أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » نقاط بيدرسون الخمس والبحث عن حلٍ للصراع السوري : أسامة آغي أديب وباحث وإعلامي سوري

نقاط بيدرسون الخمس والبحث عن حلٍ للصراع السوري : أسامة آغي أديب وباحث وإعلامي سوري

تبدو مهمة “جير بيدرسون”، الوسيط الدولي لحل الصراع السوري، مهمةً تحتاج إلى أكثر من الصبر والتفاؤل النسبي، فلقد سبقه إلى هذه المهمة عدد من الوسطاء الدوليين، دون تحقيق أدنى تقدمٍ ملموسٍ على صعيد حلّ هذا الصراع. ولكنّ الوسيط الدولي الجديد وضع خارطة طريقٍ يعتقد أنها صالحة للسير في هذا الدرب الشاقّ، إذ أعاد بعث الروح بسلال ديمستورا الأربع والتي اختصرت إلى سلّة واحدةٍ هي سلّة اللجنة الدستورية.

وفي إحاطته لمجلس الأمن الدولي منذ أيام، قال بيدرسون: ” هناك حاجة لجلب السوريين إلى مفاوضات حقيقية تحت رعاية الأمم المتحدة، لإنهاء الصراع المدمّر في بلادهم، والشروع ببداية جديدة، حتى يتمكن السوريون مجتمعين من تحقيق السلام لجميع السوريين “. هذه الإحاطة تبدو أقرب إلى الرغبة منها إلى الأمل الحقيقي، وذلك بعد مرور عدّة سنوات على صدور قرار مجلس الأمن رقم 2254، بشأن حلّ الصراع دون تحقيق أي اختراق في هذا الاتجاه. والسبب في عدم الحلّ يعرفه بيدرسون، كما كان يعرفه سلفه ديمستورا.

لكنّ وفد هيئة المفاوضات الممثلة للمعارضة السورية طغى عليه التفاؤل، إذ قال يحيى العريضي وهو الناطق الرسمي باسم هذه الهيئة “إنّ النقاط الخمس التي وضعها بيدرسون كمشروعٍ للتحرك المستقبلي، هي نقاط لا خلاف لنا معها، وهي في موقع ترحيبٍ من الهيئة لأنها متوازنة وموضوعية، وتعكس جديةً في مقاربة المسألة السورية”.

إذاً النقاط الخمس هي ذاتها بصورة جديدة سلال ديمستورا المشهورة، والمتمثلة بسلّة ” الحوكمة ” أي الانتقال السياسي، وسلّة الدستور، وسلّة اجراء الانتخابات، وقبل ذلك سلّة بناء الثقة من خلال مواضيع ذات صلةٍ بالجانب الانساني كملف المعتقلين.

لكنّ تفاؤل العريضي لا يدعمه وضوح عن الطريقة التي سينتهجها بيدرسون، لتحويل السلال المعنية إلى واقع حال، فهذه السلال رفضها النظام الأسدي، لأنه يعرف تماماً أنها تقوّض سلطته، التي بقي ثمانية أعوامٍ يقتل ويدمّر من أجل بقائها واستمرارها.

تفاؤل العريضي ومعه هيئة المفاوضات يبدو أنه يستند إلى معادلاتٍ أخرى خارج خطّة بيدرسون، وتحديداً رفض الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة تقديم أو السماح بتقديم أي أموالٍ لإعادة إعمار سورية، التي هدمها نظام بشار الأسد. هذا النظام يواجه استحقاقات دولية، بدأ العمل بها من خلال السماح برفع دعاوى قضائية ضده، تتهمه بارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضدّ الانسانية. وهناك ملفات كبرى تحتفظ بها القوى الدولية في هذا الاتجاه، وتحديداً “قانون سيزر”، الذي اعتمده الكونغرس الأمريكي منذ وقت قريب.

