أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » فيلم «عن الآباء والأبناء» المخرج السوري طلال ديركي أهم من حياة الإنسان ! مخرجون ضحوا بنشطاء من أجل «الصورة الحلوة»

فيلم «عن الآباء والأبناء» المخرج السوري طلال ديركي أهم من حياة الإنسان ! مخرجون ضحوا بنشطاء من أجل «الصورة الحلوة»

وقف المخرج السوري طلال ديركي مبتهجًا وسط نجوم الأوسكار، خلال الحفل الذي أقيم في 25 فبراير (شباط) 2019، فقد وصل فيلمه «عن الآباء والأبناء» إلى القائمة النهائية لجوائز الأوسكار 2019، فئة الأفلام الوثائقية.

لم تكن مشكلة ديركي هي صم آذانه عن الانتقادات الجمة التي نالت منه نتيجة هذا الفيلم، الذي يرى فيه المعارضون السوريون تشويهًا لـ«الانتفاضة السورية»، وإظهارها أمام العالم على أنها انتفاضة متطرفين إسلامين، بل إن الرجل الذي ما يزال يحصد الجوائز؛ متهم بالتسبب في تصفية معتقل سوري داخل سجون النظام، وذلك بعدما بث ديركي فيلمًا شارك فيه هذا المعتقل، باعتباره ناشطًا ومقاتلًا في صفوف المعارضة السورية.
فيلم «العودة إلى حمص» يُضيّع حياة أحد أبطاله

استحق أيقونة الاحتجاج السلمي بمدينة حمص، عبد الباسط الساروت، أن تُتناول حياته في عمل فيلم وثائقي، فقد شكل لاعب كرة القدم، ومن ثم القائد العسكري في المعارضة السورية، محطة هامة في تاريخ الانتفاضة السورية التي انطلقت منتصف شهر مارس (آذار) 2011.

وقد نجح المخرج السوري طلال ديركي بتوثيق حياة الساروت في فيلمه الذي سمي «العودة إلى حمص»، وهو العمل الذي تم العمل فيه على مدار ثلاث سنوات، حتى أصبح أول فيلم وثائقي سينمائي سوري، يتناول الوقائع التي مرت بها الانتفاضة السورية في سنواتها الثلاثة الأولى. وقد عُرض الفيلم في أكثر من 80 مهرجانًا سينمائيًا، وحصل على أكثر من 30 جائزة، أبرزها جائزة «مهرجان سندانس» الكبرى لأفضل فيلم تسجيلي عالمي، والتي حصدها الفيلم في 26 يناير (كانون الثاني) 2014، وصنف كأول فيلم سوري يتم توزيعه تجاريًا في الولايات المتحدة.

بيد أنه في هذا الفيلم؛ كان هناك بطل آخر يشارك الساروت حكاية الانتفاضة السورية، هو الناشط الإعلامي أسامة الهبالي، الذي ظهر في الفيلم باسم «أسامة الحمصي» وأمده بكم كبير من وقائع الانتفاضة على أرض حمص التي لُقبت بـ«عاصمة الثورة» وضمت الكثير من الناشطين والثوار البارزين.

فقد رافق هذا الطالب الجامعي الساخر المخرج ديركي منذ بدأ تصوير الفيلم الذي تابع الترتيب الزمني التصاعدي للأحداث السورية، وسجل العمليات العسكرية المتواصلة بين النظام والمعارضة التي تحاول الحفاظ على المدينة، فيما يحاول النظام السيطرة عليها. ويعرض المشاهد المؤلمة لإصابة الثوار بشكل مباشر خلال التصوير، أو صورًا لمن لفظ أنفاسه الأخيرة أمام الكاميرا.

يقول المخرج ديركي في حوار صحفي إن: «حياة الشخوص بالدرجة الأولى كانت مهددة بالاعتقال أو الموت، حياة طاقم الفيلم والمصور الشجاع قحطان الذي صور أخطر لقطات الفيلم على خط النار، والمنتج عروة نيربية الذي تم اعتقاله على خلفية الفيلم، لا توجد فترة محددة وحيدة شعرت بها بالتهديد، دائمًا كان القلق ظلّي».

وفعليًا، كان أسامة ممن أصيبوا خلال فترة التصوير واستكمل التصوير وهو مصاب، ثم قرر الذهاب إلى لبنان من أجل العلاج، وما أن شعر بتحسن وضعه حتى قرر العودة إلى سوريا يوم 18 أغسطس (آب) 2012، وهو اليوم الذي اعتقل فيه أسامة من قبل النظام السوري على الحدود السورية اللبنانية، اعتقل قبل أن يتعافى جسده كاملًا كما تقول شقيقته سوسن لـ«ساسة بوست»، مضيفة: «بعد اعتقال أسامة، استكمل طاقم الفيلم التصوير حتى أصبح جاهزًا للعرض مع نهاية العام 2013».

هل قدم ديركي في فيلمه دليل إدانة أسامة للنظام السوري؟

تقول شقيقة أسامة لـ«ساسة بوست» إنه قبيل عرض الفيلم تلقت اتصالًا من منتج الفيلم عروة نيربية، يخبرها بأن سيتم عرض الفيلم في «مهرجان أبوظبي السينمائي» في دورته الثامنة، ضمن فئة مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، لكن سوسن نيابة عن أسرتها رفضت عرض الفيلم لكون شقيقها ما يزال داخل سجون النظام، إلا أن المنتج حاول إقناعها بأن المهرجان مغلق وغير مخترق من قبل النظام، وبالفعل شارك الفيلم للمرة الأولى في هذا المهرجان.

