقع “السينما.كوم” المتخصص في المسلسلات والأفلام، سيتناول المسلسل المذكور سيرة الحلاج في إطار تاريخي تخيّلي، وتبدأ الحكاية عام 265 هجرية، في عصر الخلافة العباسية، وتروي ما شهدته تلك الفترة من اضطراب في تداول السلطة.

وبما أن المسلسل سيُعرَض في رمضان المقبل، تسبب الأمر في موجة غضب كبيرة داخل الأوساط السلفية، تحديداً تلك التي ترفض رفضاً باتاً تقديم سيرة هذا القطب الصوفي.
“مدّعي الإلوهية”

عن أسباب الرفض السلفي لعرض مسلسل عن الحلاج، قال الداعية السلفي المصري سامح عبد الحميد حمودة لرصيف22: “الحلاج قُتل بعدما ارتدّ عن الإسلام وأشاع الفساد في الأرض بسبب ما نُقل عنه من الكفر والزندقة كادّعاء أنه الله، ولما ذهبوا به إلى القتل قال لأصحابه ‘لا يهولنّكم هذا، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً’ لكنّه قُتل ولم يَعُدْ”.

وأضاف أن “الحلاج تعلّم السحر في الهند، وكانت له حِيَل شيطانية يجذب بها جهلة الناس ويستميلهم ليظنوا أنه من أولياء الله الصالحين، وادّعى النبوة أيضاً، ثم زعم أنه هو الله، فكان يقول صراحة: ‘أنا الله’، ويقول بالحلول والاتحاد أي أن الله تعالى حَلَّ فيه واتّحد مع جسده، وصار هو والله شيئاً واحداً. هذا كله جعل عقلاء الصوفية يتبرأون منه ويرفضون أن يكون منهم، وقد ذمّه الجنيد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته التي ذكر فيها كثيراً من مشايخ الصوفية، وأظهر ابن كثير سروره بمقتل الحلاج الزنديق ومدح القاضي الذي حكم بقتله، وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية كفر الحلاج وكُفّر مَن اعتقد بما كان يعتقده من الضلالات التي قُتل بسببها”.

واختتم حمودة حديثه مطالباً شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب بالتدخل لمنع عرض المسلسل، قائلاً: “وجب على كل مسلم غيور على دينه أن يرفض تزييف التاريخ الإسلامي وإظهار الحلاج بمظهر المسلم، وعلى الإعلام أن يُظهر حقيقة الحلاج وما فيها من كفر وردة وزندقه”.
أفكار الحلاج وحقيقته

ينفي الباحث الصوفي عمر الشريف ما ذكره الداعية السلفي في حديثه عن الحلاج، ويؤكد لرصيف22 أنه لم يزعم أنه الله ولم يؤمن بحلول الله فيه.

وأحال الشريف على درس سابق لمفتي مصر الأسبق الشيخ علي جمعة، أكد فيه أن الحلاج كان صوفياً ولم يكن مبتدعاً أو كافراً، ولكنه لم يستطع أن يُعبّر تعبيراً صحيحاً بالألفاظ عمّا جال في نفسه وخاطره.

وفسر الباحث الصوفي ما قاله الحلاج وكان سبباً في تكفيره وهو مقولته “ما في الجبة إلا الله” بأن “الحلاج شعر أنه لا شيء وأن الله كل شيء، فقال مقولته وأرفقها بقوله إنه ليس قائماً بذاته بينما الله قائم به، أي أنه هو مَن يحرّكه. ولكن فُهم خطأ بأنه يزعم أنه الله، وعلى هذا الأساس تم تكفيره ومن ثم الحكم بقتله على الرغم من أنه نفى كل التهم التي وُجّهت إليه وقال نصاً ‘إن مَن ظن أن الألوهية تمتزج بالبشرية فقد كفر’، وقال أيضاً ‘إن معرفة الله هي توحيده، وتوحيده تميّزه عن خلقه، وكل ما تصوَّر في الأوهام فهو تعالى بخلافه’”.

وفي آخر أشعاره قبل صلبه، كانت الأبيات التالية التي تنفي التهم المنسوبة إليه، إذ قال: نحن بشواهدك نلوذ/ وبِسَنا عِزَّتكَ نستضيء/ لِتُبدى لنا ما شئت من شأنك/ وأنت الذي في السماء عرشك/ وأنت الذي في السماء إله/ وفي الأرض إله/ تجلّى كما تشاء/ مثل تجليك في مشيئتك كأحسن صورة/ والصورة/ هي الروح الناطقة/ الذي أفردته بالعلم (والبيان) والقدرة/ وهولاء عبادك/ قد اجتمعوا لقتلى تعصُباً لدينك/ وتقرباً إليك/ فاغفر لهم/ فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي/ لما فعلوا ما فعلوا/ ولو سترت عني ما سترت عنهم/ لما لقيت ما لقيت/ فلك التقدير في ما تفعل/ ولك التقدير في ما تريد”.

وأوضح الشريف ملامح فكر الحلاج الحقيقية بعيداً عمّا أسماه بـ”محاولات التشويه”، وقال: “الحلاج هو القائل عن المريد الصادق ‘هو الرامي بقصده إلى الله عز وجل، فلا يعرج حتى يصل’، وهذه إجابة توضح لنا فكر الحلاج ومنهجه، القائم على فكرة إنكار الذات وتسخير كل ملكاته العقلية والروحية لتحقيق هدفه”.

وأضاف أن الحلاج “كان يحس في أعماقه تلهفاً لمعرفة أرق وأدق مما يقرأه في صفحات الكتب، معرفة تمنحه المعراج الذي تصعد عليه روحه إلى هداه، وتقوم فلسفة الحلاج على أن كل ما تقع عليه العين من طبيعة جميلة، دليل على تجلّي الحق في كل ما يشاهده الإنسان”.

وتابع: “كان الحلاج يرى ظلم الحكام وتكالبهم على الدنيا، واستطاع أن يُدخل في قلوب مريديه مفهوماً اجتماعياً يُعنى بإصلاح المجتمع، ما جعل الحكام يرون فيه خطراً على سلطانهم وخاصة بعد أن كثر أتباعه ومريدوه والتفّت حوله في حياته أكبر مجموعة صوفية في تاريخ القرن الثالث الهجري، إذ يقول ابن كثير ‘كان يلازمه في سفره الشاق الطويل أكثر من أربعمئة من صفوة المريدين السالكين’”.

وعن مكانة الحلاج عند الصوفية، أفاد الشريف بأنه “بالنسبة إليهم هو حلاج الأسرار و شهيد العشق الإلهي وشهيد التصوّف،كما أنه بطل ملحمة الخلود الكبرى، ومشكلته الكبرى هي ضعف قدرته على التعبير عمّا يجول في خاطره من خواطر قلبية وروحية، ولذلك كان أكثر فلاسفة الصوفية إثارة للجدل، وللأسف حتى وقتنا الحاضر لم يحظَ بأي إنصاف حقيقي”.
“صديق إبليس”

يرفض الداعية السلفي المصري ناصر رضوان، هو الآخر، فكرة إنتاج مسلسل عن الحلاج باعتباره “زنديقاً وليس عالماً إسلامياً كما يردد البعض”.

ويقول لرصيف22 إن “الحلاج من الشخصيات المنحرفة التي لا تستحق الاهتمام، وإنتاج مسلسل عنه يعني تمجيداً لانحرافه… كان يقول: ‘أنا الله’، وأمر زوجة ابنه بالسجود له، فقد كان يؤمن بالحلول والاتحاد أي أن الله تعالى قد حَلَّ فيه، وصار هو والله شيئاً واحداً”.

ويضيف: “من ضمن انحرافات الحلاج أيضاً أنه سمع قارئاً يقرأ آية من القرآن، فقال أنا أقدر أن أؤلف مثل هذا، هذا بخلاف اعترافه في كتابه ‘الطواسين’ بأن إبليس هو أستاذه إذ قال نصاً: ‘فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم عن دعواه ولم يضر بالواسطة البتة ولم يضر بالوسائط ولكن قال آمنت أن لا إله إلا الذي آمن به بنو إسرائيل’، هذا بجانب تقديمه إبليس على الرسول صلى الله عليه وسلم في نفس الكتاب”.

وعند سؤاله عن مصادره لقول ما قاله عن لحلاج، أشار رضوان إلى أن كل ما ذكره جاء على لسان مصاحبين للحلاج ومنهم القطب الصوفي عمرو بن عثمان المكي الذي نقل عن الحلاج ذكره أنه يستطيع تأليف آيات قرآنية بنفسه، أثناء مرورهم سوياً على شخص يقرأ القرآن بصوت مرتفع، هذا بالإضافة إلى الشيخ عبد القاهر البغدادي الذي كان في حقبة قريبة من عهد الحلاج وعاصر بعض تلامذته، وذكرهم في كتابه “الفرق في الفرق” من ضمن الفرق الحلولية الخارجة عن فرق الإسلام، كما ذكره ابن كثير في “البداية والنهاية”.

ولكن الباحث في شؤون الفرق الصوفية عمرو رشدي يعتبر أنه تم تشويه سيرة الحلاج وما جاء على لسانه، ونفى ما يُشاع عن كفره جملة وتفصيلاً، مستدلاً على ذلك بأن أقطاب الصوفية جميعهم تحدثوا عن الحلاج وأقواله في كتبهم إلا أنهم أكدوا أن البعض أساء تفسير كلامه ليبرروا الهجوم عليه والإساءة له.

وقال رشدي لرصيف22 إن من أشهر مَن تناول سيرة الحلاج محيي الدين بن عربي في كتابه “الفتوحات المكية” وقد ذكر أقواله وبعض كراماته ومنها أن باب بيته كان يضيق كلّما حاول الحراس دخوله للقبض عليه لصلبه حتى خرج هو بنفسه ليلقى مصيره. كما جاءت سيرته وأقواله أيضاً في كتاب الفهرست لابن النديم.

وأشار إلى أن بعض العلماء ردّ على التفسير الخاطئ لأقوال الحلاج ومنهم الإمام فخر الدين الرازي الذي نفى عنه زعمه أن الله حلّ فيه أو اتحد معه وطرح خمسة تأويلات شهيرة لقوله “أنا الحق”، ما يعني أنه قالها فعلاً ولكن أسيء تفسير قصده كما أسيء فهم الكثير من أبيات شعره.
أنشودة حب الرسول

بدوره، نفى القيادي الصوفي والباحث في الشؤون الصوفية مصطفى زايد تهم ادّعاء الحلاج النبوة أو الإساءة إلى الرسول مستدلاً على كلامه بالشعر الذي كتبه الحلاج في الرسول، “ذلك الشعر الذي أصبح أنشودة صوفية تُغنّى في كل مولد صوفي منذ قرون وحتى الآن، وهي قصيدة ‘والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي’ الموجودة في كتابه ‘الطواسين’ الذي ألفه في سجنه”.

وعن سر كره السلفيين له، يقول زايد لرصيف22: “السلفيون يكرهون كل ما هو صوفي ويصطنعون الأسباب لتبرير هذا الكره وجعله كرهاً عاماً ينتشر في المجتمع”.
انتقاد الإمارات

لم يكتفِ كثيرون من السلفيين بالهجوم على المسلسل بل أن بعضهم هاجم الإمارات العربية المتحدة لإنتاجها مثل هذا العمل، ومن ضمن هؤلاء، الشيخ حسين مطاوع، الداعية السلفي المصري، الذي قال لرصيف22: “الإمارات يغلب عليها الغلو في التصوف لأنهم يظنون في التصوف الوسطية والتسامح، وعمل كهذا لم تسبقهم فيه أيّة دولة ممن ينتشر فيها التصوف خاصة مصر، وهذا أمر خطير وأرى أنه من الواجب عدم الخوض فيه وخاصة مع شخصية مثل الحلاج الذي أرى أن إنتاج مسلسل عنه إفساد للشباب”.

من جانبه، يتساءل الداعية ناصر رضوان: “هل خلت الأمة على مدار تاريخها من العلماء والأدباء والمصلحين لنتركهم ونمجّد مثل هذه الشخصيات المنحرفة؟”، ويضيف: “أرى أن اختيار هذه الشخصية بالذات ليست بحسن نية بل وراؤها مَن يريد محاربة الإسلام بتمجيد المنحرفين عن الإسلام”.

في المقابل، يعتبر الباحث في العلاقات الدولية ومدير “مركز سلمان زايد لدراسات الشرق الأوسط” هشام البقلي أنه من غير المنطقي الهجوم على المسلسل أو تفسير سبب إنتاجه قبل مشاهدته، مضيفاً لرصيف22 أنه حتى الآن لم يتم التعرف عن كيفية تناول شخصية الحلاج في هذا العمل التاريخي.

ويشير البقلي إلى أن “الإمارات تتمسك بنموذج الإسلام المعتدل والمتسامح الذي يقدّم كل الآراء ويقبل كل الاختلافات بين الأديان، وبين الفرق المختلفة في الدين الإسلامي نفسه، بدليل الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس هذا العام والتي كانت الأولى من نوعها إلى شبه الجزيرة العربية، وبدليل بناء الإمارات أكبر كنيسة للأرثوذوكس في الشرق الأوسط في يناير 2018، وبنائها معبداً هندوسياً على أرضها في فبراير 2018”.

المصدر: رصيف 22