إنّ خطة بيدرسون ذات النقاط الخمس ليست ذات قيمة إذا لم يتم تفاهم دولي حولها، وتحديداً بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة روسيا الاتحادية، فالروس حاولوا رسم مسارٍ مواز لمسار محادثات جنيف لفرض رؤيتهم للحلّ السياسي عبر مسار أستانا _مناطق خفض التصعيد والتوتر_ ومسار سوتشي، ولكنهم فشلوا في فرض هذين المسارين.

كما حاولوا الاستفادة من الإرباكات الداخلية التي تمرّ بها الإدارة الأمريكية، وخصوصاً الصراع الداخلي بين إدارة ترامب وبين معارضيه في مجلسي الكونغرس، وفي البنتاغون، أو في غير ذلك من مؤسسات السلطة الأمريكية، لتمرير أجندتهم، ولكنّ ذلك وصل إلى طريق مسدود.

ولنجاح خطّة بيدرسون وما تحتاجه من ضمان توفير ضغطٍ دولي على نظام الأسد وحلفائه، يسمح بفرض صيغة الأمم المتحدة لتشكيل اللجنة الدستورية، من ثلث للمعارضة وثلث للنظام وثلث تختاره الأمم المتحدة، وهو الثلث الذي عارض النظام أن يشكله الوسيط الدولي، خوفاً من ترجيح هذا الثلث للخيارات الدولية في القرار 2254، والذي يعني نهايةً غير سعيدةٍ لبقاء النظام الأسدي في السلطة.

وتحتاج خطّة بيدرسون عبر نقاطها الخمس إلى موائمة تسير بهذه الخطة في آن واحد، فليس مقبولاً أن تُنجز الأمم المتحدة سلّة الدستور في وقت لا تزال فيه بقية السلال معطلةً، فما قيمة هذه السلًة إن لم ترافقها إنجازات حقيقية في السلال الأخرى، فإنجاز سلّة الدستور سواءً بتعديل دستور عام 2012، أو التوافق على دستور وطني جديد يستلزم أيضاً التوافق على سلّة الحوكمة أي الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالية، إضافة إلى توفير بيئة آمنة حقيقية لعودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، ليتمّ إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة وشفّافة تحت إشرافٍ كاملٍ من الأمم المتحدة. وقبل ذلك كله، ينبغي توفر إجراءات بناء الثقة من خلال حلّ ملف المعتقلين، والكشف عن المفقودين، الذين يُعتقدُ أنهم قد تمّت تصفيتهم في المعتقلات.

نقاط بيدرسون الخمس هي سلّة حلٍ شامل، لا تزال ناقصةً بانتظار ضغطٍ دولي حقيقي، أو تعديل في القرار 2254 بما يمنع النظام من التملص من تنفيذ القرار المذكور. فهل يلجأ بيدرسون إلى محاولة طلب تعديل القرار 2254، بما يتوافق وتنفيذ محتوياته، لتحقيق وقف الحرب والشروع بعملية الانتقال السياسي في سوريا؟ أم أنه يراهن على تغييرات على أرض الواقع، تُضعف النظام الأسدي من خلال طرد حليفه الإيراني وميليشياته من البلاد؟ إضافة إلى محاصرته اقتصادياً عبر تطبيق عقوبات على من ينتهك أو يتجاوز “قانون سيزر” الأمريكي.

إنّ المؤشرات الجارية على أرض الواقع تُظهر أن أمور الصراع في سوريا تتجه نحو طرد إيران من هذا البلد، وبالتالي يمكن توقع اتجاه جديد في السياسة الروسية لملاقاة الجهد الدولي الذاهب إلى حلٍ سياسي للصراع السوري وفق القرار 2254. وهذا ما يخاف من حصوله النظام الأسدي، دون أن يكون لديه أي أوراق يمكنه اللعب بها في هذه المرحلة.

أسامة آغي  : أديب وباحث وإعلامي سوري

المصدر : موقع بروكار برس

 

المصدر :

https://brocarpress.com



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع