أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » فيرونيكا تقرر أن تموت: عمل كلاسيكي آخر للأديب البرازيلي باولو كويلو

فيرونيكا تقرر أن تموت: عمل كلاسيكي آخر للأديب البرازيلي باولو كويلو

يحكى أنه في سالف العصر والأوان، أن ساحراً أراد الانتقام من أحد الملوك فدس فى بئر المدينة جرعة سحرية بحيث بات كل من يشرب من هذا البئر يجن. وقد شرب كل سكان المدينة من البئر فجنوا، وباتوا يرون القرارات والتشريعات التي يصدرها الملك جنوناً، فتوجهوا إلى القصر مطالبين بعزله. يئس الملك وقرر التنازل عن العرش، إلا أن زوجته الملكة اقترحت عليه أن يشربوا من بئر المدينة فيصبحوا مثل سكانها. وهكذا فعل الملك، فرأى الناس في قراراته كل الحكمة وتراجعوا عن المطالبة بعزله، وبقي الملك المجنون على عرش المملكة حتى مات!

واضح طبعاً أن عنوان المقال يشير إلى رواية الكاتب البرازيلي الشهير “باولو كويلو”: فيرونكا تقرر أن تموت. وفي الحقيقة أغلب كتابات (كويلو) يمكن تلخيصها في معنى واحد وهو البحث عن الذات. وأكثر ما جذبني لهذه الرواية في الواقع هو العنوان. وأول ما طرأ على ذهني لحظتها هو لماذا؟ لماذا تقرر فيرونيكا أن تموت؟

ولماذا يقرر أي شخص فجأة أًن يموت؟ تعددت الأسباب والموت واحد. لكن الحقيقة أن الرواية لم تكن تدور حول الأسباب التي جعلت فيرونيكا تقرر أن تموت. ولكن عما حدث عندما قررت أن تموت.
عن رواية فيرونيكا تقرر أن تموت

الرواية باختصار تحكي عن فيرونكا الفتاة الشابة المحاطة بكل وسائل الرفاهية لدرجة أنها تقرر الانتحار من فرط الملل. وترسل إلى مجلة مدعية أنها انتحرت لأن الناس لا تعرف أين تقع دولة سلوفينيا! فتبتلع أقراص منومة لكنها تفتح عينيها لتجد أنها فى مصح للأمراض العقلية -حيث تدور أحداث الرواية- وهناك يخبرها الأطباء أنها ستموت بعد سبعة أيام وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية.

وهناك في (فيليت) -وهو اسم المصح العقلي- تصطدم (فيرونيكا) بنماذج مختلفة من البشر لتكتشف ذاتها الحقيقية والمعنى الحقيقي للكثير من المفاهيم. ومع اقترابها من الموت تكتشف أنه في الواقع كل لحظة تمضي من وجودها هي خيار بين الحياة أو الموت. وأن الأسباب التي اعتقدت في السابق أنها أسباب مقنعة للموت هي في الواقع أشد الأسباب التي تدعوها للتشبث بالحياة.

ومن خلال رحلتها داخل المصح تؤثر فيرونيكا على حياة غيرها من الأشخاص وهو ما لم تلاحظه أبداً خارج المصح. كما تتعرض للمعنى الحقيقي للجنون وهو ما ذكرته أنا في بداية المقال: قصة المملكة التي شرب سكانها من بئر الجنون ليعتقدوا فيما بعد أن كل ما يخالف رؤيتهم جنوناً. فيصبح العاقل في نظرهم مجنوناً حتى يقرر أن يشرب أيضاً من نفس البئر.
عيش الحياة

تتعرض الرواية أيضاً لقضية أخرى وهي القدرة على الاستمتاع بالمشاعر. فأغلب البشر يحيد مشاعره تماماً فلا يترك نفسه يفرح بصدق أو حتى يحزن بحرية. أكتب الآن وأنا أتذكر العبارة الدعائية لمنتج مشهور (لو ده جنان أتجنن). بالفعل أغلبنا فقد نفسه تماماً في دوامة تحييد المشاعر التي تفرضها علينا الحياة. وفي هذا الأمر تقول فيرونيكا: “لم أشعر يوماً بالكآبة تعتريني، أو بسعادة غامرة أو بحزن كبير، أو أقله بشعور طال”.

كثيراً ما ننكر مشاعرنا أو نكبتها ولا نسمح لأنفسنا أن نعيش إلا مشاعر معينة فينتهي بنا الأمر وقد فقدنا قدرتنا على عيشها كلها، فنشعر بمشاعر باهتة كمن ينظر بغير نظارة. إنه يرى ولكن الرؤية لديه مشوشة، أو كمن يعاني من نزلة برد فلا يتذوق الطعام، إنه يأكل لكنه لا يتذوق. وعندما ننكر مشاعرنا ونكبتها ولا نعبر عنها، فإننا قد لا نتألم بشكل كبير ولكننا أيضاً لا نفرح بشكل كبير.

الرواية رحلة مذهلة لاكتشاف الذات من جديد. وخلاصة الأمر أن أغلبنا (فيرونيكا) بشكل أو بأخر. لن أكتب عن نهاية الرواية لكنني سأخبركم بما حدث عندما قررت فيرونيكا أن تموت. لقد اكتشفت أن الحياة تستحق أن تعاش، وأن كل ما اعتقدته في الماضي أسباب كافية للموت هو في الواقع أسباب تدعو للحياة فالحياة مهما طالت قصيرة وكل لحظة تصنع ذكرى هي حدث يستحق أن نعيشه ونشعر بتفاصيله.

لا داعي لأن نعود من الموت لنكتشف أنفسنا من جديد كما فعلت (فيرونيكا). يكفي فقط أن نترك لمشاعرنا الحرية ولأنفسنا ولغيرنا الفرصة. ولا ننسى أبداً أن كل يوم هو فرصة جديدة يكفي فقط أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس.

المصدر: أراجيك