الصدمة لم تتوقف هنا، بل في يناير (كانون الثاني) 2014 فوجئت سوسن ببث قناة «العربية» السعودية للفيلم، وتقول: «من شدة الذهول واستبعاد بث مشاهد لأخي أخذت أتابع الفيلم بدقة على توقع أن تكون المشاهد التي ظهر بها أخي قد حذفت أو تم تعتيمها، لكن هذا لم يحدث»، وتتابع سوسن القول بألم شديد: «حين بث الفيلم لم يكن قد مر الكثير من الوقت على معرفتنا أين يوجد أخي في سجون النظام، كان يوجد في سجن صيدنايا الذي يسمى المسلخ البشري».

بث الفيلم على «قناة العربية» دفع سوسن لشن حملة ضد منتج الفيلم ومخرجه، وهي الحملة التي تستأنفها سوسن هذه الأيام بسبب علمها بوجود محاكمات في دول غربية ضد من ارتكب جرائم في سوريا، ومنهم فريق عمل الفيلم الذي تسبب في تصفية شقيقها في السجن كما تؤكد. وتضيف سوسن: «إضافة إلى ما ارتكب بحق أخي؛ أظهر أنا في الفيلم بدون علمي، ظهرت أسعف أحد المصابين، مما تسبب في أن أصبح مطلوبة لأربع فروع أمنية تابعة للنظام، وكذلك ظهرت كوادر طبية أخرى كانت في مناطق النظام».

أسامة الذي علم أهله بخبر إعدامه في سجن صيدنايا يوم 15 مارس (آذار) 2015، أطلق النظام سراح رفيقه الذي اعتقل معه ويدعى عمار، تقول سوسن: «اعتقل عمار مع أسامة، وأودع في فرع فلسطين ثم نقل إلى سجن عدرا ليفرج عنه بعد فترة، بينما تم تحويل أسامة إلى صيدنايا حتى أعدم فيه».

وعن أسامة، الشقيق المرح الذي أحبه الجميع تقول سوسن: «حين تلقينا خبر استشهاده ذهلنا من كم التعازي التي تلقيناها وكأن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تعرفه، أطلقوا عليه قلب الخالدية، الحي الذي ننحدر معه كعائلة».
رشيد المشهراوي.. «الفيلم أهم من الإنسان»!

تابع أشخاص كثيرون الوضع المأساوي الذي عاشه مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا بسبب الحصار والقتال الذي نال من المخيم مباشرة بعد اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011.

هؤلاء وغيرهم لن يستطيعوا نسيان صورة قاسية أطلق عليها اسم «الملوك الثلاثة»، تُظهر ثلاثة أطفال أيتام حلقت شعورهم في المخيم وهم جياع بائسون ومرضى للغاية، تلك الصورة التي نالت جائزة أفضل صورة صحفيّة من وكالة الغوث (الأونروا) عام 2014، التقطها الناشط الفلسطيني نيراز سعيد، الذي قرر وسط مخاطر جمة القيام بتوثيق المعاناة داخل المخيم.

كذلك، كان من أهم جهود نيراز هو قيامه بصناعة المادة المصورة لفيلم «رسائل من اليرموك»، ذاك الفيلم الذي أخرجه المخرج الفلسطيني رشيد المشهراوي، ويعتمد على عرض صور التقطها نيراز من داخل اليرموك بكاميرا الفيديو خاصته، وكذلك على محادثات «سكايب» بين نيراز وخطيبته لميس الخطيب التي هاجرت إلى ألمانيا، إذ يجعل المشهراوي خطّه الدرامي مرتكزًا على العلاقة الخاصة بين الخطيبين ومتوازية مع الحصار والنزوح، ليخرج في المحصلة فيلم وثائقي مدته 59 دقيقة يحصد العديد من الجوائز.

بيد أن المفاجأة تكمن في أن المشهراوي الذي قال لصحيفة «البيان» الإماراتية إن «الإنسان أهم من الفيلم، والإنسان أهم من المهرجان، وإن لم يكن أهم فلماذا الأفلام؟ ولماذا السينما؟»، لم يعبأ بخبر اعتقال نيراز في اليوم الثاني من يناير 2015 حين اقتحمت قوّات النظام السوري مقرّ جمعيّة «نور للإغاثة والتنمية» في مخيم اليرموك واعتقلت الناشط الفلسطيني.

فبعد مُضي شهرين ونصف على اعتقال نيراز، لم تكن خطيئة المشهراوي فقط كثرة إطلالاته في وسائل الإعلام مع تجاهله لدور نيراز والاقتصار على الحديث على جوائز الفيلم وجولاته العالمية، بل اتهم المشهراوي أيضًا بسرقة جهد نيراز ورفاقه في المخيم الذين عملوا في أقسى الظروف، وقدم المشهراوي نفسه على أنه المخرج الذي أعاد إحياء المواد التي صورها نيراز.

ولم ينجح الحراك الذي قاده أقارب نيراز وأصدقاؤه في منع المشهراوي من الترويج للفيلم، مما جعل خبر استشهاد نيراز تحت التعذيب أمرًا متوقعًا، وبالفعل جاء خبر استشهاده اليقيني يوم 15 يوليو (تموز) 2018، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات من الإخفاء القسري لمصيره وكتبت لميس الخطيب على صفحتها على موقع «فيسبوك» جملة مختصرة باللغة العالمية تقول فيها: «ما في أصعب من أن أكتب هذا الكلام&8230; بس نيراز ما بموت عالساكت»، مضيفة: «قتلوا حبييي وزوجي، قتلوا نيراز، قتلوك يا روحي. نيراز استشهد بمعتقلات النظام السوري».

المصدر: ساسة بوست