أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » الطبيبة المزيفة : سما حسن

الطبيبة المزيفة : سما حسن

الطبيبة المزيفة
سما حسن
27 فبراير 2019
عندما شاهدت أحد أفلام سلسلة فنان الكوميديا إسماعيل ياسين، التي حملت اسمه، لم أتوقع إطلاقا أن الرجل الوسيم الذي يجلس في غرفة طبيب فخمة ما هو إلا أحد نزلاء مستشفى الأمراض العقلية، إلا حين نهض عن كرسي مكتبه، ليظهر سرواله الداخلي بدلا من البنطال، والمشهد كان مضحكا بحق؛ لأنه أيضا حاول التهام أذن الممثلة الكوميدية زينات صدقي.
انتحال صفة طبيب قضية تتكرّر، ونطالعها في صفحة الحوادث؛ كونها من القضايا الخطرة التي لا يُحاسب عليها القانون في أي بلد حسابا يناسب جرم ما اقترف المنتحل، ويكون الحبس عدة أشهر العقاب الأقصى لهذه الجريمة، على الرغم من خطورة عواقبها التي تمس حياة الإنسان الذي يثق بالطبيب، ويرى فيه خلاصه من المرض والألم، ولكن المثير والغريب، وفي حاشيةٍ ضيقة، أن هناك أطباء قد حققوا الشهرة واستقطبوا المرضى سنوات طويلة، وهم ينتحلون صفة “الطبيب”، حتى انكشفت هويتهم. واستقطاب المرضى يعني أن التشخيص السليم كان يحالفهم، ويصفون الدواء الذي يحقق الشفاء السريع، ما حدا بأمٍّ مصرية، على سبيل المثال، أن تنشر على إحدى الـ”غروبات” النسائية اسم أحدهم وعنوانه، وتنصح السيدات بأن يحذون حذوها، وبأن يصبح هذا الطبيب المزيّف الذي اتضح أنه تخرّج من قسم الكيمياء طبيب أطفالهن الخاص.
مصادفةً، حقق طبيب بريطاني منتحل صفة طبيب شهرةً عاليةً في مجال التوليد، وقد استطاع أن يمارس هذه المهنة عشرين عاما، قبل أن ينكشف أمره بالمصادفة، وأنه ترك الجامعة، ولم يكمل تعليمه، فتوجه صوب قرية بريطانية صغيرة، وحظي بمحبة النساء وثقتهن فيه، بل أصبحن متيماتٍ به ويطلقن اسمه على مواليدهن الذين جاءوا إلى الحياة على يديه.
لا أحد يستطيع أن يكتشف السبب في أن مهنة الطب من أكثر المهن التي يميل بعض الأشخاص إلى انتحالها، حيث انتحلت طالبة فلسطينية صفة طبيبة أخيرا، وعملت في عدة مستشفيات في غزة، قبل أن ينكشف أمرها، ويتضح أنها طالبةٌ في قسم الرياضيات، وربما يرجح أخصائيون نفسيون أن الأبناء عموما يدرجون مهنة الطبيب ضمن أول خيارات أحلام المستقبل التي لا تتحقق غالبا، وتتكسّر على صخرة الواقع ما بين الوضع الاقتصادي وعدم تحقيق الدرجات المطلوبة للالتحاق بكليات الطب. ولكن هناك نظرية لافتة، تفيد بأن الناس غالبا ما يحترمون الأطباء، ويجدون أنهم لا يكذبون، ويؤمنون بأن كل ما يقوله الطبيب يكون مقدّسا، بل إن كلامه يقطر حكمةً، لأنهم يلجأون إليه في أشد حالات ضعفهم ووهنهم، فالمريض أمام طبيبه مهما كان يملك من القوة والنفوذ والمال ينصاع لأوامر هذا الطبيب، وينفذ تعليماته، ولا يشكك فيما يمليه عليه، بل إن كلمة “دكتور” التي نستخدمها في غير محلها تفتح الأبواب المغلقة لحاملها، وتُعينه على أن يفرض رأيه في أي مكان، حتى لو كان كلامه يقطر سذاجة، ولكن من حوله سوف يعلقون تعليقا واحدا على كل ما يتفوّه به “عظمة على عظمة”.
ربما هذه النظرية، وهي التي ترتبط بالضعف البشري، السبب في لجوء بعضهم إلى انتحال صفة الطبيب، لأن الإنسان الفاشل يبحث عن صورته لدى الآخرين، فلا يجد له قيمةً إلا حين يصبح طبيبا، والحقيقة أن الطبيب هو الشخص الذي يسمع كلمات المحتضرين الأخيرة، وهلوساتهم حين يغيبون عن وعيهم، ويصبح مخزنا لأسرارهم، بل إنه يتحول إلى كتلة من المشاعر والعطاء إن أجاد وأخلص. وربما كان الطبيب أقل الناس حديثا عن الناس، وأقلهم تدخلا في شؤون الغير، وقلب الطبيب أصبح ضيقا من ثقل ما رأى وسمع.
أمام هذه الظاهرة، الأطباء المزيفون، مهما طال بهم الأمد، سوف ينكشف أمرهم، ولو بخطأ بسيط كمكافحة أحدهم وضع قفازات اللاتكس وعدم غسل يديه جيدا قبل الجراحة، مثلما حدث مع الطبيب الإيطالي المزيف ماتيو بوليتي.